المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قوة الفاتحة لابن القيم



مشرفة
19-04-2007, 11:28 PM
قوة الفاتحة لابن القيم
ـــــــــــ


قال - رحمه الله تعالى - :


للفاتحة قوتان :
قوة علمية نظرية وقوة عملية إرادية
وسعادته التامة موقوفه على استكمال قوتيه العلميه والإراديه




واستكمال القوة العلمية إنما يكون
بمعرفة فاطرة وبارئه ومعرفة أسمائه و صفاته
ومعرفة الطريق التى توصل إليه
ومعرفة آفاتها
ومعرفة نفسه
ومعرفة عيوبها
فبهذه المعارف الخمس يحصل كمال قوته العلمية ...


ـــــــــ


واستكمال القوة العملية الإرادية
لا يحصل إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد
والقيام بها إخلاصاً وصدقاً ونصحاً وإحساناً ومتابعة وشهوداً لمنّته عليه ...


ــــــــــ


وأنه لاسبيل له إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعونته
فهو مظطر إلى أن يهديه الصراط المستقيم الذي هدى إليه أولياءه وخاصته
وأن يجنبه الخروج على ذلك الصراط
إما بفساد في قوته العلمية فيقع في الضلال
وإما في قوته العملية فيوجب له الغضب
فكمال الإنسان وسعادته لا تتم إلا بمجموع هذه الأمور ...



ــــــــــ

فإن قوله :( الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين )




يتضمن الأصل الأول ، وهو معرفة الرب تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله



والأسماء المذكوره في هذه السورة هى أصول الأسماء الحسنى
وهى أسم (الله) و (الرب) و(الرحمن)





فاسم (الله) متضمن لصفات الألوهية
واسم (الرب) متضمن لصفات الربوبية
واسم (الرحمن) متضمن لصفات الإحسان والجود والبر
ومعاني أسمائه تدور على هذا




ـــــــــــ


وقال رحمه الله تعالى :



وليقف عند كل آية من الفاتحة ينتظر جواب ربه له
وكأنه يسمعه يقول حمدني عبدي حين يقول : ( الحمد لله رب العالمين )
فإذا قال : (الرحمن الرحيم ) وقف لحظة ينتظر قوله : أثنى عليَّ عبدي
فإذا قال : ( مالك يوم الدين ) انتظر قوله : مجدني عبدي



ــــــــــ


... فعند قوله : ( الحمد لله رب العالمين )




نجد تحت هذه الكلمة إثبات كل كمال للرب تعالى : فعلاً و وصفاً واسماً
وتنزيهه عن كل سوء وعيب فعلاً و وصفاً واسماً ...




فحمده هو سبب وجود كل موجود ، وهو غاية كل موجود وكل موجود شاهد بحمده
وارسال رسوله بحمده
وإنزاله كتبه بحمده
والجنة عَمُرت بأهلها بحمده
والنار عمرت بأهلها بحمده
وما أطيع إلا بحمده
وما عصى إلا بحمده
ولا تسقط ورقة إلا بحمده
ولا يتحرك في الكون ذرة إلا بحمده




وهو المحمود لذاته ، وإن لم يحمده العباد
كما أنه هو الواحد الأحد ولو لم يوحده العباد
والإله الحق وإن لم يؤلهوه



وهو سبحانه الذي حمد نفسه على لسان القائل (الحمد لله رب العالمين)
كما قال النبى صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قال على لسان نبيه :
( سمع الله لمن حمده ) فهو الحامد لنفسه في الحقيقة على لسان عبده




فإن الذي أجرى الحمد على لسانه وقلبه ، وإجراؤه بحمده فله الحمد كله
وله الملك كله ، وبيده الخيركله ، وإليه يرجع الأمر كله
فهذه المعرفة من عبودية الحمد




ـــــــــــ


فإن قوله : ( الحمد لله )



... فإنه سبحانه يحمد على أفعاله كما حمد نفسه عليها في كتابه ...
فمن لا فعل له البته كيف يحمد على ذلك ؟ فالأفعال هي المقتضية للحمد





ولهذا نجده مقروناً بها
كقوله : ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) ...
( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) ...
( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) ...



ــــــــــ


قوله : ( رب العالمين )




وربوبيته للعالم تتضمن تصرفه فيه وتدبيره له
ونفاذ أمره كل وقت فيه
وكونه معه كل ساعة في شأن يخلق ويرزق
ويميت ويحيي ، ويخفض ويرفع ، ويعطي ويمنع ، ويعز ويذل
ويصرف الأمور بمشيئته وإرادته ، وإنكار ذالك إنكار لربوبيته وإلهيته وملكه



ـــــــــــ



قوله : ( الرحمن الرحيم )



وهو الذي يرحم بقدرته ومشيئته من لم يكن راحماً له قبل ذلك



ـــــــــــــــ


قوله : ( مالك يوم الدين )




والملك هو المتصرف فيما هو ملك عليه ومالك له
ومن لا تصرف له ولا يقوم به فعل البته
لا يعقل له ثبوت ملك ولا مالك



ـــــــــــــ



وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة :




أحدها : كونه ( رب العالمين )
فلا يليق به أن يترك عباده سُدىً هَمَلا
لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وما يضرهم فيهما ...
فهذا هضم للربوبية ...





الثاني : أخذها من اسم ( الله )
وهو المألوه المعبود . ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله




الموضع الثالث : من اسمه ( الرحمن )
فإن رحمته تمنع إهمال عباده
وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم
فمن أعطى اسم ( الرحمن ) حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ...




الموضع الرابع : من ذكر (يوم الدين )
فإنه اليوم الذي يدين الله العباد فيه بأعمالهم
فيثيبهم على الخيرات ، ويعاقبهم على المعاصي والسيئات
وما كان الله ليعذب أحداً قبل إقامة الحجة عليه
والحجة إنما قامت برسله وكتبه ...



ــــــــــــ


في اشتمال هذه السورة على أنواع التوحيد الثلاثة
التى اتفقت عليها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم




التوحيد نوعان : نوع في العلم والاعتقاد
ونوع في الإرادة والقصد ...
وهذا الثاني أيضاً نوعان : توحيد في الربوبية ، وتوحيد في الألوهية . فهذه ثلاث أنواع





فأما توحيد العلم :
فمداره على إثبات صفات الكمال
وعلى نفي التشبيه والمثال
والتنزيه عن العيوب والنقائص






وقد دل على هذا شيئان : مجمل ، ومفصل



أما المجمل :
فإثبات الحمد له سبحانه



وأما المفصل :
فذكر صفة الألوهية والربوبية ، والرحمة والملك . وعلى هذه الأربع مدار الأسماء والصفات





فأما تضمن الحمد لذلك :

فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله
ونعوت جلاله
مع محبته والرضى عنه والخضوع له
فلا يكون حامداً من جحد صفات المحمود ، ولا من أعرض عن محبته والخضوع له




وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان حمده أكمل
وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها
ولهذا كان الحمد كله لله حمداً لا يحصيه سواه ، لكمال صفاته وكثرتها ...





ولهذا ذم الله تعالى آلهة الكفار ، وعابها بسلب أوصاف الكمال عنها
فعابها بأنها لا تسمع ولا تبصر ، ولا تتكلم ولا تهدي ، ولا تنفع ولا تضر
وهذه صفة إله الجهمية ، التى عاب بها الأصنام ...



فقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام في محاجَّته لأبيه :
( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) ...



فلو كان إله إبراهيم بهذه الصفة والمثابة
لقال له آزر : وأنت إلهك بهذه المثابة ، فكيف تنكر عليّ ؟
لكن كان مع شركه أعرف بالله من الجهمية






فإن قيل : فالله تعالى لا يكلم عباده

قيل بلى ، قد كلمهم
فمنهم من كلمه الله من وراء حجاب ، منه إليه بلا واسطة ، كموسى
ومنهم من كلمه الله على لسان رسوله الملكي ، وهم الأنبياء
وكلم الله سائر الناس على ألسنة رسله




ومن هنا قال السلف :
من أنكر كون الله متكلماً فقد أنكر رسالة الرسل كلهم





لأن حقيقتها تبليغ كلامه الذي تكلم به إلى عباده
فإذا انتفى كلامه انتفت الرسالة




وقال تعالى في سورة طه عن السامري :
( فأخرج لهم عجلا جسداً له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى
أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضراً ولا نفعا ) ...
ورَجْع القول : هو التكلم والتكليم ...






ولهذا سمى السلف كتبهم التى صنفوها
في السنة وإثبات صفات الرب وعلوه على خلقه ، وكلامه وتكليمه : توحيداً
لأن نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع ، وجحد له ...





فجعل المعطلة جحد الصفات وتعطيل الصانع عنها توحيداً
وجعلوا إثباتها لله تشبيهاً وتجسيماً وتركيبا
فسموا الباطل باسم الحق ترغيباً فيه ... وسموا الحق باسم الباطل تنفيراً عنه ...






وكذلك حمده لنفسه
على عدم اتخاذ الولد المتضمن لكمال صمديته وغناه وملكه ، وتعبد كل شئ له
فاتخاذ الولد ينافي ذلك كما قال تعالى :
( قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض ) ...





وحمده نفسه
على عدم الشريك ، المتضمن تفرده بالربوبية و الإلهية
وتوحده بصفات الكمال التى لا يوصف بها غيره ، فيكون شريكا له
فلو عدمها لكان كل موجود أكمل منه . لأن الموجود أكمل من المعدوم





ولهذا لا يحمد نفسه سبحانه بعدم إلا إذا كان متضمناً ثبوت كمال

كما حمد نفسه بكونه لا يموت لتضمنه كمال حياته

وحمد نفسه بكونه لا تأخذه سنة ولا نوم ، لتضمن ذلك قيوميته

وحمد نفسه بأنه لا يعزُب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء
ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، لكمال علمه وإحاطته

وحمد نفسه بأنه لا يظلم أحد ، لكمال عدله وإحسانه

وحمد نفسه بأنه لا تدركه الأبصار ، لكمال عظمته
يرى ولا يدرك
كما أنه يُعلم ولا يحاط به علما
وإلا فمجرد نفي الرؤية ليس بكمال .لأن العدم لا يُرى
فليس في كون الشئ لا يرى كمال البته
وإنما الكمال في كونه لا يحاط به رؤية ولا إدراكا ...


وكذلك حمد نفسه بعدم الغفلة والنسيان ، لكمال علمه ...


فهذه دلالة الحمد على توحيد الأسماء والصفات






وأما دلالة الأسماء الخمسة عليها ، وهي :
الله ، والرب ، والرحمن ، والرحيم ، والملك :
فمبني على أصلين :




أحداهما :
أن أسماء الرب تبارك و تعالى دالة على صفات كماله

فهي مشتقة من الصفات . فهي أسماء وهي أوصاف . وبذلك كانت حُسْنَى
إذ لو كانت ألفاظاً لا معاني فيها لم تكن حسنى ...



كقوله تعالى : ( إن الله هو الرازق ذو القوة المتين )...
فعلم أن القويَّ من أسمائه ، ومعناه الموصوف بالقوة ...





وأجمع المسلمون أنه لو حلف
بحياة الله أو سمعه أو بصره أو قوته أوعزته أو عظمته
انعقدت يمينه
وكانت مكفرة



لأن هذه صفات كماله التي اشتقت منها أسماؤه ...
فنفي معاني أسمائه من أعظم الإلحاد فيها ...







الأصل الثاني :
أن الاسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة
فإنه يدل دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم



فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن
وكذلك على الذات المجردة عن الصفة
ويدل على الصفة الأخرى باللزوم ...





فإن من لوازم اسم " العلي" العلو المطلق ، بكل اعتبار
فله العلو المطلق من جميع الوجوه :
علو القدر ، وعلو القهر ، وعلو الذات
فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه " العلي " ...






إذا تقرر هذان الأصلان : فاسم "الله " دال على جميع الأسماء الحسنى ، والصفات العليا ...



ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم
كقوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى ) ...



ويقال : الرحمن والرحيم ، والقدوس والسلام ، والعزيز والحكيم : من أسماء الله
ولا يقال : الله ، من أسماء الرحمن ولا من أسماء العزيز ، ونحو ذلك ...





... والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الألوهية التي اشتق منها اسم " الله "
واسم " الله " دال على كونه مألوهاً معبودا
تؤلهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً، وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب
وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته ، المتضمن لكمال الملك





والحمد وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله ...

فصفات الجلال والجمال أخص باسم " الله "


وصفات الفعل والقدرة ، والتفرد بالضر والنفع ، والعطاء والمنع
ونفوذ المشيئة وكمال القوة ، وتدبير أمر الخليقة أخص باسم " الرب "


وصفات الإحسان والجود والبر ، والحنان والمنة والرأفة واللطف ، أخص باسم " الرحمن "





وكرر إيذاناً بثبوت الوصف ، وحصول أثره ، وتعلقه بمتعلقاته
فالرحمن : الذي الرحمة وصفه
والرحيم : الراحم لعباده




ولهذا يقول تعالى : ( وكان بالمؤمنين رحيما ) ...
ولم يجئ رحمن بعباده
ولا رحمن بالمؤمنين
مع ما في اسم " الرحمن " الذي هو على وزن فعلان
من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه الموصوف به ...





ولهذا يقرن استواؤه على العرش بهذا الاسم كثيرا كقوله تعالى :
( الرحمن على العرش استوى ) ...
( ثم استوى على العرش الرحمن ) ...




فاستوى على عرشه باسم الرحمن
لأن العرش محيط بالمخلوقات ، قد وسعها
والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم
كما قال تعالى : (ورحمتي وسعت كل شئ )...
فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات . فلذلك وسعت رحمته كل شئ ...






وصفات العدل ، والقبض والبسط ، والخفض والرفع ، والعطاء والمنع
والإعزاز والإذلال والقهر والحكم ، ونحوها : أخص باسم " الملك "




وخصه بيوم الدين ، وهو الجزاء بالعدل
لتفرده بالحكم فيه وحده ،ولأنه اليوم الحق ، وما قبله كساعة
ولأنه الغاية ، وأيام الدنيا مراحل إليه ...



ــــــــــــ



في تضمنها الرد على الجهمية معطلة الصفات





... من قوله ( الحمد لله )
فإن إثبات الحمد الكامل له يقتضي ثبوت كل ما يحمد عليه من صفات كماله ، ونعوت جلاله
إذ من عدم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق ...





وكذلك في إثبات صفة الرحمة له :
ما يتضمن إثبات الصفات التي تستلزمها من الحياة ، والإرادة والقدرة ، والسمع والبصر ، وغيرها




وكذلك صفة الربوبية :
تستلزم جميع صفات الفعل





وصفة الإلهية :
تستلزم جميع أوصاف الكمال : ذاتاً وأفعالاً ...
فكونه محموداً إلهاً رباً
رحماناً رحيماً
ملكا معبودا
مستعاناً
هادياً منعماً
يرضى ويغضب
مع نفي قيام الصفات به : جمع بين النقيضين . وهو من أمحل المحال ...



ــــــــــــــ



في تضمنها الرد على الجبرية




أحداها :
من إثبات عموم حمده سبحانه
فإنه يقتضي ألا يعاقب عبيده على ما لا قدرة لهم عليه ، ولا هو من فعلهم ...
بل إنما يعاقبهم على نفس أفعالهم التي فعلوها حقيقة ...





الوجه الثاني :
إثبات رحمته ورحمانيته تنفي ذلك
إذ لا يمكن اجتماع هذين الأمرين قط :
أن يكون رحماناً رحيما ، ويعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه ، ولا هو من فعله ...



ــــــــــــ




في تضمنها للرد على القائلين
بالموجب بالذات دون الاختيار والمشيئة
وبيان أنه سبحانه فاعل مختار




وذلك من وجوه :
أحداها :من إثبات حمده
إذ كيف يحمد على ما ليس مختارا لوجوده ، ولا هو بمشيئته وفعله ؟ ...




الثاني :
إثبات ربوبيته تعالى : يقتضي فعله بمشيئته واختياره وتدبيره وقدرته ...




الثالث :
إثبات ملكه ، وحصول ملك لمن لا اختيار له ، و لا فعل و لا مشيئة غير معقول ...



ــــــــــــ



في بيان تضمنها للرد على
منكري تعلق علمه تعالى بالجزئيات




وذلك من وجوه :
أحداها : كمال حمده
وكيف يستحق الحمد من لا يعلم شيئاً من العالم وأحواله وتفاصيله
ولا عدد الأفلاك ، ولا عدد النجوم
ولا من يطيعه ممن يعصيه ، ولا من يدعوه ممن لا يدعوه





الثاني :
أن هذا مستحيل أن يكون إلها ، وأن يكون ربا
فلا بد للإله المعبود والرب المدبر أن يعلم عابده ، ويعلم حاله




الثالث :
من إثبات رحمته . فإنه يستحيل أن يرحم من لا يعلم




الرابع :
إثبات ملكه
فإن ملكا لا يعرف أحداً من رعيته البتة . ولا شيئاً من أحوال مملكته البتة
ليس بملك بوجه من الوجوه


ـــــــــــــــ



في بيان تضمنها للرد على من قال بقدم العالم



وذلك من وجوه :
أحداها : إثبات حمده . فإنه يقتضي ثبوت أفعاله
ولا سيماوعامة مواد الحمد في القرآن ، أو كلها ، إنما هي على الأفعال ...
فإنه حمد نفسه على ربوبيته المتضمنة لأفعاله الاختيارية
ومن المستحيل ، مقارنة الفعل لفاعله ... فالفعل متأخر عن فاعله بالضرورة ...




الثاني :
إثبات ربوبيته للعالمين ... والعالم كل ما سواه
فثبت أن كل ما سواه مربوب
والمربوب مخلوق بالضرورة
وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن
فإذاً ربوبيته تعالى لكل ما سواه تستلزم تقدمه عليه وحدوث المربوب
ولا يتصور أن يكون العالم قديماً
وهو مربوب أبداً
فإن القديم مستغن بأزليته عن فاعل له ...






الثالث :
إثبات توحيده
فإنه يقتضي عدم مشاركة شئ من العالم له في خصائص الربوبية
والقدر من خصائص الربوبية
فالتوحيد ينفي ثبوته لغيره ضرورة
كما ينفي ثبوت الربوبية والإلهية لغيره


ـــــــــــــــــــــــــ

نقلاً وباختصار لتفسير سورة الفاتحة من آية (1-3) من كتاب :
بدائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن قيم الجوزية
ليسري السيد محمد / المجلد الأول

مشرفة
30-04-2007, 11:54 AM
تابع / قوة الفاتحة لابن القيم
ـــــــــــــــ




قال رحمه الله تعالى :
إذا أعطيت الفاتحة حقها وجدتها من أولها إلى آخرها منادية على ذلك (1)...





ثم قوله :( إياك نعبد وإياك نستعين )
مبطل لقول الطائفتين المنحرفتين على قصد السبيل
فإنه يتضمن إثبات فعل العبد وقيام العباده به حقيقة فهو العابد على الحقيقة
وإن ذلك لا يحصل له إلا بإعانة رب العالمين عزوجل له ...
فالفعل منه والإقدار والإعانة من الرب عزوجل ...



ـــــــــــــ



ثم قوله :( اهدنا الصراط المستقيم )
يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها وهي بيده
إن شاء أعطاها عبده ، وإن شاء منعه إياها
والهداية معرفة الحق والعمل به
فمن لم يجعله الله تعالى عالماً بالحق عاملاً به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء ...






فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي التي قال سبحانه فيها :
( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) ...




مع قوله تعالى :( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم )...
فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد
وهي التى هدى بها ثمود فاستحبوا العمى عليها وهى التى قال تعالى فيها :
( وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) ...




فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم
ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لا يضل من هداه بها




فذلك عدله فيهم وهذه حكمته فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم
ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولا يليق بهم ....



ــــــــــــ



... فأول السورة رحمة ، وأوسطها هداية ، وآخرها نعمة
وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية
وحظه منها على قدر حظه من الرحمة
فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته ...



ــــــــــــــ


وقال رحمه الله تعالى :



وليقف عند كل آية من الفاتحة ينتظر جواب ربه له ...

فإذا قال :( إياك نعبد وإياك نستعين ) انتظر قوله : هذا بيني وبين عبدي

فإذا قال :( اهدنا الصراط المستقيم ) إلى آخرها انتظر قوله : هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل



ــــــــــــــــــ


وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة :




... الموضع الخامس :من قوله : (إياك نعبد)
فإن ما يعبد به تعالى لا يكون إلا على ما يحبه ويرضاه ...
لكن طريق التعبد وما يعبد به لا سبيل إلى معرفته إلا برسله
وفي هذا بيان أن إرسال الرسل أمر مستقر في العقول ...




الموضع السادس : من قوله :( اهدنا الصراط المستقيم )
فالهداية : هي البيان والدلالة ، ثم التوفيق والإلهام ...
ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل ...



...وبطلان قول من يقول : إذا كنا مهتدين ، فكيف نسأل الهداية ؟
فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم ...





الموضع السابع : من معرفة نفس المسئول ، وهو الصراط المستقيم
ولا تكون الطريق صراطاً حتى تتضمن خمسة أمور :
الاستقامة
والإيصال إلى المقصود
والقرب
وسعته للمارين عليه
وتعيُّنه طريقاً للمقصود
ولا يخفى تضمن الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة ...






الموضع الثامن : من ذكر المنعم عليهم ، وتمييزهم عن طائفتي الغضب والضلال
فانقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به إلى هذه الأقسام الثلاثة
لأن العبد إما أن يكون عالماً بالحق ، أو جاهلاً به
والعالم بالحق إما أن يكون عاملاً بموجبه أو مخالفاً له
فهذه أقسام المكلفين .لا يخرجون عنها البتة ...

ــــــــــــــــ



... ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه ...
والنفوس مجبولة على وحشة التفرق ، وعلى الأنس بالرفيق
نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق ، وأنهم هم الذين :
( أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) ...




ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه ...
فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له
فإنهم هم الأقلُّون قدرا ، وإن كانوا الأكثرين عددا ...



ـــــــــــــ


ولما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب ونيلُه أشرفَ المواهب :
علَّم الله عباده كيفية سؤاله
وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه ، وتمجيده ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم
فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم :
توسل إليه بأسمائه وصفاته , وتوسل إليه بعبوديته





وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء
ويؤيدهما الوسيلتان المذكورتان في حديثي الأسم الأعظم ...




أحدهما : ...
" سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو ، ويقول :
اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت
الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد



فقال : والذي نفسي بيده ، لقد سأل الله باسمه الأعظم
الذي إذا دُعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى "

قال الترمذي : حديث صحيح ...


ـــــــــــــ



في مراتب الهداية الخاصة والعامة . وهي عشر مراتب



المرتبة الأولى :
مرتبة تكليم الله عزوجل لعبده يقظة بلا واسطة ، بل منه إليه
وهذه أعلى مراتبها ... قال الله تعالى :( وكلم الله موسى تكليما ) ...




المرتبة الثانية :
مرتبة الوحي المختص بالأنبياء . قال الله تعالى :
( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) ...
والوحي في اللغة : هو الأعلام السريع الخفي ...





المرتبة الثالثة :
إرسال الرسول الملكي إلي الرسول البشري . فيوحي إليه عن الله ما أمره أن يوصله إليه
فهذه المراتب الثلاثة خاصة بالأنبياء ، لا تكون لغيرهم ...





المرتبة الرابعة :
مرتبة التحديث ... كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :
" إنه كان في الأمم قبلكم محدَّثون ، فإن يكن في هذه الأمة فعمر بن الخطاب " ...





وسمعت شيخ الأسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله يقول :
جزم بأنهم كائنون في الأمم قبلنا
وعلق وجودهم في هذه الأمة بإن الشرطية
مع أنها أفضل الأمم لاحتياج الأمم قبلنا إليهم
واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها ورسالته ...




والمحدَّث هو الذي يحدَّث في سره وقلبه بالشئ ، فيكون كما يحدث به ...
وقال : وكان هذا المحدث يعرض ما يحدث به على ما جاء به الرسول فإن وافقه قبله
وإلا رده ...




... بل كتب كاتبه يوماً :
{ هذا ما أرى الله أمير المؤمنين ، عمر بن الخطاب
فقال : لا . امحه
واكتب : هذا ما رأى عمر بن الخطاب
فإن كان صواباً فمن الله ، وإن كان خطأ فمن عمر ، والله ورسوله منه برئ } ...





المرتبة الخامسة :
مرتبة الإفهام ... فالفهم نعمة من الله على عبده ، ونور يقذفه الله في قلبه ...
فيفهم من النص ما لا يفهمه غيره ، مع استوائهما في حفظه . وفهم أصل معناه ...




فانظر إلي فهم ابن عباس
وقد سأله عمر ، ومن حضر من أهل بدر وغيرهم عن سورة :
( إذا جاء نصر الله والفتح ) ...
أنها نعي الله سبحانه نبيه إلى نفسه ، وإعلامه بحضور أجله ، وموافقة عمر له على ذلك ...





المرتبة السادسة :
مرتبة البيان العام . وهو تبيين الحق ، وتمييزه من الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه ...



وهذه المرتبة هي حجة الله على خلقه
التي لا يعذب أحداً ولا يضله ، إلا بعد وصوله إليها
قال الله تعالى :( وما كان الله ليضلَّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) ...





وإذا عرفت هذا عرفت سر القدر
وزالت عنك شكوك كثيرة ، وشبهات في هذا الباب
وعلمت حكمة الله في إضلاله من يضله من عباده ...كقوله :
( فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم ) ...






المرتبة السابعة :
البيان الخاص ، وهو البيان المستلزم للهداية الخاصة ...
قال تعالى في هذه المرتبة :( إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ) ...
وقال : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء )...
فالبيان الأول شرط ، وهذا موجب .




المرتبة الثامنة :
مرتبة الإسماع . قال الله تعالى :
( ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) ...



فإن الكلام له لفظ ومعنى ...
فسماع لفظه حظ الأذن ، وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب ...





المرتبة التاسعة :
مرتبة الإلهام : قال تعالى :( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ) ...
فكل مؤمن فقد ألهمه الله رشده الذي حصل له به الإيمان ...





المرتبة العاشرة :
... الرؤيا الصادقة : وهي من أجزاء النبوة
كما ثبت عن النبي صلى الله علبه وسلم أنه قال :
" الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة "




... ونظير هذه الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة
ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم ...




وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
" الرؤيا ثلاثة :
رؤيا من الله
ورؤيا تحزين من الشيطان
ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة فيراه في المنام "...




...ورؤيا الأنبياء وحي . فإنها معصومة من الشيطان ...
وأما رؤيا غيرهم : فتعرض على الوحي الصريح فإن وافقته وإلا لم يعمل بها ...





ومن أراد أن تصدق رؤياه
فليتحر الصدق
وأكل الحلال
والمحافظة على الأمر والنهي
ولينم على طهارة كاملة
مستقبل القبلة
ويذكر الله حتى تغلبه عيناه
فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة





وأصدق الرؤيا :
رؤيا الأسحار فإنه وقت النزول الإلهي واقتراب الرحمة والمغفرة
وسكون الشياطين



وعكسه رؤيا العتمة ، عند انتشار الشياطين والأرواح الشيطانية ...





وقال مالك { الرؤيا من الوحي وحي }
وزجر عن تفسيرها بلا علم . وقال { أتتلاعب بوحي الله ؟ }...



ــــــــــــ




في بيان اشتمال الفاتحة على الشفاءين
شفاء القلوب وشفاء الأبدان




... فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين : فساد العلم وفساد القصد...
فالضلال نتيجة فساد العلم ، والغضب ينتجه فساد القصد ...





فهداية الصراط المستقيم : تتضمن الشفاء من مرض الضلال
ولذلك كان سؤال هذه الهداية :
أفرض دعاء على كل عبد وأوجبه عليه كل يوم وليلة في كل صلاة ...





والتحقق بـ ( إياك نعبد وإياك نستعين ) علماً ومعرفة وعملاً وحالاً :
يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد
فإن فساد القصد يتعلق بالغايات والوسائل ...




وكثيراً ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه – يقول :
( إياك نعبد ) تدفع الرياء ( وإياك نستعين ) تدفع الكبرياء ...







وأما تضمنها لشفاء الأبدان : ...
ففي الصحيح من حديث أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري
{ أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مروا بحي من العرب
فلم يقروهم ولم يضيفوهم
فلدغ سيد الحي فأتوهم فقالوا : هل عندكم من رقية أو هل فيكم من راق ؟
فقالوا : نعم ولكنكم لم تقرونا فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلاً
فجعلوا لهم على ذلك قطيعاً من الغنم
فجعل رجل منا يقرأ عليه بفاتحة الكتاب فقام كأن لم يكن به قلبة
فقلنا : لا تجعلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم
فأتيناه فذكرنا له ذلك فقال : ما يدريكم أنها رقية كلوا واضربوا لي معكم بسهم }...





فلو لم تنفعل نفس الملدوغ لقبول الرقية
ولم تقو نفس الراقي على التأثير لم يحصل البرء




فهنا أمور ثلاثة :
موافقة الدواء للداء
وبذل الطبيب له
وقبول طبيعة العليل
فمتى تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء
وإذا اجتمعت حصل الشفاء ولا بد بإذن الله سبحانه وتعالى ...



ــــــــــــــ




في اشتمال الفاتحة على الرد على جميع المبطلين من أهل الملل والنحل
والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة




وهذا يعلم بطريقين ، مجمل ومفصل :


أما المجمل :
فهو أن الصراط المستقيم متضمن معرفة الحق ...
والحق : هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
وما جاء به علماً وعملا في باب صفات الرب سبحانه
وأسمائه وتوحيده
وأمره ونهيه
ووعده ووعيده
وفي حقائق الإيمان ...



دون آراء الرجال وأوضاعهم وأفكارهم واصطلاحاتهم ...
فبهذا الطريق المجمل يعلم أن كل ما خالفه فباطل
وهو من صراط الأمتين : الأمة الغضبية ، وأمة أهل الضلال





وأما المفصل :
فمعرفة المذاهب الباطلة ، واشتمال الفاتحة على إبطالها ...



ـــــــــــــ




في تضمنها الرد على الجبرية




...الوجه الثالث :
إثبات العبادة والاستعانة لهم ، ونسبتها إليهم بقولهم { نعبد ، ونستعين }
وهي نسبة حقيقية لا مجازية


والله لا يصح وصفه بالعبادة والاستعانة التي هي من أفعال عبيده
بل العبد حقيقة : هو العابد المستعين ، والله المعبود المستعان به


ـــــــــــــــــ




في بيان تضمنها للرد على القائلين
بالموجب بالذات دون الاختيار والمشيئة وبيان أنه سبحانه فاعل مختار





... الرابع :
من كونه مستعاناً ، فإن الاستعانة بمن لا اختيار له ولا مشيئة ولا قدرة محال




الخامس :
من كونه مسئولاً أن يهدي عباده
فسؤال من لا اختيار له محال
وكذلك من كونه منعما


ــــــــــــــــ



في بيان تضمنها للرد على منكرى
تعلق علمه تعالى بالجزئيات



... الخامس : كونه مستعاناً
السادس : كونه مسئولا أن يهدي سائله ويجيبه
السابع : كونه هادياً
الثامن : كونه منعما
التاسع : كونه غضباناً على من خالفه
العاشر : كونه مجازيا ، يدين الناس بأعمالهم يوم الدين
فنفي علمه بالجزئيات مبطل لذلك كله


ـــــــــــــ




في بيان تضمنها للرد على الرافضة




وذلك من قوله :( اهدنا الصراط المستقيم ) إلى آخرها


ووجه تضمنه إبطال قولهم : أنه سبحانه قسم الناس إلى ثلاثة أقسام :
منعم عليهم ، وهم أهل الصراط المستقيم ، الذين عرفوا الحق واتبعوه
ومغضوب عليهم ، وهم الذين عرفوا الحق ورفضوه
وضالون ، وهم الذين جهلوه فأخطأوه ...




فكل من كان أعرف للحق ، وأتبع له كان أولى بالصراط المستقيم
ولا ريب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنهم :
هم أولى بهذه الصفة من الروافض ...



فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله ... جهلوا الحق وعرفه الروافض
أو رفضوه وتمسك به الروافض ...





... ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله :
بأبي بكر وعمر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنهم
وهو كما فسروه ...




وقال أبو العالية – رفيع الرياحي – والحسن البصري ، وهما من أجل التابعين :
الصراط المستقيم : رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه ...




وقال زيد بن أسلم : الذين أنعم عليهم هم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأبو بكر وعمر ...



... وأشد الأمة مخالفة لهما هم الرافضة ... ولهذا يبغضون السنة وأهلها ...




... فقد تبين أن الصراط المستقيم طريق أصحابه وأتباعه
وطريق أهل الغضب والضلالة : طريق الرافضة



وبهذه الطريق يرد على الخوارج ، فإن معاداتهم الصحابة معروفة ...




ــــــــــــــــ



في لزوم ( إياك نعبد ) لكل عبد إلى الموت




قال الله تعالى لرسوله : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) ...
وقال أهل النار :( وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين )...
واليقين ههنا : هو الموت بإجماع أهل التفسير
... فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف



بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لمَّا يسأله الملكان :
" من كان يعبد ؟ وما يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟" ...




وعليه عبودية أخرى يوم القيامة
يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود
فيسجد المؤمن
ويبقى الكفار و المنافقين لا يستطيعون السجود ...




ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه التعبد فهو زنديق كافر بالله ...



____________________

(1) أي خلق الله تعالى للأعمال وتكوينه وإيجادها لها . { قول الكاتب }

ــــــــــــــــــ

نقلاً وباختصار لتفسير سورة الفاتحة من آية ( 4-6 ) من كتاب :
بدائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن قيم الجوزية
ليسري السيد محمد / المجلد الأول