مشاهدة النسخة كاملة : العلاقة بين البدعة و المصلحة المرسلة.
فيصل بن المبارك أبو حزم
16-01-2008, 04:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربي العالمين و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على أله و صحبه أجمعين .
أما بعد .
يرد ذكر المصلحة المرسلة و حكم الإستصلاح في موضعين من أبحاث أصول الفقه .
أولهما _في باب القياس عند الكلام عن أقسام المناسب من حيث الإعتبار و عدمه .
و الثاني _ عند الحديث عن الإستدلال و أقسامه .
و قد اختلفت تعبيرات الأصوليين في هذه المسألة فمنهم من يعبر عن الصلحة المرسلة بالإستصلاح وبعضهم يعبر بالإستدلال وبعضهم يعبر بالمناسب المرسل .
و تتداخل هذه المصطلحات أو التعبيرات مع بعضها البعض مما قد ينشأ لبس لدى الناظر فتختلط عليه المصلحة بغيرها.
و المصلحة هي المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم و نفوسهم و عقولهم و أموالهم طبق ترتيب معين فيما بينهما ,و هذا معناها العام أما معناها الخاص فالمصلحة يراد بها ً الوصف الذي لم يثبت اعتباره و لا إلغاؤه من قبل الشارع ً.
و المصلحة تنقسم بإضافة شهادة الشارع لها إلى ثلاث أقسام .
الأول : المصلحة المعتبرة شرعا فهي المصلحة الشرعية التي جاءت الأدلة الشرعية بطلبها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس و ذلك كالصلاة .
القسم الثاني :المصلحة الملغاة شرعا فهي المصلحة التي يراها العبد بنظره القاصر مصلحة لكن الشرع ألغاها و أهدرها ولم يلتفت إليها بل جاءت الأدلة الشرعية بمنعها و النهي عنها من الكتاب أو السنة أو الإحماع أو القياس ,و ذلك كالمصلحة الموجودة في الخمر ,فهذا النوع من المصالح في نظر الشارع يعتبر مفسدة, و تسميته مصلحة باعتبار الجانب المرجوح .
القسم الثالث :المصلحة المسكوت عنها .
فهي التي لم يرد في إعتبارها أو إلغائها دليل خاص من الكتاب أو السنة أو القياس,لكنها لم تخل عن دليل عام كلي يدل عليها ,فهي إذن لا تستند إلي دليل خاص معين ,بل تستند إلى مقاصد الشريعة و عموماتها ,و هذه تسمى بالمصالح المرسلة .
و إنما قيل لها مرسلة لإرسالها أي إطلاقها عن دليل خاص يقيد ذلك الوصف باأعتبار أو الإهدار.
أما الصلة بين البدع و المصالح المرسلة :
فقد وقع خلط كبير بينهما ادى ذلك إلى اعتقاد حسن بعض البدع و المحدثات في الدين ,و جعل كثير من محسني البدع يستسيغون ذلك و يقولون به ,
محتجين بالأعمال و الفتاوى التي انبنت على الأستصلاح في عهد الصحابة و من بعدهم ,
و بسبب هذا الخلط لابد من ايضاح تتميز به الفوارق بين البدعة و المصالح المرسلة .
و هناك نقاط إتفاق و أفتراق بينهما.
من النقاط التي تتفق فيها المصلحة مع البدعة .
1:أن كلا من البدعة و المصلحة من الأمور المحدثة .
2:أن كلا من البدعة وما ثبت بالمصلحة لادليل على اعتبارها من جهة الشرع ( أي الدليل الخاص ) .
أما نقاط الإفتراق .
1:تعود المصلحة المرسلة عند ثبوتها إلى حفظ منفعة و جلب منفعة و درء مفسدة ,فتكون من الوسائل لامن المقاصد و هي وسائل تعود إلى تحقيق مقاصد الشرع ,أما البدعة فإنها و إن تخيل فاعلها المنفعة فيها فإنها تعود على دين معتقدها و فاعلها بالمفاسد العظيمة .
2:أنه مر معنا أن المصالح على ثلاث أنواع .
نوع شهد الشرع بقبوله و هذا متفق على قبوله ,ونوع شهد الشرع على رده و إهداره و هذا متفق على إهماله .
و نوع سكتت عنه الشواهد الخاصة ,فإن كان ملائما لتصرفات الشرع أو يوجد معنى لجنسه اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين و لم يناقض أصلا أو دليلا أو قياسا صحيحا فهو مايسمى بالمصالح الامرسلة .
بهذا يظهر الفرق بين البدعة والمصالح المرسلة , وأن الخلط بينهما محق للحق و مجانب للصواب و ذريعة للبدع و الضلالات ,
هذا ماأردت إيضاحه و بيانه فإن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي و الشيطان .
و صلى الله على نبينا محمد و على أله و صحبه .
{ راجع كتاب البدعة حقيقتها و أحكامها للدكتور سعيد بن ناصر الغامدي و كتاب معالم أصول الفقه عند أهل لاالسنة و الجماعة للدكتور الجيزاني.
}.
طويلب علم
17-01-2008, 01:08 AM
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى :
إن المصالح المرسلة لا ينبغي أن تجعل دليلًا مستقلًا، بل نقول: هذه المصالح المرسلة إن تحققنا أنها مصلحة فقد شهد لها الشرع بالصحة والقبول وتكون من الشرع، وإن شهد لها بالبطلان فإنها ليست مصالح مرسلة ولو زعم فاعلها أنها مصالح مرسلة. وإن كان لا هذا ولا هذا فإنها ترجع إلى الأصل، إن كانت من العبادات فالأصل في العبادات الحظر، وإن كانت من غير العبادات فالأصل فيها الحل، وبهذا يتبين أن المصالح المرسلة ليست دليلًا مستقلًا.
فتاوى ابن عثيمين ، المجلد الثالث ، ( 29 من 380 )
http://www.al-eman.com/islamlib/viewchp.asp?BID=353&CID=29
وقال رحمه الله تعالى:(وهذه القاعدة أخذ منها العلماء مسائل كثيرة منها ما زعمه بعض الأصوليين من الأصل الخامس وهوالمصالح المرسلة التي يسمونها المصالح المرسلة والحقيقة أن هذا الأصل لايخرج عن بقية الأصول لأن هذه المصالح إن شهد الشرع لها بالصحة فقد ثبتت بالشرع الكتاب أوالسنة ، وإن لم يشهد لها بالصحة فليست مصالح وإن زعم قائلوها أنها مصالح، مثال ذلك: لو قال قائل نحن إذا جعلنا عيدا لمناسبة المعراج، معراج النبي صلى الله عليه وسلم كان في ذلك مصلحة وهو أن المسلمين يتذكرون هذه المناسبة العظيمة عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء وفرض الصلوات الخمس عليه ومكالمته الرب عز وجل فهذه مناسبة عظيمة ينبغي أن يكون لها في حياتنا دور نتذكرها كل سنة،هكذا يقول مثلا بناء على إيش ؟ على المصالح المرسلة لأن الدين جاء لسعادة البشر، نقول له ما ادعيت أنه مصلحة فليس بمصلحة ، ما ادعيت أنه مصلحة فليس بمصلحة ، لأننا نعلم أنه لوكان مصلحة لجاء الدين به ، فلما لم يجىء به الدين علم أن دعوى أنه مصلحة ماهو إلا وهم وخيال ، أفهمتم ، إذاً إلى أي شيء نرجع في تحقيق المصالح والمفاسد ؟ إلى الشرع إلى الكتاب والسنة ، لاإلى الذوق ولاإلى الرأي ولاإلى الخيال ، نرجع إلى الكتاب والسنة ونعلم أن ما أمر به فهو مصلحة وما نهى عنه فهو مفسدة والغاية من المأمورات والغاية من ترك المحظورات هي السعادة ) شرح المنظومة في أصول الفقه الشريط 01 - الوجه الثانيhttp://www.ibnothaimeen.com/publish/cat_index_148.shtml
طويلب علم
17-01-2008, 01:13 AM
المصالح المرسلة
التمهيد:
وفيه أمران:
الأمر الأول: أوجه التلازم بين المصلحة والشريعة:
وبيان ذلك في أمور أربعة بعضها مبني على بعض:
الأمر الأول: أن هذه الشريعة مبنية على تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم في الدنيا والآخرة، فالشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة. وهذا الأصل شامل لجميع الشريعة لا يشذ عنه شيء من أحكامها.
الأمر الثاني: أن هذه الشريعة لم تهمل مصلحة قط، فما من خير إلا وقد حثنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وما من شر إلا وحذرنا منه.
الأمر الثالث: إذا عُلم ذلك فلا يمكن أن يقع تعارض بين الشرع والمصلحة، إذ لا يتصور أن ينهى الشارع عما مصلحته راجحة أو خالصة، ولا أن يأمر بما مفسدته راجحة أو خالصة.
الأمر الرابع: إذا عُلم ذلك فمن ادعى وجود مصلحة لم يرد بها الشرع فأحد الأمرين لازم له:
إما أن الشرع دل على هذه المصلحة من حيث لا يعلم هذا المدعي.
وإما أن ما اعتقده مصلحة ليس بمصلحة، فإن بعض ما يراه الناس من الأعمال مقربًا إلى الله ولم يشرعه الله فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه، وإلا فلو كان نفعه أعظم لم يهمله الشارع........)
(حكم الاحتجاج بالمصلحة المرسلة
جلب المصالح ودرء المفاسد أصل متفق عليه بين العلماء، لكنهم اختلفوا في المصلحة المرسلة. فمن رأى أنها من باب جلب المصالح ودرء المفاسد اعتبرها دليلاً واحتج بها، ومن رأى أنها ليست من هذا الباب، بل رأي أن المصلحة المرسلة من باب وضع الشرع بالرأي وإثبات الأحكام بالعقل والهوى قال: إنها ليست من الأدلة الشرعية وأنه لا يجوز الاحتجاج بها ولا الالتفات إليها.
قال الشيخ الشنقيطي:
"فالحاصل أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يتعلقون بالمصالح المرسلة التي لم يدل دليل على إلغائها، ولم تعارضها مفسدة راجحة أو مساوية.
وأن جميع المذاهب يتعلق أهلها بالمصالح المرسلة، وإن زعموا التباعد منها.
ومن تتبع وقائع الصحابة وفروع المذاهب علم صحة ذلك.
ولكن التحقيق أن العمل بالمصلحة المرسلة أمر يجب فيه التحفظ وغاية الحذر حتى يتحقق صحة المصلحة وعدم معارضتها لمصلحة أرجح منها، أو مفسدة أرجح منها أو مساوية لها، وعدم تأديتها إلى مفسدة في ثاني حال".
وبذلك يتبين أن الخلاف في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة خلاف لفظي؛ لأن الجميع متفق على أن تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها أصل شرعي ثابت إلا أن الخلاف وقع في تسمية العمل بهذا الأصل والالتفات إلى تحقيقه – فيما لم يرد باعتباره أو إلغائه دليل خاص – مصلحة مرسلة.
فبعضهم يسمي ذلك مصلحة مرسلة، وبعضهم يسمي ذلك قياسًا، أو عمومًا، أو اجتهادًا، أو عملاً بمقاصد الشريعة.
ومما يقرر كون الخلاف لفظيًا أن المثبتين للمصلحة المرسلة إنما يقولون بها وفق الضوابط الآتية:
المسألة الرابعة
ضوابط الأخذ بالمصلحة المرسلة عند القائلين بها
الأول: ألا تكون المصلحة مصادمة لنص أو إجماع.
الثاني: أن تعود على مقاصد الشريعة بالحفظ والصيانة.
الثالث: ألا تكون المصلحة في الأحكام التي لا تتغير، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود، والمقدرات الشرعية، ويدخل في ذلك الأحكام المنصوص عليها، والمجمع عليها، وما لا يجوز فيه الاجتهاد.
الرابع: ألا تعارضها مصلحة أرجح منها أو مساوية لها، وألا يستلزم من العمل بها مفسدة أرجح منها أو مساوية لها.
قال ابن القيم: "فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة، وإما أن تشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة، وإما أن تستوي مصلحتها ومفسدتها.
فهذه أقسام خمسة: منها أربعة تأتي بها الشرائع.
فتأتي بما مصلحته خالصة أو راجحة آمرة به أو مقتضية له.
وما مفسدته خالصة أو راجحة فحكمها فيه النهي عنه وطلب إعدامه.
فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة والراجحة أو تكميلها بحسب الإمكان، وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلها بحسب الإمكان.
فمدار الشرائع والديانات على هذه الأقسام الأربعة" ).
معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة لمحمد بن حسين بن حسن الجيزاني
إسماعيل العدوي
17-01-2008, 03:36 PM
جزاكم الله خيرا
طويلب علم
17-01-2008, 09:05 PM
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(الطَّرِيقُ السَّابِعُ - " الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ " وَهُوَ أَنْ يَرَى الْمُجْتَهِدُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ يَجْلِبُ مَنْفَعَةً رَاجِحَةً ؛ وَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَا يَنْفِيه ؛ فَهَذِهِ الطَّرِيقُ فِيهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ فَالْفُقَهَاءُ يُسَمُّونَهَا " الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ " وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهَا الرَّأْيَ وَبَعْضُهُمْ يُقَرِّبُ إلَيْهَا الِاسْتِحْسَانَ وَقَرِيبٌ مِنْهَا ذَوْقُ الصُّوفِيَّةِ وَوَجْدُهُمْ وَإِلْهَامَاتُهُمْ ؛ فَإِنَّ حَاصِلَهَا أَنَّهُمْ يَجِدُونَ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ مَصْلَحَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ وَيَذُوقُونَ طَعْمَ ثَمَرَتِهِ وَهَذِهِ مَصْلَحَةٌ لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَخُصُّ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ بِحِفْظِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْعُقُولِ وَالْأَدْيَانِ . وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَفِي دَفْعِ الْمَضَارِّ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ دَفْعِ الْمَضَارِّ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ فَهُوَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ . وَجَلْبُ الْمَنْفَعَةِ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الدِّينِ فَفِي الدُّنْيَا كَالْمُعَامَلَاتِ وَالْأَعْمَالِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا مَصْلَحَةٌ لِلْخَلْقِ مِنْ غَيْرِ حَظْرٍ شَرْعِيٍّ وَفِي الدِّينِ كَكَثِيرِ مِنْ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعِبَادَاتِ والزهادات الَّتِي يُقَالُ فِيهَا مَصْلَحَةٌ لِلْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ شَرْعِيٍّ . فَمَنْ قَصَرَ الْمَصَالِحَ عَلَى الْعُقُوبَاتِ الَّتِي فِيهَا دَفْعُ الْفَسَادِ عَنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ لِيَحْفَظَ الْجِسْمَ فَقَطْ فَقَدْ قَصَّرَ . وَهَذَا فَصْلٌ عَظِيمٌ يَنْبَغِي الِاهْتِمَامُ بِهِ فَإِنَّ مِنْ جِهَتِهِ حَصَلَ فِي الدِّينِ اضْطِرَابٌ عَظِيمٌ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ رَأَوْا مَصَالِحَ فَاسْتَعْمَلُوهَا بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْهَا مَا هُوَ مَحْظُورٌ فِي الشَّرْعِ وَلَمْ يَعْلَمُوهُ وَرُبَّمَا قَدَّمَ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ كَلَامًا بِخِلَافِ النُّصُوصِ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مَنْ أَهْمَلَ مَصَالِحَ يَجِبُ اعْتِبَارُهَا شَرْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهَا فَفَوَّتَ وَاجِبَاتٍ وَمُسْتَحَبَّاتٍ أَوْ وَقَعَ فِي مَحْظُورَاتٍ وَمَكْرُوهَاتٍ وَقَدْ يَكُونُ الشَّرْعُ وَرَدَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ . وَحُجَّةُ الْأَوَّلِ : أَنَّ هَذِهِ مَصْلَحَةٌ وَالشَّرْعُ لَا يُهْمِلُ الْمَصَالِحَ بَلْ قَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى اعْتِبَارِهَا وَحُجَّةُ الثَّانِي : أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ نَصًّا وَلَا قِيَاسًا . وَالْقَوْلُ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ يُشْرَعُ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [ غَالِبًا ] . وَهِيَ تُشْبِهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ مَسْأَلَةُ الِاسْتِحْسَانِ وَالتَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ وَالرَّأْيِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَإِنَّ الِاسْتِحْسَانَ طَلَبُ الْحُسْنِ وَالْأَحْسَنُ كَالِاسْتِخْرَاجِ وَهُوَ رُؤْيَةُ الشَّيْءِ حُسْنًا كَمَا أَنَّ الِاسْتِقْبَاحَ رُؤْيَتُهُ قَبِيحًا وَالْحُسْنُ هُوَ الْمَصْلَحَةُ فَالِاسْتِحْسَانُ وَالِاسْتِصْلَاحُ مُتَقَارِبَانِ وَالتَّحْسِينُ الْعَقْلِيُّ قَوْلٌ بِأَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ الْحَسَنَ لَكِنَّ بَيْنَ هَذِهِ فُرُوقٌ . وَالْقَوْلُ الْجَامِعُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تُهْمِلُ مَصْلَحَةً قَطُّ بَلْ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ وَأَتَمَّ النِّعْمَةَ فَمَا مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثَنَا بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَنَا عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلِهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدَهُ إلَّا هَالِكٌ لَكِنْ مَا اعْتَقَدَهُ الْعَقْلُ مَصْلَحَةً وَإِنْ كَانَ الشَّرْعُ لَمْ يَرِدْ بِهِ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ لَهُ إمَّا أَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ هَذَا النَّاظِرُ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْلَحَةِ وَإِنْ اعْتَقَدَهُ مَصْلَحَةً ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ الْحَاصِلَةُ أَوْ الْغَالِبَةُ وَكَثِيرًا مَا يَتَوَهَّمُ النَّاسُ أَنَّ الشَّيْءَ يَنْفَعُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَيَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَرْجُوحَةٌ بِالْمَضَرَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ : { قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } . وَكَثِيرٌ مِمَّا ابْتَدَعَهُ النَّاسُ مِنْ الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ مِنْ بِدَعِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَهْلِ التَّصَوُّفِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ وَأَهْلِ الْمُلْكِ حَسِبُوهُ مَنْفَعَةً أَوْ مَصْلَحَةً نَافِعًا وَحَقًّا وَصَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْخَارِجِينَ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ يَحْسَبُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْعِبَادَاتِ مَصْلَحَةً لَهُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَمَنْفَعَةً لَهُمْ { الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } وَقَدْ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ عَمَلِهِمْ فَرَأَوْهُ حَسَنًا . فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَرَى حَسَنًا مَا هُوَ سَيِّئٌ كَانَ اسْتِحْسَانُهُ أَوْ اسْتِصْلَاحُهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا الْبَابِ . وَهَذَا بِخِلَافِ الَّذِينَ جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا . فَإِنَّ بَابَ جَحُودِ الْحَقِّ وَمُعَانَدَتِهِ غَيْرُ بَابِ جَهْلِهِ وَالْعَمَى عَنْهُ وَالْكُفَّارُ فِيهِمْ هَذَا وَفِيهِمْ هَذَا وَكَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْقِسْمَانِ . فَإِنَّ النَّاسَ كَمَا أَنَّهُمْ فِي بَابِ الْفَتْوَى وَالْحَدِيثِ يُخْطِئُونَ تَارَةً وَيَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ أُخْرَى فَكَذَلِكَ هُمْ فِي أَحْوَالِ الدِّيَانَاتِ وَكَذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ قَدْ يَفْعَلُونَ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ ظُلْمٌ وَقَدْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِظُلْمِ هُوَ ظُلْمٌ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } فَتَارَةً يَجْهَلُ وَتَارَةً يَظْلِمُ : ذَلِكَ فِي قُوَّةِ عِلْمِهِ وَهَذَا فِي قُوَّةِ عَمَلِهِ ...)
مجموع الفتاوى الجزء11 من ص343إلى ص347
فيصل بن المبارك أبو حزم
17-01-2008, 11:44 PM
بارك الله فيكم على هذه الإضافات الراقية .
أبو حمزة السلفي
04-02-2008, 01:20 AM
جزاكم الله كل خير على نقولكم المفيدة
بلقاسمي الجزائري
03-03-2008, 02:52 PM
لا شك أن الحديث حول المصالح المرسلة وعلاقتها بالبدع حديث ذو شجون يطول ، ولعل من أحسن من كتب فيه الدكتور محمد أحمد بوركاب الجزائري
[ المصالح المرسلة وأثرها في الفقه الإسلامي]الصادر عن دار البحوث للدراسات الاسلامية وإحياء التراث بدبي، وأصل الكتاب رسالة ماجستير.
قد ييسر الله لي تلخيص ما قاله في النقطة المثارة [ المصالح المرسلة والبدعة]
والله أعلم وأحكم
Powered by vBulletin™ Version 4.1.9 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir