مشرفة
17-03-2008, 05:01 AM
عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال :
ألا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال :
" ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين و سبعين ملة
و إن هذه الملة ستفترق على ثلاث و سبعين :
ثنتان و سبعون في النار , و واحدة في الجنة , و هي الجماعة "
صحيح . الصحيحة برقم : 204
قال محدث عصره فضيلة الشيخ الألباني – رحمه الله – تحت هذا الحديث :
أن بعض المحققين من العلماء اليمانيين
ممن نقطع أنه وقف على كتب ابن الوزير
ألا و هو الشيخ صالح المقبلي
قد تكلم على هذا الحديث بكلام جيد من جهة ثبوته و معناه
و قد ذكر فيه أن بعضهم ضعف هذا الحديث فكأنه يشير بذلك إلى ابن الوزير
و أنت إذا تأملت كلامه وجدته يشير إلى أن التضعيف لم يكن من جهة السند , و إنما من قبل استشكال معناه
و أرى أن أنقل خلاصة كلامه المشار إليه لما فيه من الفوائد
قال رحمه الله تعالى في " العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء و المشايخ " ( ص 414 ) :
" حديث افتراق الأمة إلى ثلاث و سبعين فرقة
رواياته كثيرة يشد بعضها بعضا بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها
( ثم ذكر حديث معاوية هذا ... ثم قال : )
و الإشكال في قوله : " كلها في النار إلا ملة "
فمن المعلوم أنهم خير الأمم , و أن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة
مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث
فكيف يتمشى هذا ?
فبعض الناس تكلم في ضعف هذه الجملة , و قال : هي زيادة غير ثابتة
و بعضهم تأول الكلام " . قال :
و من المعلوم أن ليس المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف
فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة
إنما الكلام في مخالفة تُصيِّر صاحبها فرقة مستقلة ابتدعها
و إذا حققت ذلك
فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل
و فيما يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر
و لكنها لم تخص معينا من هذه الفرق
التي قد تحزبت و التأم بعضهم إلى قوم و خالف آخرون بحسب مسائل عديدة "
ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته :
" إن الناس عامة و خاصة
فالعامة آخرهم كأولهم , كالنساء و العبيد و الفلاحين و السوقة و نحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء
فلا شك في براءة آخرهم من الابتداع كأولهم
و أما الخاصة , فمنهم مبتدع اخترع البدعة و جعلها نصب عينيه
و بلغ في تقويتها كل مبلغ , و جعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب و السنة
ثم تبعه أقوام من نمطه في الفقه و التعصب
و ربما جددوا بدعته و فرعوا عليها و حملوه ما لم يتحمله , و لكنه إمامهم المقدم
و هؤلاء هم المبتدعة حقا
و هو شيء كبير ( تكاد السماوات يتفطرن منه و تنشق الأرض و تخر الجبال هدا )
كنفي حكمة الله تعالى , و نفي إقداره المكلف , و ككونه يكلف ما لا يطاق
و يفعل سائر القبائح و لا تقبح منه , و أخواتهن !
و منها ما هو دون ذلك , و حقائقها جميعها عند الله تعالى
و لا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث و سبعين فرقة
و من الناس
من تبع هؤلاء و ناصرهم و قوى سوادهم بالتدريس و التصنيف
و لكنه عند نفسه راجع إلى الحق
و قد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه خفي
و لعله تخيل مصلحة دنيئة
أو عظم عليه انحطاط نفسه و إيذاؤهم له في عرضه و ربما بلغت الأذية إلى نفسه
و على الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل , و تخبط في تصرفاته
و حسابه على الله سبحانه
إما أن يحشره مع من أحب بظاهر حاله , أو يقبل عذره
و ما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك
لكن شرهم و الله كثير
فلربما لم يقع خبرهم بمكان , و ذلك لأنه لا يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث
و قد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة
و ليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق و يخفيه . و الله المستعان
و من الناس
من ليس من أهل التحقيق , و لا هيء للهجوم على الحقائق
و قد تدرب في كلام الناس , و عرف أوائل الأبحاث , و حفظ كثيرا من غثاء ما حصلوه
و لكن أرواح الأبحاث بينه و بينها حائل
و قد يكون ذلك لقصور الهمة و الاكتفاء و الرضا عن السلف لوقعهم في النفوس
و هؤلاء هم الأكثرون عددا ، و الأرذلون قدرا
فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة , و لا أدركوا سلامة العامة
فالقسم الأول من الخاصة مبتدعة قطعا
و الثاني ظاهره الابتداع
و الثالث له حكم الابتداع
و من الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين , و قليل من الآخرين
أقبلوا على الكتاب و السنة و ساروا بسيرها , و سكتوا عما سكتا عنه
و أقدموا و أحجموا بهما و تركوا تكلف مالا يعنيهم و كان تهمهم السلامة
و حياة السنة آثر عندهم من حياة نفوسهم
و قرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى , و فهم معانيه على السليقة العربية و التفسيرات المروية
و معرفة ثبوت حديث نبوي لفظا و حكما
فهؤلاء هم السنية حقا , و هم الفرقة الناجية , و إليهم العامة بأسرهم
و من شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين , بحسب علمه بقدر بدعتهم و نياتهم
إذا حققت جميع ما ذكرنا لك
لم يلزمك السؤال المحذور ، و هو الهلاك على معظم الأمة
لأن الأكثر عددا هم العامة قديما و حديثا
و كذلك الخاصة في الأعصار المتقدمة
و لعل القسمين الأوسطين , و كذا من خفت بدعته من الأول
تنقذهم رحمة ربك من النظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية
و رحمة ربك أوسع لكل مسلم
لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث و مصداقة
و أن أفراد الفرق المبتدعة و إن كثرت الفرق
فلعله لا يكون مجموع أفرادهم جزءا من ألف جزء من سائر المسلمين
فتأمل هذا تسلم من اعتقاد مناقضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة "
قلت :
و هذا آخر كلام الشيخ المقبلي رحمه الله
و هو كلام متين يدل على علم الرجل و فضله و دقة نظره
و منه تعلم سلامة الحديث من الإشكال الذي أظن أنه عمدة ابن الوزير رحمه الله في إعلاله إياه
و الحمد لله على أن وفقنا
للإبانة عن صحة هذا الحديث من حيث إسناده
و إزالة الشبهة عنه من حيث متنه
و هو الموفق لا إله إلا هو
ثم وقفت على كلام لأحد الكتاب في العصر الحاضر
ينكر في كتابه " أدب الجاحظ " ( ص 90 ) صحة هذا الحديث للدفاع عن شيخه الجاحظ !
فهو يقول :
" و لو صح هذا الحديث لكان نكبة كبرى على جمهور الأمة الإسلامية
إذ يسجل على أغلبيتها الخلود في الجحيم
و لو صح هذا الحديث لما قام أبو بكر في وجه مانعي الزكاة معتبرا إياهم في حالة ردة ..."
إلى آخر كلامه الذي يغني حكايته عن تكلف الرد عليه , لوضوح بطلانه
لاسيما بعد قراءة كلام الشيخ المقبلي المتقدم
على أن قوله " الخلود في الجحيم " ليس له أصل في الحديث
و إنما أورده الكاتب المشار إليه من عند نفسه
ليتخذ ذلك ذريعة للطعن في الحديث
و هو سالم من ذلك كله كما بينا
و الحمد لله على توفيقه
ألا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال :
" ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين و سبعين ملة
و إن هذه الملة ستفترق على ثلاث و سبعين :
ثنتان و سبعون في النار , و واحدة في الجنة , و هي الجماعة "
صحيح . الصحيحة برقم : 204
قال محدث عصره فضيلة الشيخ الألباني – رحمه الله – تحت هذا الحديث :
أن بعض المحققين من العلماء اليمانيين
ممن نقطع أنه وقف على كتب ابن الوزير
ألا و هو الشيخ صالح المقبلي
قد تكلم على هذا الحديث بكلام جيد من جهة ثبوته و معناه
و قد ذكر فيه أن بعضهم ضعف هذا الحديث فكأنه يشير بذلك إلى ابن الوزير
و أنت إذا تأملت كلامه وجدته يشير إلى أن التضعيف لم يكن من جهة السند , و إنما من قبل استشكال معناه
و أرى أن أنقل خلاصة كلامه المشار إليه لما فيه من الفوائد
قال رحمه الله تعالى في " العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء و المشايخ " ( ص 414 ) :
" حديث افتراق الأمة إلى ثلاث و سبعين فرقة
رواياته كثيرة يشد بعضها بعضا بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها
( ثم ذكر حديث معاوية هذا ... ثم قال : )
و الإشكال في قوله : " كلها في النار إلا ملة "
فمن المعلوم أنهم خير الأمم , و أن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة
مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث
فكيف يتمشى هذا ?
فبعض الناس تكلم في ضعف هذه الجملة , و قال : هي زيادة غير ثابتة
و بعضهم تأول الكلام " . قال :
و من المعلوم أن ليس المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف
فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة
إنما الكلام في مخالفة تُصيِّر صاحبها فرقة مستقلة ابتدعها
و إذا حققت ذلك
فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل
و فيما يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر
و لكنها لم تخص معينا من هذه الفرق
التي قد تحزبت و التأم بعضهم إلى قوم و خالف آخرون بحسب مسائل عديدة "
ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته :
" إن الناس عامة و خاصة
فالعامة آخرهم كأولهم , كالنساء و العبيد و الفلاحين و السوقة و نحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء
فلا شك في براءة آخرهم من الابتداع كأولهم
و أما الخاصة , فمنهم مبتدع اخترع البدعة و جعلها نصب عينيه
و بلغ في تقويتها كل مبلغ , و جعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب و السنة
ثم تبعه أقوام من نمطه في الفقه و التعصب
و ربما جددوا بدعته و فرعوا عليها و حملوه ما لم يتحمله , و لكنه إمامهم المقدم
و هؤلاء هم المبتدعة حقا
و هو شيء كبير ( تكاد السماوات يتفطرن منه و تنشق الأرض و تخر الجبال هدا )
كنفي حكمة الله تعالى , و نفي إقداره المكلف , و ككونه يكلف ما لا يطاق
و يفعل سائر القبائح و لا تقبح منه , و أخواتهن !
و منها ما هو دون ذلك , و حقائقها جميعها عند الله تعالى
و لا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث و سبعين فرقة
و من الناس
من تبع هؤلاء و ناصرهم و قوى سوادهم بالتدريس و التصنيف
و لكنه عند نفسه راجع إلى الحق
و قد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه خفي
و لعله تخيل مصلحة دنيئة
أو عظم عليه انحطاط نفسه و إيذاؤهم له في عرضه و ربما بلغت الأذية إلى نفسه
و على الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل , و تخبط في تصرفاته
و حسابه على الله سبحانه
إما أن يحشره مع من أحب بظاهر حاله , أو يقبل عذره
و ما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك
لكن شرهم و الله كثير
فلربما لم يقع خبرهم بمكان , و ذلك لأنه لا يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث
و قد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة
و ليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق و يخفيه . و الله المستعان
و من الناس
من ليس من أهل التحقيق , و لا هيء للهجوم على الحقائق
و قد تدرب في كلام الناس , و عرف أوائل الأبحاث , و حفظ كثيرا من غثاء ما حصلوه
و لكن أرواح الأبحاث بينه و بينها حائل
و قد يكون ذلك لقصور الهمة و الاكتفاء و الرضا عن السلف لوقعهم في النفوس
و هؤلاء هم الأكثرون عددا ، و الأرذلون قدرا
فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة , و لا أدركوا سلامة العامة
فالقسم الأول من الخاصة مبتدعة قطعا
و الثاني ظاهره الابتداع
و الثالث له حكم الابتداع
و من الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين , و قليل من الآخرين
أقبلوا على الكتاب و السنة و ساروا بسيرها , و سكتوا عما سكتا عنه
و أقدموا و أحجموا بهما و تركوا تكلف مالا يعنيهم و كان تهمهم السلامة
و حياة السنة آثر عندهم من حياة نفوسهم
و قرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى , و فهم معانيه على السليقة العربية و التفسيرات المروية
و معرفة ثبوت حديث نبوي لفظا و حكما
فهؤلاء هم السنية حقا , و هم الفرقة الناجية , و إليهم العامة بأسرهم
و من شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين , بحسب علمه بقدر بدعتهم و نياتهم
إذا حققت جميع ما ذكرنا لك
لم يلزمك السؤال المحذور ، و هو الهلاك على معظم الأمة
لأن الأكثر عددا هم العامة قديما و حديثا
و كذلك الخاصة في الأعصار المتقدمة
و لعل القسمين الأوسطين , و كذا من خفت بدعته من الأول
تنقذهم رحمة ربك من النظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية
و رحمة ربك أوسع لكل مسلم
لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث و مصداقة
و أن أفراد الفرق المبتدعة و إن كثرت الفرق
فلعله لا يكون مجموع أفرادهم جزءا من ألف جزء من سائر المسلمين
فتأمل هذا تسلم من اعتقاد مناقضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة "
قلت :
و هذا آخر كلام الشيخ المقبلي رحمه الله
و هو كلام متين يدل على علم الرجل و فضله و دقة نظره
و منه تعلم سلامة الحديث من الإشكال الذي أظن أنه عمدة ابن الوزير رحمه الله في إعلاله إياه
و الحمد لله على أن وفقنا
للإبانة عن صحة هذا الحديث من حيث إسناده
و إزالة الشبهة عنه من حيث متنه
و هو الموفق لا إله إلا هو
ثم وقفت على كلام لأحد الكتاب في العصر الحاضر
ينكر في كتابه " أدب الجاحظ " ( ص 90 ) صحة هذا الحديث للدفاع عن شيخه الجاحظ !
فهو يقول :
" و لو صح هذا الحديث لكان نكبة كبرى على جمهور الأمة الإسلامية
إذ يسجل على أغلبيتها الخلود في الجحيم
و لو صح هذا الحديث لما قام أبو بكر في وجه مانعي الزكاة معتبرا إياهم في حالة ردة ..."
إلى آخر كلامه الذي يغني حكايته عن تكلف الرد عليه , لوضوح بطلانه
لاسيما بعد قراءة كلام الشيخ المقبلي المتقدم
على أن قوله " الخلود في الجحيم " ليس له أصل في الحديث
و إنما أورده الكاتب المشار إليه من عند نفسه
ليتخذ ذلك ذريعة للطعن في الحديث
و هو سالم من ذلك كله كما بينا
و الحمد لله على توفيقه