المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طريقة الشناقطة في تعلم العلوم الشرعية



طويلب علم
28-07-2007, 07:58 AM
أحبتي في الله وجدت هذا الموضوع والذي هو بعنوان لماذا الشناقطة يحفظون ؟ فأعجبني فأردت أن أتحفكم به لأطلع على رأيكم أما عن رأيي في طريقة الشناقطة في الحفظ فهي مثالية في نظري وسبب لقوة الحفظ لكن تحتاج لصبر والعناية بالحفظ من أعظم مميزات المدرسة المورتانية لأنه كما يذكر علماء النفس أن أول العلم الحفظ ثم الفهم الى أن يصل الى رأس الهرم وهو النقد فنستفيد من هذا فائدتين أن من أسباب التمكن في الفهم وضبط العلم الحفظ ومن حفظ المتون حاز الفنون والفائدة الثانية أن النقد والرد لايكون الا بعد العلم ، العلم أولا ثم الرد والنقد والله أعلم ومما يعجبني في طريقتهم أنهم لايقرنون العلوم حتى لايتشتت الطالب ويتقن وهذا يصلح لعامة الطلبة الا الأذكياء منهم والموفقين في تنظيم أوقاتهم مع تفرغهم للعلم وهم قلة في نظري وعامة الطلبة الذين يجمعون بين العلوم اما أن تضيع عليهم أعمارهم فلايحصلون شيئا واما أن يحصلوا بغير اتقان ولاتحرير للمسائل ولذلك تعجب حين ترى الطالب درس كذا وكذا من المتون ثم تراه اذا قرر مسألة قررها مشوهة مضيعا لكثير من ضوابطها أو يكون غير قادر على تقريرها لالتباسها في ذهنه وهذا نتيجة استعجاله في تلقيها دون ان يطمئن الى استقرارها مع زوال الاشكالات عنه بل يدخل المسألة تلو المسألة الى ذهنه حتى يلتبس بعضها ببعض ، فطريقتهم هذه في وجهة نظري تحفظ عمر الطالب فهي بطيئة لكن أكيدة الأثر ان صح التعبير طبعا بعد توفيق الله جل وعلا والله أعلم
وأما ما يؤخذ على بعضهم مع محبتي واحترامي لهم فتغليب علوم الآلة والتوسع فيها أكثر من العلوم المقصودة لذاتها فيتوسعون مثلا في علوم العربية على حساب التوحيد والتفسير والفقه والحديث وكذلك تركيز بعضهم على الحفظ مما أضعف لديهم الفهم حتى تراه يسرد المتن والشرح جميعا وفي الفقه لاحظت على كثير منهم عناية في حفظ المذاهب دون تحرير لأدلتها وقد يلزم بعضهم المذهب تعصبا ، وتوسعهم في المحفوظات أحيانا قد يحفظ أحدهم في الفن الواحد عشرات المتون وهذا يخرج حفظ المتون عن المقصود منه وهو كون المتون سلما للإتقان لاغاية لذاتها هذا حال بعضهم وفيهم ولله الحمد أهل علم لهم فضل وعلم جم واتباع للدليل وعناية بعلوم الشريعة واحتساب في نشر العلم وتعليمهم للمسلمين وانما ذكرت ماذكرت لقصد النصيحة لا لتنقص أحد وهذا مجرد رأي رأيته قد يكون خطأ وقد يكون صوابا والله الهادي الى سواء السبيل
واليكم الموضوع:
لماذا الشناقطة يحفظون؟!
بقلم: محمود بن محمد المختار الشنقيطي؟
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:
كثيرون أولئك الذين يبتدروني بهذا السؤال حين يضمني وإياهم مجلس، فيدور الحديث حول مسألة الحفظ باعتبارها من أهم قضايا طلب العلم الشرعي، فيسألونني عن أسباب ظاهرة قوة الحفظ عند قومي، ولماذا كانت أهم سمة في علماء الشناقطة – الذين رحلوا إلى المشرق واتصلوا بالأوساط العلمية – القوة الفذة والقدرة الفائقة على استحضار النصوص؟ ويسألونني عن أعجب ما بلغني من أخبار عن نوادر الحفاظ في الشناقطة.
وكنت أجيب بما يناسب مقام كل مجلس ويفيد منه الحاضرون، دون تقصٍّ أو تعمدِ بحثٍ عن الإجابة على هذه القضية، وحين كتب الله لي أول زيارة – العام المنصرم – لبلاد الآباء والأجداد (شنقيط)، ووقفت على بعض المحاضر الحية القائمة على أطلال ورسوم المحاضر(1) العتيقة، وحَظِيْتُ بلقاء أجلةٍ فضلاءَ من علماء الشناقطة(2) أدركوا أواخر نهضة علمية، كان من أبرز سماتها اعتمادها على حفظ الصدور لما وُجِد في السطور، وأن العلم هو ما حُصّل في الصدر ووعته الذاكرة متناً ومعنى، حتى غدا من أمثالهم التي تعبِّر عن هذا المعنى: (القراية في الراس ماهُ في فاس ولا مكناس) أي العلم المعتبر هو ما في حفظك، وليس في كثرة الذهاب إلى المدن الحضارية ومؤسسات التعليم فيها.
حين كتب الله لي تلك الزيارة كان مما يدور في خلدي الجواب عن السؤال المتقدم من واقع تجربة طلاب العلم في تلك المحاضر، فتجمّعتْ عندي طرق كانت وراء تيسير الله للشناقطة مَلَكَة حفظٍ نادرة، وطاقة ذهنية عالية جعلتْهم يفخرون في ثقة واعتزاز بقدراتهم على استذكار عشرات الكتب، وجعلت العلامة سيدي محمد بن العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي رحمه الله (ت1250هـ) يقول: (إن علوم المذاهب الأربعة لو رُمي بجميع مراجعها في البحر لتمكنْتُ أنا وتلميذي ألفَغّ الديماني من إعادتها دون زيد أو نقصان، هو يحمل المتن وأنا أمسك الشروح)(3)، وجَعَلَت العلامة محمد محمود التّرْكزي رحمه الله (ت 1322هـ) يزهو بحافظته متحدياً الأزهريين بأنه أحق بإمامة اللغة والاجتهاد فيها منهم، لأنه يحفظ القاموس كحفظه الفاتحة، فاستبعدوا ذلك وعقدوا له مجلساً بالأزهر، فكان كما قال، فأقرّوا له وصاروا يصححون نسخهم من نسخة التركزي رحمه الله المحفوظة في صدره(4).
وقبل أن أُتْحِفك – أخي القارئ – بشيء من طرقهم وأساليبهم في الحفظ تتضمن الإجابة عن السؤال المتقدم، أتحفك بأخبار القوم ونوادرهم في الحفظ، مما وجدتُه مسطوراً في كتب التراجم، أو محكيّاً على ألسنة الرواة، وسيتملكك العجب وتعتريك الدهشة لسماعه، وتجزم معي بأن ما حباهم الله به من ذاكرة فذة، وقدرة على استحضار النصوص ربما لا توجد إلا في ذاكرة الحاسب الآلي، حتى صارت حكاياتهم في الحفظ غريبة تشبه الأساطير وما يجري مجرى خوارق العادات.



بعض أخبار ونوادر المتقدمين
فمن ذلك ما ذُكر في ترجمة العلامة عبد الله بن عتيق اليعقوبي رحمه الله (ت 1339هـ)، أنه كان يحفظ لسان العرب لابن منظور(5).
وكان الغلام في قبيلة (مُدْلِش) يحفظ (المدوّنة) في فقه الإمام مالك قبل بلوغه، وكانت توجد في قبيلة (جكانت) ثلاثمائة جارية تحفظ الموطأ فضلاً عن غيره من المتون، وفضلاً عن الرجال، ولهذا قيل: (العلم جكني)(6).
ورُوي عن الشيخ سيد المختار بن الشيخ سيدي محمد بن الشيخ أحمد بن سليمان (ت1397م) حِفْظ كثير من كتب المراجع مثل: فتح الباري والإتقان للسيوطي، غير المتون والكتب التي تُدرَّس في المحضرة(7).
ومن العجيب ما تجده من محفوظات فقهائهم غير متون الفقه والأصول وما يتعلق بالتخصص، فهذا قاضي (ولاته) وإمامها سيدي أحمد الولي بن أبي بكر المحجوب كان يحفظ مقامات الحريري، وليست من فنون القضاء ولا الفقه، وسمعتها عن الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب الأضواء رحمة الله عليه(8),
وأما المتخصص في الأدب والشعر فلا يحفظ أقل من ألف بيت في كل بحر من بحور الشعر العملية، حتى تتهيأ له ملكة أدبية لِيَنْظُم أو ينثر ما يريد.
فهذا العلامة الأديب محمد محمود بن أحمذيه(9) الحسني رحمه الله كان يحفظ في الأدب وحده: مقامات الحريري، والمستطرف، وكامل المبرد، والوسيط في أدباء شنقيط، وديوان المتنبي، وديوان أبي تمام، وديوان البحتري، هذا في الأدب وحده دون غيره من فنون ومتون المنهاج الدراسي المحضري(10).
ومن نوادر نساء الشناقطة في قوة الحفظ ما حدّث به العلامة محمد سالم بن عبد الودود أن أمه مريم بنت اللاعمة كانت تحفظ القاموس، وقد استوعبته بطريقة غريبة، حيث كان والدها يرسلها من حين لآخر إلى خيمة أحد علماء الحي تنظر له معنى كلمةٍ في القاموس – وكان هذا العالم ضاناً بنسخته لا يُعِيْرُها – فكانت البنت تحفظ معنى الكلمة وتعود بها إلى والدها وهكذا حتى حفظت مادة القاموس كلها.
بعض أخبار ونوادر المعاصرين
وإن تعجب أخي القارئ من المتقدمين فلعل ممن أدركنا من المعاصرين الأحياء من يماثلهم في الحفظ، فمن ذلك ما حدثني به والدي حفظه الله قال لي: يا بني لقد كنا أيام طلبنا للفقه عند شيخنا الفقيه عبد الرحمن ولد الداهي نتسابق في ختم المختصر ليالي الجمع فيستفتح من (يقول الفقير المضطر) بداية الكتاب، فلا يطلع الفجر إلا وقد ختمناه لا نشكك إلا في مواطن قليلة في أقفاف(11) السفر، نكرر ذلك مرات، وممن أدركناه من الأحياء العلامة الشيخ أحمدّو ابن العلامة الشيخ محمد حامد بن آلّا الحسني نزيل المدينة النبوية متّع الله ببقائه، ولا أبالغ إن قلت: إن ما في صدره من العلم لو جلس يُمليه عاماً كاملاً لما كرر ولا أعاد منه شيئاً، فمن محفوظاته في النحو والصرف: طُرة(12) ابن بونة على الاحمرار(13) يحفظها بنصها، وطرة الحسن بن زين على احمراره للامية الأفعال لابن مالك أيضاً، والمقصور والممدود لابن مالك مع شواهده وهي تَقْرُب من ألفي بيت، وضوابط وشواهد على مسائل ألفية ابن مالك بعضها له وبعضها لوالده ولبعض العلماء الشناقطة تبلغ نحواً من ثلاثة آلاف بيت، إضافة إلى بعض من ألفية السيوطي في النحو.

وفي غريب اللغة نظم ابن المرحّل، ونظم أبوبكر الشنقيطي كثيراً من مواد القاموس، وجل شواهد الغريب من تفسير القرطبي، ومثلث ابن مالك وهو يبلغ ثلاثة آلاف بيت مع شواهده، إلخ من العلوم والفنون...
ومن المعاصرين الحفاظ أيضاً صاحب المحضرة العامرة العلامة محمد الحسن بن الخديم وقد حدثني بعض تلامذته أنه يحفظ النص من مرتين فقط، وأنه لا يكاد يوجد فن إلا ويحفظ فيه ألفية، حتى في الطب والعقيدة والقواعد الفقهية والقضاء، وأنه يحفظ كثيراً من كتاب سيبويه وتمنى لو جاءه في الصغر(14).
ومن النساء المعاصرات: العالمة المفتية الفقيهة مريم بنت حين الجكنية والدة الشيخ عبد الله بن الإمام، حدثني بعض تلامذة ابنها أنها كانت تشرح له في ألفية ابن مالك إذا لم يكن ابنها في البيت، ورويت عن قريبات لي أنها تحفظ كثيراً من المتون الفقهية وتفتي النساء في الحج والحيض، ولها ألفية في السيرة ولها منظومات فقهية لبعض المسائل والنوازل، وهذه نتف مما وقفت عليه لعل فيها ما يُذكي الحماس لدى طلاب العلم المعاصرين.

طرق الحفظ لدى الشناقطة :
ولهم في الحفظ وسائل وطرق أُجملها فيما يلي:

أولاً: التعليم الزُّمَرِي أو ما يسمى بلغة المحاضر (الدولة)
وهو دراسة جماعية يشترك فيها مجموعة من الطلبة متقاربي المستويات يقع اختيارهم على متن واحد يدرسونه معاً، حصة حصةً، يتعاونون على تكراره واستظهار معانيه(15)، يتحاجون فيه، وينشّط بعضهم بعضاً على المواصلة والاستمرار ومدافعة السآمة والملل. أذكر وأنا في المرحلة المتوسطة الإعدادية أنني أدركت مجموعة من طلاب العلم الشناقطة (دولة) في المسجد النبوي في شعر المعلقات.

ثانياً: تقسيم المتن إلى أجزاء
وهو ما يُعرف بلغة المحاضر: (الأقفاف)، مفردها: قِف، والمشهور في المحاضر أن متوسط درس أو (قف) المتن المنظوم خمسة أبيات لا يزيد عليها إلا المبرّزون الأذكياء، وأما المتون المنثورة فيتعارف أهل المحاضر على تقسيمٍ شائع بينهم، فمثلاً مختصر العلامة الشيخ خليل عندهم ثلاثمائة وستون(16) قفاً، ولا تخفى فائدة هذا التقسيم للمتن المراد حفظه، فيعرف الطالب مواضع الصعوبة من السهولة فيحتاط في المراجعة والتكرار، كما أن تخزين المادة في الذاكرة مرتبة منتظمة أيسر في استظهارها واسترجاعها.
ويرى الشناقطة – وهم مضرب المثل في قوة الحافظة والذكاء – أن (القف) الكثير لا يستطيع استيعابه مع الاحتفاظ به في الذاكرة إلا قلة من الحفاظ ولذلك عمدوا إلى تجزئة كل متن، وسارت عندهم هذه العبارات مسار المثل:


- (قفْ أف) أي أنه بمثابة الريح (أف اسم صوت) يمر عابراً فلا يستقر منه شيء في الذاكرة.
- (نص لا بُدّ الُ يخصّ) أي أن النصف لا يمكن الاحتفاظ به جملة فلا بد أن ينسى قارئه بعضه أو يعجز عن استيعابه أصلاً.
- (الثلث يوترث) أي أن ثلث القف يعلق بالذاكرة فلا ينساه قارئه حتى يموت كأنه يورث من بعده(17).

ثالثاً: وحدة المتن واستيفاؤه:
فينصحون الطالب أن يشتغل بدراسة متن واحد يفرّغ قلبه له، ويستجمع قوته لحفظه ولا يجمع إليه غيره، ولا ينتقل عنه حتى يستوفي دراسته كله، بل يرون أن جمع متنين معاً يحد من قدرة الطالب على الاستيعاب فيظل جهده الذهني موزعاً بين عدة متون لا يكاد يتقن أياً منها، كما أن بتر المتن دون حفظه كله يضيع جهد الدارس هباءً، وينمّ عن كسل وقصور في همة الطالب، ويمثلون لمن يروم حفظ نصين في وقت واحد بالتوأمين، فلا سبيل إلى خروجهما معاً في آن واحد، بل لا بد أن يسبق أحدهما الآخر، ونظموا هذا المبدأ بقولهم:
وإن تُـرد تحصيل فنٍ تمّمهْ وعن سواه قبل الانتهاء مَهْ
وفي ترادف الفنون المنع جا إذ توأمان اجتمعا لن يخرجا(18)

رابعاً: صياغة المتن المنثور نظماً:
لقد وظّف الشناقطة ملكة الشعر كثيراً في تيسير العلوم للحفظ وضمان حظ أوفر من القبول والبقاء له، ولذا غلبت الصبغة النظمية في نظام الدرس المحضري، وكما هو معلوم فإن النظم أسهل حفظاً واستحضاراً من النثر، قال ابن معط رحمه الله في خطبة ألفية في النحو:
لِـعِلْمِهم بأن حفظ النظمِ وفق الذكيّ والبعيد الفهمِ
لا سيما مشطور بحر الرجَز إذا بنُي على ازدواج موجزِ
وفي المحضرة قلّ أن تجدَ متناً يُدرس في فن إلا وجدت من نَظَمَه حتى يسهل حفظه على الطلاب، فمن ذلك(19) أن أبا بكر بن الطفيل التشيتي رحمه الله (ت1116هـ) نظم كتاب قطر الندى لابن هشام رحمه الله، والعلامة محمد المامي الشمشوي رحمه الله (ت1282هـ) عقد كتاب الأحكام السلطانية للماوردي بنظم سماه (زهر الرياض الورقية في عقد الأحكام الماوردية)، والعلامة الأديب عبد الله بن أحمد أبّه الحسني نظم كتاب (مجمع الأمثال) للميداني.

خامساً: تركيزهم على بداية الحفظ والمراجعة المستمرة للمحفوظ:
فعدد تكرار الطالب المتوسط للقدر المراد حفظه من مائة مرة إلى ألف مرة، ويسمونه بلغة المحاضر (أقبّاد)


فيجلس طالب العلم يكرر لوحة بصوت مرتفع في الصباح(20) ثم يعود إليه بعد الظهر ثم بعد المغرب، ثم من الغد يبدأ بمراجعته وتسميعه قبل أن يبدأ في درس جديد، وهكذا يفعل مع الدرس الجديد، وفي نهاية الأسبوع تكون مراجعة لما حفظ من بداية الأسبوع مع ما قبله من المتن حتى ينتهي من المتن بهذه الطريقة، ثم يأخذ متناً آخر، وتصبح لهذا المتن الأول ختمة أسبوعية يمر عليه كله، وبعد تثبيته في الذاكرة ومزاحمة غيره له لا يصل الإهمال والانشغال أن يترك ختمة شهرية للمتن، وأعرف من المشايخ في المدينة النبوية من عنده ختمة أسبوعية للألفية ولمختصر خليل وختمة شهرية للمتون القصيرة كـ(لامية الأفعال) في الصرف لابن مالك والبيقونية والرحبية وبلوغ المرام وغيرها.

سادساً: حفظ النص قبل الحضور إلى الشيخ ليشرحه:
وهذه من أهم الطرق التي تعين الطالب على متابعة الحفظ دون انقطاع أو تأخر، وكان شيخنا الشيخ سيد أحمد بن المعلوم البصادي رحمه الله لا يشرح لأي طالب نصاً حتى يسمعه منه غيباً، فيبدأ الشيخ في شرحه وتفكيك ما استغلق على الطالب فهمه.

سابعاً: لا يحفظ الطالب إلا ما يحتاجه ويمارسه في حياته من العلوم والأبواب في الفن:
فالطالب إذا كان يقرأ مختصراً فقهياً مثلاً، وبلغ في المتنِ كتابَ الحج ولم يكن من أهل الوجوب والاستطاعة فإنه يتعداه إلى غيره وهكذا في أبواب الفرائض والقضاء والجهاد، وقِس على ذلك بقية الأبواب في الفنون المختلفة.

ثامناً: تأثر البيئة بالحركة العلمية:
فقد خالط حفظُ العلم في بلاد شنقيط حياة الناس هناك، ففي بلاد الزوايا(21) يعتبرون من تقصير الأب في حق ابنه إذا بلغ وهو لا يحفظ القرآن حفظاً متقناً ولا يعرف من الأحكام ما يقيم به عبادته، ولا من العربية ما يصلح به لسانه، بل ينظرون إليه نظرة ازدراء واحتقار وأنه قد عقَّ ابنه وقصّر في تربيته، وكان من عادة أهل الشيخ القاضي (اجيجبه) أن لا يتسرول(22) الشاب منهم حتى يتم دراسة مختصر خليل، فحِفْظ المختصر عندهم شرط معتبر للرجولة وسمة النضج.
وتجد أمثال العامة ومخاطباتهم خارج حلقات الدرس قد صُبغت بلون المتون السائدة، فمن أمثالهم إذا أرادوا وصف الشيء بأنه بلغ إلى منتهاه يقولون: (لا حِق فلا أشكال) أي وصل في كذا إلى ذروته، وعبارة (لاحق فلا إشكال) هي آخر جملة في مختصر الشيخ خليل، ومن أمثالهم قولهم: (وحَذْفُ ما يُعلم جائز) وهو جزء من بيت من خلاصة ابن مالك في الألفية.


تاسعاً: عقد مجالس للمذاكرة والإنشاد والألغاز في العطلة المحضرية:
وهي عطلة نهاية الأسبوع العمرية (الخميس وجناحاه مساء الأربعاء وصباح الجمعة)، فيعقد طلاب (الدولة) أو المنتهون مجالس السمر وغالباً تكون ليلة الخميس أو الجمعة يتذاكرون فيها ما دُرِس خلال الأسبوع ويتبارون في تجويد حفظه وإتقانه، أو يحددون باباً أو فصلاً من كتاب يتحاجون فيه، وأعرف عدة مجالس في المدينة المنورة عُقدت لهذا الغرض، منها مجالس لبعض النساء عَقَدْنَه لمذاكرة حفظ القرآن والفقه والسيرة النبوية، ومن ذلك ما يُروى أن محمد بن العباس الحسني – وهو راوية شعر – ادّعى ليلة في مجلس سمر أنه لا يسمع بيتاً من الشعر إلا روى القطعة التي هو منها، وذِكر الكتاب الذي توجد فيه، فتصدى له حبيب بن أمين أحد تلامذة العلامة حُرْمة بن عبد الجليل رحمة الله على الجميع فسأله من القائل:
لو كنت أبكي على شيء لأبكاني عصر تصرّم لي في دير غّسانِ
فقال ابن العباس: نسيت قائل هذا البيت وهو من قطعة أعرفها في حماسة أبي تمام، فدُعي بالكتاب وقلّب ورقة ورقة فلم توجد فيه، فقال لهم حبيب: ها هي بقية الأبيات وذَكَرها:
دير حوى من (ثمار) الشام أودها وساكنوه لعمري خير سكّانِ
دهراً يدير علينا الراح كل رشا خمصان غض بزنديه سُواران
وقال: إن القطعة من إنشائه نظمها تعجيزاً لزميله، وساق دليلاً على صحة قوله أن دير غسان لا وجود له في أديرة العرب، كان شيخ المحضرة الفقيه اللغوي الشاعر حرمة بن عبد الجليل (ت1234هـ) رحمه الله حاضراً فالتفت إلى تلميذه حبيب وأنشأ على البديهة:
لله درك يـا غليّـم مـن فتى سـن الغليـم في ذكـاء الأشيب
لستَ الصغير إذا تَنِدّ شـريدةٌ وإذا تـذاكر فتية في مـوكـب
إن الكواكب في العيون صغيرة والأرض تصغر عن بساط الكوكب(23)

عاشراً: اغتنام لحظات السحر في تثبيت الحفظ:
فلا تكاد تجد طالباً من طلاب المحضرة في وقت السحر نائماً بل يزجرون عن النوم في هذا الوقت.
حدثني الوالد حفظه الله قال: كان إذا صعب علينا شيء انتظرنا به السحر فيسهله الله علينا، ولا ريب أنها لحظات مباركة، لأنها وقت النزول الإلهي، ووقت الهبات والأعطيات(24)، وساعات السحر هي لحظات الإدلاج التي أوصى النبي  بالسير إلى الله فيها كما في صحيح البخاري رحمه الله (واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) وهي سير آخر الليل(25).



وذكر أهل العلم بالتفسير آثاراً عن بعض الصحابة والتابعين رضي الله عن الجميع في انتظار يعقوب عليه السلام لزمان الإجابة حين قال له أبناؤه: (يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) [يوسف:97] فقال: (قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم) [يوسف:98] أنه آخّرهم إلى وقت السحر(26).
وضابط وقت السحر على الصحيح أنه قبل طلوع الفجر بساعة تقريباً على ما حققه الحافظ رحمه الله في الفتح.

وبعدُ أخي القارئ الكريم، بهذه العوامل والأسباب خطف علماءُ الشناقطةِ المتجولون الأضواءَ، وبهذه الطرق والأساليب في الحفظ بزّوا غيرهم في العلوم التي شاركوهم فيها، فهل تجد في هذه الإجابة المقتضبة ما يشحذ همتك ويحرّك إرادتك ويكون مثالاً لك تحتذيه، ويستحثك لجعل الحفظ أهم طرق العلم الشرعي؟ ذلك ما كنا نبغي، وفضل الله واسع، وكم ترك الأول للآخر (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) [المطففين:26].
وصلى الله وبارك على النبي وعلى آله وصحبه أجمعين.



(1) المحضرة: وأقرب تعريف لها: (أنها مؤسسة تعليمية بدوية متنقلة، تكون متخصصة في فن معين،وأحياناً شاملة جامعة لشتى العلوم الشرعية، تضم جماعة من الطلاب مختلفة أعمارهم تحيا حياة اجتماعية بسيطة، هدفها التفقه في الدين وتحصيل التقوى والخلق الكريم، يديرها معلم في فن أو فنون يسهر على التدريس فيها ورعاية هدفها حسبة،وربما ضم إلى مهام التدريس إمامة وقضاء القرية أو البلدة ويُلقب بـ(المرابط)، ولعلها جاءت من رباط المرابطين الذين كان رباطهم النواة الأولى للمحاضر، وقد يلقب: (طالبنا) ولعلها من طالب العلم، واصل الكلمة: (محضرة) وردت في لسان العرب وفي كتب الأندلسيين والمغاربة، منها كتاب المعيار المعرب ورحلة ابن جبير، وفي أبيات ابن حزم المشهورة: (مناي من الدنيا علوم أبثها)، وهي تفارق من وجوه مصطلح الكُتّاب أو الخلوات أو الزاوية في بعض البلدان الإسلامية ا. هـ. بتصرف من (دور المحاضر في موريتانيا) بحث تخرج مقدم للمعهد العالي الإسلامي بنواكشوط عام 1405 هـ إعداد: محمد المصطفى بن الندى، ومن (بلاد شنقيط المنارة والرباط) بحث موسع مقدم للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عن المحاضر في موريتانيا للأستاذ: الخليل النحوي، طبع بتونس عام 1987م، و (السلفية وأعلامها في موريتانيا) للطيب بن عمر الحسين، ص87، ط الأولى عام 1416هـ. وأبيات ابن حزم التي ذكر فيها المحاضر هي:
مـنـاي مـن الـدنـيــا عـلــوم أبـثــها وأنـشــرهــا في كل بــادٍ وحـاضر
دعــاء إلى الـقـــرآن والـسـنــن الـتي تناسى رجال ذكرها في المحاضر
ديوان ابن حزم الظاهري، 95 ، بتحقيق د. رشاد، ط الأولى.
(2) ممن تشرفت بلقائهم العلامة الفقيه الأديب الشاعر الأريب الموسوعي معالي الشيخ محمد بن سالم بن عبد الودود، من بيت علم عريق تقلد مناصب وزارية وعضوية بعض المجامع الفقهية في مصر والمغرب والسعودية، ومن أبرز مؤلفاته: نظم كتاب مختصر خليل في أكثر من عشر آلاف بيت قدّم له بمقدمة ضمّنها عقيدة أهل السنة والجماعة على خلاف السائد هناك من العقائد الأشعرية والماتريدية.
(3) بتصرف من: (بلاد شنقيط المنارة والرباط) الخليل النحوي، ص231، ط الأولى، تونس1987م.
(4) العلامة اللغوي والشاعر الفذ الأبي محمد محمود بن التلاميد (بالدال المهملة)، انفرد في المشرق باللغة والأنساب، اتصل بالأوساط العلمية في الحجاز ومصر، ممن ترجم له الزركلي في الأعلام، ولمعاصره وخصمه أحمد الأمين رحمه الله في الوسيط ترجمة له فيها تحامل عليه.
(5) معجم المؤلفين في القطر الشنقيطي، 68، تأليف سيدي محمد بن محمد عبد الله ولد بزيد، ط الأولى، تونس 1996م.
(6) (موسوعة حياة موريتانيا) للمختار بن حامد رحمه الله، ص5، الجزء الثاني، طبعة الدار العربية للكتاب 1990م.
(7) بلاد شنقيط، للخليل النحوي، ص233.
(8) الغالب على علماء الشناقطة في القرآن وعلومه والفقه رواية الشعر وتذوقه وإنشاده، فلو راجعت كتاب (الوسيط في تراجم أدباء شنقيط)، وكتاب (الشعر والشعراء في موريتانيا) للدكتور محمد المختار ولد أباه، لوجدت معظم من ترجم لهم من الشعراء هم علماء فقهاء.
(9) عالم وشاعر من بيت علم وأدب، أخذ عن بُلا الشقروي، له مؤلفات منها طُرة على ألفية ابن مالك، ت1323م.
(10) بلاد شنقيط المنارة والرباط، ص231.
(11) سيأتي الحديث عن تقسيم المحضر إلى أقفاف جمع قِف وهو اللوح والجزء من المتن بلغة المحاضر، والسفر والباب من أسماء أجزاء مختصر خليل.
(12) اشتهر بالطرة وهو شرح نثري للعلامة اللغوي ابن بونة على ألفيته المتممة لألفية ابن مالك، فصار الجميع 2080 ألفين وثمانين بيتاً، وشرح الجميع بهذا الشرح النثري ويُعرف بطرة ابن بونة وبالجامع، انظر للتعريف بالنحو الشنقيطي ومدارسه وكتبه ورجاله ما كتبه الأستاذ محمذن ولد أحمد المحبوب في مجلة المنهل الأدبية السعودية العددان 547،548، عام1418هـ.
(13) ما يزيده المحشّي أو المعلق على المتن الأصلي يكتبونه باللون الأحمر تمييزاً له عن المتن فيسمونه الاحمرار.
(14) العلامة محمد الحسن بن أحمد الخديم اليعقوبي الجوادي الشنقيطي، له محضرة عريقة خرّجت كثيراً من القضاة والأدباء المعاصرين، ولا زال يدرّس بها، ترجم له بعض تلامذته ترجمة موسعة في مقدمة كتابه (مرام المجتدي من شرح كفاف المبتدي) وهو شرح لنظم الكفاف في فقه المالكية لجده العلامة مولود بن أحمد الجواد رحمه الله.
(15) بتصرف من (شنقيط المنارة والرباط)، ص59.
(16) والبعض يجعله 333 قفاً.
(17) بلاد شنقيط المنارة والرباط، ص200.
(18) السلفية في موريتانيا، ط الأولى، ص104.
(19) معجم المؤلفين في القطر الشنقيطي، وفيه كثير ممن نظم متوناً نثرية.
(20) مجلة الأمة القطرية، العدد 60، ذي الحجة 1405هـ، ص54.
(21) الزوايا: القبائل المختصة أو المهتمة بالعلم تعلماً وتعليماً، ويقابلهم (حسان) وهم القبائل ذات الشوكة والبأس.
(22) أي يلبس السروال.
(23) الشعر والشعراء في موريتانيا، للدكتور محمد المختار ولد أباه، تونس 1987م، ص 36-37.
(24) كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: (من يدعوني فأستجيب له...)، وصفة النزول هنا في الحديث من الصفات الفعلية التي نُقل عن السلف الإجماع على إثباتها حقيقة لله تعالى، فهو سبحانه ينزل لكل قوم في ثلث ليلتهم أي سدس الزمان ولا يخلو منه العرش جل شأنه وتقدست أسماؤه، فكما أن ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين فكذلك صفاته، كما قال جمهور السلف وقرر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله في غير ما موضع، انظر شرح حديث النزول ضمن المجموع (5-31-132-380-396).
(25) أورد الإمام ابن الأثير رحمه الله في النهاية (2/129) قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه شاهداً على أن الإدلاج يكون في السحر.
اصبر على السير والإدلاج في السحرِ وفي الرواح على الحاجات والبكرِ
(26) الدر المنثور (4/584) وتفسير الماوردي (3/79)









أبوعبد السلام
29-07-2007, 05:12 PM
بارك الله فيك فما أحوجنا إلى ذاكرة قوية تعيننا على الحفظ
ولكن أين ذلك مع كثرة المعاصي. والله المستعان.

طويلب علم
31-07-2007, 12:02 AM
جزاك الله خيرا يا أبا عبدالسلام وأسأل الله أن يغفر لنا ما مضى ويبارك لنا فيما بقي من أعمارنا ويوفقنا للتوبة النصوح