المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير قوله تعالى : (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)و قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا)



أم محمد
07-11-2007, 08:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف -رحمه الله تعالى-: باب قول الله -تعالى-: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ .
وفي الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال :لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فأعاد فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله.فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك فأنزل الله عز وجل: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى وأنزل الله -تبارك وتعالى- في أبي طالب: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد أن الهداية من أعز المطالب، وأعظم ما تعلق به الذين تعلقوا بغير الله أن يكون لهم النفع في الاستشفاع، وفي التوجه في الدنيا والأخرى.

والنبي -عليه الصلاة والسلام- وهو سيد ولد آدم، وهو أفضل الخلق عند ربه -جل وعلا- نفي عنه أن يملك الهداية، وهي نوع من أنواع المنافع، فدل على أنه عليه الصلاة والسلام ليس له من الأمر شيء، كما جاء في ما سبق في باب قول الله تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ في سبب نزول قول الله -تعالى-: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ . فإذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- ليس له من الأمر شيء، ولا يستطيع أن ينفع قرابته: [يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاإذا كان هذا في المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وأنه لا يغني من الله -جل وعلا- عن أحبابه شيئا، وعن أقاربه شيئا، وأنه لا يملك شيئا من الأمر، وأنه ليس بيده هداية التوفيق، فإنه أن ينتفي ذلك، وما دونه عن غير النبي -صلى الله عليه وسلم- من باب أولى.

فبطل إذن كل تعلق للمشركين من هذه الأمة بغير الله -جل وعلا- لأن كل من تعلقوا به هو دون النبي -عليه الصلاة والسلام- بالإجماع، فإذا كانت هذه حال النبي -عليه الصلاة والسلام- وما نفي عنه، فإن نفي ذلك عن غيره -صلى الله عليه وسلم- من باب أولى قال هنا: باب قول الله -تعالى-: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ . قال هنا: باب قول الله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ "لا" هنا نافية، وقوله: "تهدي" الهداية المنفية هنا هي هداية التوفيق والإلهام الخاص، والإعانة الخاصة هي التي يسميها العلماء هداية التوفيق والإلهام.

ومعناها أن الله -جل وعلا- يجعل في قلب العبد من الإعانة الخاصة على قبول الهدى، ما لا يجعله لغيره، فالتوفيق إعانة خاصة لمن أراد الله توفيقه.

بحيث يقبل الهدى، ويسعى فيه، فَجَعْلُ هذا في القلوب ليس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ القلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء، حتى من أحب لا يستطيع عليه الصلاة والسلام أن يجعله مسلما مهتديا، فمن انفع قرابته له أبو طالب، ومع ذلك لم يستطع أن يهديه هداية توفيق، فالمنفى هنا هو هداية التوفيق.

والنوع الثاني من الهداية المتعلقة بالمكلف: هداية الدلالة والإرشاد، وهذه ثابتة للنبي -صلى الله عليه وسلم- بخصوصه، ولكل داع إلى الله، ولكل نبي ورسول قال جل وعلا: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ .

وقال جل وعلا في نبيه -عليه الصلاة والسلام-: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ فتهدي يعني: لتدل وترشد إلى صراط مستقيم بأبلغ أنواع الدلالة، وأبلغ أنواع الإرشاد، الدلالة والإرشاد المؤيدان بالمعجزات والبراهين، والآيات الدالة على صدق ذلك الهادي، وصدق ذلك المرشد، فإذن الهداية المنتفية إذن هي هداية التوفيق.

وهذا يعني أن النفع وطلب النفع في هذه المطالب المهمة يجب أن يكون من الله - جل وعلا- وأن محمدا -عليه الصلاة والسلام- مع عِظَم شأنه عند ربه، وعظم مقامه عند ربه، وأنه سيد ولد آدم، وأنه أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام، وأشرف الأنبياء والمرسلين إلا أنه لا يملك من الأمر شيئا، عليه الصلاة والسلام.

فبطل إذن تعلق القلوب في المطالب المهمة في الهداية، وفي المغفرة، وفي الرضوان، وفي البعد عن الشرور، وفي جلب الخيرات إلا بالله -جل وعلا- إنه هو الذي تتعلق القلوب به خضوعا وإنابة ورغبا، ورهبا وإقبالا عليه، وإعراضا عما سواه سبحانه وتعالى.

قال بعد ذلك: "في الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- …. إلى أن قال: فقال له: يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله.

فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله .
في هذا القدر من الفائدة أن هذه الكلمة كلمة لا إله إلا الله ليست كلمة مجردة عن المعنى، تنفع من قالها، ولو لم يقر بمعناها، والعرب كانوا لصلابتهم وعزتهم ورجولتهم ومعرفتهم بما يقولون، كانوا إذا تكلموا بكلام يَعُونَ ما يتكلمون به، يعون كل حرف، وكل كلمة، خوطبوا به أو نطقوا به هم.

فلما قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله، مع أنها كلمة يسيرة، لكن أَبَوْا؛ لأنهم يعلمون أن هذه الكلمة معناها إبطال إلهك من سوى الله -جل وعلا- ولهذا قال -جل وعلا-: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ الآيات.
وكذلك قوله في أول سورة "ص" قول الله -جل وعلا- مخبرا عن قولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا استنكروا لا إله إلا الله، وهذا هو الذي حصل مع أبي طالب حيث قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله .

فلو كانت مجردة من المعنى عندهم، أو يمكن أن يقولها دون اعتقاد ما فيها، ورضا بما فيها، ويقين وانتفاء الريب، لقالها لكن ليس هذا المقصود من قول: لا إله إلا الله؛ بل المقصود هو: قولها مع تمام اليقين بها، وانتفاء الريب، والعلم، والمحبة إلى آخر الشروط.

فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب وهذا فيه والعياذ بالله ضرر جليس السوء على المُجَالِس له فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك .

وهذا موطن الشاهد من هذا الحديث، ومناسبة هذا الحديث لهذا الباب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لأستغفرن لك واللام هنا هي التي تقع في جواب القسم، فثَمَّ قَسَمٌ مقدرٌ تقديره: والله لأستغفرن لك .

وحصل من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن استغفر لعمه، ولكن هل نفع عمَّهُ استغفارُ النبي -صلى الله عليه وسلم- له؟ لم ينفعه ذلك، وطلب الشفاعة والاستشفاع هو من جنس طلب المغفرة، فالاستغفار طلب المغفرة، والشفاعة قد يكون منها طلب المغفرة فردت.

رد ذلك؛ لأن المطلوب له؛ لأن المُسْتَشْفَع له المشفوع له مشرك بالله، والاستغفار والشفاعة لا تنفع أهل الشرك، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يملك أن ينفع مشركا في مغفرة ذنوبه، أو أن ينفع أحدا ممن توجه إليه بشرك في إزالة ما به من كربات، أو جلب الخيرات له.

لهذا قال: لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك، فأنزل الله -عز وجل- مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ .
وهذا ظاهر في المقام أن الله -جل وعلا- نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستغفر للمشركين، وكلمة مَا كَانَ في الكتاب والسنة تأتي على استعمالين:

الاستعمال الأول: النهي. والاستعمال الثاني: النفي. النهي مثل هذه الآية وهي قوله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ هذا نهي عن الاستغفار لهم، وكذلك قوله: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً والنفي كقوله: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ .
ونحو ذلك من الآيات فإذن مَا كَانَ في القرآن تأتي على هذين المعنيين، وهنا المراد بها النهي، نهي أن يستغفر أحد لمشرك، وإذا كان كذلك فالميت الذي هو من الأولياء من الأنبياء من الرسل، فإذا نهي في الحياة الدنيا أن يستغفر لمشرك، فهو أيضا، لو فرض أنه يقدر على الاستغفار في حال البرزخ، فإنه لن يستغفر لمشرك، ولن يسأل الله لمشرك توجه إليه بالاستشفاع أو توجه إليه بالاستغاثة، أو بالذبح، أو بالنذر، أو تألهه، أو توكل عليه، أو أنزل به حاجاته من دون الله جل وعلا.


شرح كتاب التوحيد لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ

مشرفة
07-11-2007, 12:59 PM
أثابكِ الله على اختياركِ القيم

**************************













وهذه كلمة مفيدة للعلامة ابن عثيمين في تفسير قوله تعالى :

( إن الذين لا يؤمنون بايات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم ... )

قال : ومعنى هذه الآية :

أن الذين لا يؤمنون بآيات الله

لا يهديهم الله ولا ينتفعون بآياته - والعياذ بالله –

فالهداية مسدودة عليهم











وهذه الحقيقة فيها فائدة كبيرة ، وهي :

أن من لم يؤمن بآيات الله لا يهديه الله

ومفهوم المخالفة فيها :

أن من آمن بآيات الله ؛ هداه الله












مثال ذلك :

أننا نجد من لم يؤمن بالآيات ؛ لم يهتد لبيان وجهها

مثل قول بعضهم : كيف ينزل الله إلى السماء الدنيا وهو في العلو ؟!

فنقول : آمن تهتد !

فإذا آمنت بأنه ينزل حقيقة علمت أن هذا ليس بمستحيل

لأنه في جانب الله عز وجل ، ولا يماثله شيء












ونجد من يقول في قوله تعالى : ( جدارًا يريد أن ينقض فأقامه ) : كيف يريد الجدار ؟

فنقول : آمن بأن الجدار يريد يتبين لك أن هذا ليس بغريب












وهذه قاعدة ينبغي أن تكون أساسية عندك

وهي : آمن تهتد !

والذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله

ويبقى القرآن عليهم عمىً – والعياذ بالله – ولا يستطيعون الاهتداء به



نسأل الله لنا ولكم الهداية ]










ــــــــــــــــــ


شرح العقيدة الواسطية
( ص : 446- 447)

أم محمد
07-11-2007, 01:33 PM
آميـــــــن يارب العالمين..
وجزاك الله خير الجزاء على الإضافه والتعديل...

أم محمد
09-11-2007, 03:47 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله إمام الموحدين وقائد الغر الميامين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وبعد:

فإن الله العليم الحكيم في خلقه وشرعه وقدره وفي أقواله وأفعاله قد خلق هذا الكون الكبير السموات والأرض وما فيها من آيات عظيمة مما يشاهد وما لا يشاهد وما يعلمه الإنسان وما لا يعلمه لحكمة عظيمة وغاية جليلة هي ابتلاء البشر في هذه الحياة الدنيا واختبارهم أيهم أحسن عملاً، كما ذكر ذلك في محكم ذكره {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}, وهذا الابتلاء هو المذكور في قوله: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} وهو المقصود في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ} ومن هنا يعلم الإنسان مكانته في هذا الوجود ويعرف قيمته.

وأن هذا الامتحان والابتلاء الذي أعده الله له أمر له خطره بحيث سخر من أجله هذا الكون العلوي والسفلي فالسماوات بأفلاكها وكواكبها وشمسها وقمرها قد سخرت لك أيها الإنسان لتقوم بأداء هذا الامتحان على أكمل الوجوه، قال الله تبارك وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
وشكر الله المذكور في الآية يتحقق بالقيام بتلك الغاية التي خلقت من أجلها, والتفكير الجاد في هذا الكون والتدبر الواعي للقرآن والسنة يؤديان إلى القيام بهذا الشكر، والله تبارك وتعالى يلفت أنظار عباده إلى حسن عنايته بالإنسان {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ}, فيها حض لعباده الواعين الذين أدركوا المهمة التي خلقوا من أجلها أن يغتنموا الفرصة التي أتيحت لهم فلا يضيعوها, ثم بيّن لهم أنه قد أعدّ لهم كل ما من شأنه أن يساعدهم على القيام بواجبهم على أتم الوجوه وأن لهم منزلة عظيمة عند الله بحيث أن ما يشاهدونه مما بين أيديهم وما خلفهم من السموات والأرض قد سخر لهم حتى يشعروا بعظم النعمة وجسامة المسؤولية {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
"إمكــانية الإنســـان"
وإن الله سبحانه قد زود الإنسان بطاقات ومواهب ترفعه إلى مستوى المسؤولية التي ألقيت على كاهله وتؤهله للخلافة في الأرض فزوده بما يلي:

1_ بالعقل الذي يميز به بين الحق والباطل والضار والنافع وأناط التكاليف وربطها بوجوده ورفع التكاليف عند فقدانه.

2_ وهيأ تكوينه وتركيبه الجسمي أحسن تهيئة وأعده أحسن إعداد وخلقه في أحسن تقويم يتلاءم تمام التلاؤم والموافقة مع ما كلفه الله به من أعمال وواجبات فيزاولها ويقوم بها بسهولة ويُسر فهو يختلف عن سائر الحيوانات بهذا التركيب الجميل الممتاز والتقويم الأحسن، كلفه بالطهارة على اختلاف أنواعها وتكوينه الجسمي يساعده على القيام بها. وكلفه بالصلاة وهيئته قد أعدها الله أحسن إعداد للقيام بهذا الواجب فهو يستطيع كل أفعال الصلاة من قيام وركوع وسجود كما يستطيع أن يؤدي كل الأقوال من قراءة وتسبيح وسائر الأذكار.

3_ وزوده إلى جانب ما ركزت فيه من فطرة الاعتراف بالله بإرسال الرسل وإنزال الكتب التي فيها يترتب تفاصيل وبيان كل الواجبات والتكاليف التي يجب أن ينهض بها وما يترتب عليها من سعادة ونعيم وجزاء حسن إن هو قام بها وأداها على الوجه المطلوب، وقبل هذا زوده إلى جانب ما فُطر عليه من فطرة الله وما يؤيد هذه المعرفة من آيات كونية باهرة يشاهدها بعينه ويسمعها بأذنه فتوحي إلى قلبه بما فيها من روعة وجمال وعظمة وإبداع بقدرة خالقها الهائلة وعلمه المحيط الشامل وحكمته العليا التي تضع كل شيء في موضعه, زوده بما يعرف به من صفات خالقه ونعوت جلاله مما يزيده علماً وبصيرة ومحبة وتعلقاً بهذا الرب العظيم .
وعلى ضوء ما سبق من ذكر الخالق العظيم الموصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال, ومن ذكر العبد الذي زوده الله بوسائل عظيمة تؤهله لمعرفة الله وعبادته والقيام بالخلافة في أرضه نستطيع أن نقول إن توحيد الله الذي جاءت به الرسل ودعت إليه ونزلت لبيانه الكتب السماويه وهي نوعان:



1-توحيد المعرفة والإثبات _ وهو يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات, هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله على أساس تنزيهه عن مشابهة المخلوقين, وهذا المبدأ وهو مبدأ التنزيه يرتكز على أدلة وبراهين من القرآن العظيم مثل قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}, {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}, {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ).
وبتعبير آخر نقول إنه يجب الإيمان بما ورد في القرآن والسنة من صفات الله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل, وهذا المنهج هو منهج السلف الصالح وهو الصراط المستقيم الذي يضمن للمؤمن السلامة من التخبط في ظلمات التشبيه والتعطيل .

إذا المشبه كما يُقال يعبد صنماً والمعطل يعبد عدماً, وأدلة هذا النوع من التوحيد كثيرة جداً نذكر ما يتيسر، قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ, هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ, هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
جمعت هذه الآية بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات0

وله صفات أخرى مثل السمع والبصر والإرادة دلت عليها أدلة أخرى من الكتاب والسنة لا يتسع المقام لذكرها كلها يجب أن يكون موقف المؤمن إزاءها موقف الإيمان الكامل والتسليم المطلق وأن يتلقاها بصدر رحب ونفس مطمئنة لا يتسرب إليها حرج أو شك,

إلا أنه مع الأسف قد لعب الشيطان برؤوس أناس اختلفت نظراتهم ومواقفهم من هذه الصفات ما بين غال في الإثبات إلى أن انحدر إلى مستوى لا يليق به فشبه الله بخلقه ولم يقرأ مثل قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}, مما يفيد التنزيه وما بين معطل جريء جحد صفات الكمال ونعوت الجلال وهم ما بين شجاع أعلى هذا الجحد وأبدى صفحته غير هياب ولا متلعثم وما بين مختف وراء ستار من التحريفات سميت تأويلات, وبين ذلك الإفراط وهذا التفريط منهج السلف الصالح وعلى رأسهم رسول الله وصحابته الكرام والتابعون لهم بإحسان وأئمة الهدى, هذا المنهج هو كما قدمنا الإيمان بما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل0




وأما توحيد الربوبية وهو الإيمان بأن الله وحده هو الخالق الرازق المحي المميت والمدبر لشؤون الكون فأدلته كثيرة جداً, منها ما تقدم ذكره في الآيات السابقة ومنها قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}, {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ}, {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض},

والآيات الكونية السماوات وما فيها من كواكب وأفلاك وإبداع صنعها وروعة جمالها ونظم سير السيارات منها في دقة مدهشة والأرض وما فيها من جبال راسية, وبحار زاخرة وما فيها من حيوان وأشجار ونبات وأزهار من أعظم الأدلة على خالقها العليم القدير الحكيم وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، وقال أعرابي حينما سئل عن الله: "إن البعرة تدل على البعير والسير يدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا تدل على اللطيف الخبير".

فهذا النوع من التوحيد من الأمور البديهية المسلمة عند جميع الأمم وفي جميع النحل إلا من كابر عقله وفطرته, وقد قصّ الله علينا في القرآن موضوع رسالات جميع الرسل إنه توحيد العبادة, وإن الرسل إنما كانوا يدعون أممهم إلى عبادة الله وحده، قال الله تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}
ومن الأدلة على هذا النوع وأن لهذا الكون خالقا أنشأه وأوجده؛ قانون السببية؛ وهو أنه لا بد لكل حادث من محدث، وإليه يرمز قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ؟} أي أوجدوا من غير موجد أم هم أوجدوا أنفسهم؟ أي لا هذا ولا هذا بل الله أوجدهم، وظاهرة العناية والحكمة في هذا الكون تدل على الخالق الحكيم, وأنه لا مجال للمصادفة العمياء التي يزعمها عمي القلوب والأبصار الصم والبكم الذين لا يعقلون.
أما توحيد العبادة فهو محور جميع الرسالات السماوية ومعناه إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة, والعبادة هي الخضوع المطلق لله وتوجيه العبادات والمطالب والرغبات كلها إليه, أو بتعبير آخر هي أمر جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية, وتوجيه أيّ عبادة لغير الله المعبود الحق يعتبر شركاً به ومخالفة دنيئة لما فرضه الله على عباده وانحرافاً شنيعاً عن الغاية الرئيسية التي خلق الله الإنسان من أجلها وسخر له ما في السموات والأرض كي يتسنى له القيام بها على الوجه المطلوب0
وهذا النوع من التوحيد هو معنى لا إله إلا الله؛ فإن قولهم جميعاً {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} هو نفس معنى لا إله إلا الله, والمعنى الحقيقي لهذه الكلمة: لا معبود بحق إلا الله, وليس معناها لا خالق ولا رازق إلا الله,كما يتوهم بعض الناس ممن لا يفهم معناها, بل معناها ما ذكرنا لا معبود بحق إلا الله كما نقل ذلك عن ابن عباس وجماعة من أهل التفسير واللغة.

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله"

ومنها الاستغاثة وهي دعاء في حال الشدة, ومن الأدلة عليها ما تقدم في الدعاء ومنها قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ).
ومنها الذبح قال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ).

ومنها الرجاء قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} ومنها الإنابة قال تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ}، ومنها التوكل قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}, ومنها المحبة قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} ومنها الخشية والخوف{فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ},

والاستعانة بالمخلوق في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله عبادة والاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله عبادة.

والصلاة والذبح والنحر والرجاء والإنابة والتوكل والمحبة والخشية والرغبة والرهبة والركوع والسجود والخشوع هذه الأمور كلها عبادات لا يجوز أن يتوجه بها العبد إلا لله ولا يصرفها إلا لجلاله, وإن صرفها لغير الله يعد شركاً به في خالص حقه, وإن منهاج جميع الرسل وهدف كل الرسالات هو إفراده سبحانه بالعبادة التي لم يخلقوا إلا لكي يقوموا بها لله وحده مخلصين له الدين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

مقال نشر في مجلة الجامعة الإسلاميةفي العدد24في شهر ربيع الثاني لعام 1394هـ
الموقع الرسمي لفضيله الشيخ:ربيع بن هادي المدخلي"حفظه الله"

مشرفة
09-11-2007, 08:24 PM
جزيتِ على اختياراتكِ

******************************






( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ... )

قال السعدي في تفسيرها :

يخبر تعالى أنه ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة

( و ) حين خلق السماوات والأرض ( كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) فوق السماء السابعة

فبعد أن خلق السماوات والأرض استوى عليه

يدبر الأمور، ويصرفها كيف شاء من الأحكام القدرية، والأحكام الشرعية

ولهذا قال: ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ) أي: ليمتحنكم








إذ خلق لكم ما في السماوات والأرض بأمره ونهيه، فينظر أيكم أحسن عملا

قال الفضيل بن عياض رحمه الله : ( أخلصه وأصوبه )

قيل يا أبا علي : ( ما أخلصه وأصوبه ) ؟

فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا، لم يقبل

وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا

والخالص : أن يكون لوجه الله

والصواب : أن يكون متبعا فيه الشرع والسنة

وهذا كما قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ )











وقال تعالى: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ

لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا )

فالله تعالى خلق الخلق لعبادته ومعرفته بأسمائه وصفاته، وأمرهم بذلك

فمن انقاد، وأدى ما أمر به، فهو من المفلحين

ومن أعرض عن ذلك، فأولئك هم الخاسرون

ولا بد أن يجمعهم في دار يجازيهم فيها على ما أمرهم به ونهاهم