المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شهادات الكتب المتقدمة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام ( ومنها التوراة )



مشرفة
17-02-2008, 01:58 AM
شهادات الكتب المتقدمة لمحمد – عليه الصلاة والسلام – وأمثلة منها

بشارة من التوراة












قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

ومما ينبغي أن يعرف ما قد نبهنا عليه غير مرة

أن شهادة الكتب المتقدمة لمحمد – صلى الله عليه وسلم –

إما شهادتها بنبوته

وإما شهادتها بمثل ما أخبر به هو من الآيات البينات على نبوته ونبوة من قبله

وهو حجة على أهل الكتاب

وعلى غير أهل الكتاب من أصناف المشركين الملحدين ...











وذلك مثل قوله في التوراة ما قد ترجم بالعربية :

( جاء الله من طور سينا )

وبعضهم يقول :

( تجلى الله من طور سينا ، وأشرق من ساعير ، واستعلن من جبال فاران ) *

* تمام النص من الترجمة الحديثة : ( ... جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبال فاران ... )
انظر : سفر التثنية ، الإصحاح الثالث والثلاثون ، 1-3 العهد القديم 262

قال كثير من العلماء - واللفظ لأبي محمد بن قتيبة -

ليس بهذا خفاء على من تدبره ولا غموض

لأن مجيء الله من طور سينا إنزاله التوراة على موسى من طور سينا

كالذي هو عند أهل الكتاب وعندنا

وكذلك يجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على المسيح

وكان المسيح من ساعير أرض الخليل بقرية تدعى ناصرة وباسمها يسمى من اتبعه نصارى

وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير بالمسيح

فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد – صلى الله عليه وسلم –

وجبال فاران هي جبال مكة

قال :

وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلاف في أن فاران هي مكة

فإن ادعوا أنها غير مكة فليس ينكر ذلك من تحريفهم وإفكهم ...

قلنا :

أليس في التوراة أن إبراهيم أسكن هاجر وإسماعيل فاران

وقلنا :

دلونا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران

والنبي الذي أنزل عليه كتابا بعد المسيح

أو ليس ( استعلن ) و ( علن ) وهما بمعنى واحد ؟ وهو ما ظهر وانكشف

فهل تعلمون دينًا ظهر ظهور الإسلام وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فشوة ؟

وقال ابن ظفر :

ساعير جبل بالشام منه ظهرت نبوة المسيح

قلت :

وبجانب بيت لحم القرية التي ولد فيها المسيح

قرية تسمى إلى اليوم ساعير ولها جبل تسمى ساعير

وفي التوراة :

أن نسل العيص * كانوا سكانا بساعير وأمر الله موسى أن لا يؤذيهم

* العيص : هو ابن إسحاق بن إبراهيم – عليهم السلام –


وعلى هذا

فيكون ذكر الجبال الثلاثة حقا

جبل حراء الذي ليس حول مكة جبل أعلى منه ...

وذلك المكان يسمى فاران إلى هذا اليوم

وفيه كان ابتداء نزول القرآن

والبرية التي بين مكة وطور سينا تسمى برية فاران

ولا يمكن أحدا أن يدعي أنه بعد المسيح نزل كتاب في شيء من تلك الأرض ولا بعث نبي

فعلم

أنه ليس بالمراد باستعلانه من جبال فاران إلا إرسال محمد – صلى الله عليه وسلم –

وهو سبحانه ذكر هذا في التوراة على الترتيب الزماني

فذكر إنزال التوراة ثم الإنجيل ثم القرآن

وهذه الكتب نور الله وهداه ...











وهذه الأماكن الثلاث أقسم الله بها في القرآن في قوله تعالى :

( والتين والزيتون . وطور سينين . وهذا البلد الأمين ...)

فأقسم بالتين والزيتون وهو الأرض المقدسة الذي ينبت فيها ذلك

ومنها بعث المسيح وأنزل عليه فيها الإنجيل

وأقسم بطور سينين وهو الجبل الذي كلم الله فيه موسى

وناداه من واديه الأيمن من البقعة المباركة من الشجرة

وأقسم بالبلد الأمين وهي مكة

وهو البلد الذي أسكن إبراهيم ابنه إسماعيل وأمه

وهو الذي جعله الله حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم خلقا وأمرا قدرا وشرعا

فإن إبراهيم حرمه ودعا لأهله ...

كما قال تعالى :

( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا

إنك أنت السميع العليم

ربنا وجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا منا سكنا وتب علينا

إنك أنت التواب الرحيم

ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ءاياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم

إنك أنت العزيز الحكيم ) ...












وما ذكر ابن قتيبة وغيره من علماء المسلمين من تربية إسماعيل في برية فاران

فهكذا هو في التوراة قال فيها :

( وغدا إبراهيم فأخذ الغلام وأخذ خبزا وسقاء من ماء ودفعه إلى هاجر وحمله عليها

وقال لها اذهبي فانطلقت هاجر فضلت في برية سبع ونفد الماء الذي كان معها

فطرحت الغلام تحت شجرة وجلست في مقابلته على مقدار رمية بسهم

لئلا تبصر الغلام حين يموت ورفعت صوتها بالبكاء

وسمع الله صوت الغلام

فدعا ملك الله هاجر وقال لها ما لك يا هاجر ؟

لا تخشي فإن الله قد سمع صوت الغلام حيث هو

فقومي فاحملي الغلام وشدي يدك به

فإني جاعله لأمة عظيمة

وفتح الله عينيها فبصرت بئر ماء فسقت الغلام وملأت سقاءها

وكان الله مع الغلام فربى وسكن في برية فاران ) *

* في الترجمة الحالية هكذا : ( فبكر إسماعيل صباحًا ، وأخذ خبزًا وقربة ماء ... )
انظر سفر التكوين ، الإصحاح الحادي والعشرون ، 14-21 العهد القديم 29










فهذا خبر الله في التوراة

أن إسماعيل ربى وسكن في برية فاران بعد أن كاد يموت من العطش

وأن الله سقاه من بئر ماء

وقد علم بالتواتر و اتفاق الأمم

أن إسماعيل إنما ربي بمكة

وهو وأبوه إبراهيم بنيا البيت فعلم أن أرض مكة فاران ...

والبئر الذي شرب منها إسماعيل وأمه هي بئر زمزم

وحديثها مذكور في صحيح البخاري ...











والله تعالى قال في إسماعيل :

( إني جاعله لأمة عظيمة ومعظمة جدا جدا ) *

* انظر : سفر التكوين الإصحاح السابع عشر (20) العهد القديم : (24)

وهذا التعظيم المؤكد بـ( جدا جدا )

يقتضي أن يكون تعظيما مبالغا فيه

فلو قدر أن البيت الذي بناه لا يحج إليه أحد

وأن ذريته ليس منهم نبي كما يقوله كثير من أهل الكتاب

لم يكن هناك تعظيم مبالغا فيه جدا جدا

إذ أكثر ما في ذلك أن يكون له ذرية

ومجرد كون الرجل له نسل وعقب لا يعظم به

إلا إذا كان في الذرية مؤمنون مطيعون لله










وكذلك قوله :

( أجعله لأمة عظيمة )

إن كانت تلك الأمة كافرة لم تكن عظيمة

بل كان يكون أبا لأمة كافرة

فعلم

أن هذه الأمة العظيمة كانوا مؤمنين وهؤلاء يحجون البيت

فعلم

أن حج البيت مما يحبه الله ويأمر به

وليس في أهل الكتاب إلا المسلمون

فعلم أنهم الذين فعلوا ما يحبه الله ويرضاه

وأنهم وسلفهم الذين كانوا يحجون البيت أمة أثنى الله عليها وشرفها

وأن إسماعيل عظمه الله جدا جدا بما جعل في ذريته من الإيمان والنبوة

وهذا هو كما امتن الله على نوح وإبراهيم بقوله :

( ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ) ...

وهؤلاء يحجون إلى هذا البيت ولا يحج إليه بعد مجيء محمد غيرهم ...











* وأيضا فهذا التعظيم المبالغ فيه الذي صار به ولد إسماعيل فوق الناس

لم يظهر إلا بنبوة محمد فدل ذلك على أنها حق ومبشر به

* فهذا نعت محمد – صلى الله عليه وسلم - لا نعت المسيح

فهو الذي بعث بشريعة قوية ودق ملوك الأرض وأممها

حتى امتلأت الأرض منه ومن أمته من مشارق الأرض ومغاربها

وسلطانه دائم لم يقدر أحد أن يزيله

كما زال ملك اليهود

وزال ملك النصارى عن خيار الأرض وأوسطها












ومثل هذا بشارة أخرى بمحمد – صلى الله عليه وسلم - من كلام شمعون

بما رضوه من ترجمتهم وهو :

( جاء الله بالبينات من جبال فاران

وامتلأت السماء والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته ) *

* ونصه في الترجمة الحالية : ( الله جاء من تيمان ... )
انظر سفر حبقوق ، الإصحاح الثالث 3-4 ، العهد القديم :1046

... لم يخرج أحد قط وامتلأت السماوات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته مما يسمى فاران

سوى محمد – صلى الله عليه وسلم –

والمسيح لم يكن في أرض فاران ألبتة

وموسى إنما كلم من الطور والطور ليس من أرض فاران

وإن كانت البرية التي بين الطور وأرض الحجاز من فاران فلم ينزل الله فيها التوراة

وبشارات التوراة قد تقدمت بجبل ( الطور )

وبشارة الإنجيل بجبل ( ساعير )












ومثل هذا كما نقل في نبوة ( حبقوق ) *

* نبي في يهوذا ... قاموس الكتاب المقدس (عندهم) ص287

أنه قال :

جاء الله من التيمن(1) وظهر القدس (2) على جبال فاران

وامتلأت الأرض من تحميد ( أحمد )

وملك بيمينه رقاب الأمم وأنارت الأرض لنوره وحملت خيله في البحر) (3)

(1): اسم عبري معناه اليمين أو الجنوبي أو الصحراء الجنوبية
(2): القدس : يراد به موضع ظهور مجده – تعالى – للشعب . قاموس الكتاب المقدس ( عندهم ) ص 718
(3): انظر سفر حبقوق ، الإصحاح الثالث 3-8 ، العهد القديم : 1046










ومن ذلك ما في التوراة التي بأيديهم

في السفر الأول منها وهي خمسة أسفار في الفصل التاسع في قصة هاجر

لما فارقت سارة وخاطبها الملك فقال يا هاجر من أين أقبلت وإلى أين تريدين

فلما شرحت له الحال قال ارجعي فإني سأكثر ذريتك وزرعك حتى لا يحصون

وها أنت تحبلين وتلدين ابنا نسميه إسماعيل لأن الله قد سمع تذللك وخضوعك

وولدك يكون وحشي الناس

ويكون يده فوق الجميع ويد الكل به ويكون على تخوم جميع إخوته *

* انظر : سفر التكوين ، الإصحاح السادس عشر 11- 12 ، العهد القديم 23











قال المستخرجون لهذه البشارة :

معلوم أن يد بني إسماعيل قبل مبعث محمد لم تكن فوق أيدي بني إسحاق

بل كان في بني إسحاق النبوة والكتاب

وقد دخلوا مصر زمن يوسف مع يعقوب فلم يكن لبني إسماعيل فوقهم يد

ثم خرجوا منها لما بعث موسى وكانوا مع موسى أعز أهل الأرض لم يكن لأحد عليهم يد

ثم مع يوشع بعده إلى زمن داود وملك سليمان الذي لم يؤت أحد مثله

وسلط عليهم بعد ذلك بخت نصر فلم يكن لبني إسماعيل عليهم يد

ثم بعث المسيح وخُرِّب بيت المقدس الخراب الثاني حيث أفسدوا في الأرض مرتين

ومن حينئذ زال ملكهم وقطعهم الله في الأرض أمما

وكانوا تحت حكم الروم والفرس لم يكن للعرب عليهم حكم أكثر من غيرهم

فلم يكن لولد إسماعيل سلطان على أحد من الأمم لا أهل الكتاب ولا الأميين

فلم يكن يد ولد إسماعيل فوق الجميع حتى بعث الله محمدا – صلى الله عليه وسلم –


الذي دعا به إبراهيم وإسماعيل حيث قالا :

( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم

إنك أنت العزيز الحكيم )


فلما بعث

صار يد ولد إسماعيل فوق الجميع

فلم يكن في الأرض سلطان أعز من سلطانهم

وقهروا فارس والروم وغيرهم من الأمم

وقهروا اليهود والنصارى والمجوس والمشركين والصابئين

فظهر بذلك تحقيق قوله في التوراة :

( وتكون يده فوق الجميع ويد الكل به )

وهذا أمر مستمر إلى آخر الدهر











فإن قيل

هذه بشارة بملكه وظهوره

قيل

الملك ملكان

ملك ليس فيه دعوى نبوة وهذا لم يكن لبني إسماعيل على الجميع

وملك صدر عن دعوى نبوة

فإن كان مدعي النبوة كاذبا:

( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلي ولم يوح إله شيء )

وهذا من شر الناس وأكذبهم وأظلمهم وأفجرهم

وملكه شر من ملك الظالم الذي لم يدع نبوة كـ( بختنصر ) و ( سنجاريب )

ومعلوم

أن الإخبار بهذه لا يكون بشارة ولا تفرح سارة وإبراهيم بهذا

كما لو قيل : يكون جبارا طاغيا يقهر الناس على طاعته ويقتلهم ويسبي حريمهم ويأخذ أموالهم بالباطل

فإن الإخبار بهذا لا يكون بشارة ولا يسر المخبر بذلك

وإنما يكون بشارة تسره إذا كان ذلك يعدل وكان علوه محمودا لا إثم فيه

وذلك في مدعي النبوة لا يكون إلا وهو صادق لا كاذب










الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح
لشيخ الإسلام ابن تيمية
تحقيق وتعليق : د.علي بن حسن /د.عبد العزيز بن إبراهيم /د.حمدان بن محمد
(ص : 179 – 225)
باختصار