المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تجزؤ الاجتهاد ليس رخصة للمجتهدين بل هو سبيل لتبليغ الدين



طويلب علم
10-05-2008, 03:52 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فإن من أهم ما يحرص عليه أهل الأهواء والبدع إلزام جميع المسلمين بالتقليد المذموم لتمرير بدعهم وضلالاتهم فإنه ما من بدعة إلا وقال بها من ينتسب للعلم فإذا سلم لهم التقليد وإغلاق باب الاجتهاد توصلوا به إلى بدعهم فإذا طولبوا بالدليل قالوا: إنما الدليل للمجتهدين وهل يفهم الكتاب والسنة إلا المجتهد ؟! فسبحان الله ما أبطلها من شبهة ملعونة كما وصفها الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى في الأصول الستة حيث قال:(رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة ، وهي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصافاً لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر ، فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضاً حتماً لا شك ولا إشكال فيه ، ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق ، وإما مجنون لأجل صعوبة فهمهما فسبحان الله وبحمده كم بين الله سبحانه شرعاً وقدراً ، خلقاً وأمراً في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى بلغت إلى حد الضروريات العامة ولكن أكثر الناس لا يعلمون { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون . إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون . وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون . وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم }) اهـ
فبالله عليكم أحبتي في الله ألا تفهمون قول الله تعالى:(أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ) ألاتفهمون قول الله تعالى:(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) هل يحتاج هذا أن تكون أنحى من سيبويه والخليل لتفهمه هذا ما لايقوله عاقل بل لم يشترط العلماء في المجتهد المطلق أن يكون مستقلا في النحو واللغة وألا يتبع سيبويه فمن أين لكم أن تأتوا بالأعراب قبل تغير لغتهم حتى تأخذوا منهم اللغة ولاتكونوا تابعين لسيبويه إن هذا لشيء عجاب وماهو إلا الصد عن الكتاب والإحالة على غير المعصوم والإعراض عن الوحيين .
ولهذا قرر العلماء أن العامي يستفي أعلم وأورع من يعرف من أهل العلم وأن المجتهد لايجوز له تقليد غيره إلاعند الضرورة كأكل لحم الميتة للمضطر وطالب العلم يجتهد فيما يحسنه من مسائل العلم وما عجز عنه استفتى فيه كما يستفي العامي هذا ما قرره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في مواضع كثيرة من كتبه وفتاواه وشروحه .
والتقليد نوعان :
التقليد العام : وهو أن يأخذ بمذهب يلتزم برخصه وعزائمه في جميع أمور دينه فهذا محل خلاف بين أهل العلم والصحيح أنه محرم كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال : (إن في القول بوجوب طاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمره ونهيه هو خلاف الإجماع وجوازه فيه ما فيه .)اهـ
والتقليد الخاص:أن يأخذ بقول معين في قضية معينة فهذا جائز إذا عجز عن معرفة الحق بالاجتهاد سواء عجز عجزا حقيقيا أو استطاع ذلك مع المشقة العظيمة . انظر شرح الأصول الستة للشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى ص183-184.
ومما ينبغي أن يعلم أن تجزأ الاجتهاد ليست رخصة للمجتهد المطلق الذي لايريد أن يتعب نفسه بالاجتهاد في كل مسألة بل المجتهد المطلق لايجوز له تقليد غيره إلا عند الضرورة كما سبق وإنما مراد العلماء بتجزأ الاجتهاد هو اجتهاد طالب العلم الذي عنده ملكة يستطيع بها الترجيح في بعض المسائل التي درسها وبحثها وأتقنها ولايمكنه الاجتهاد في جميع أبواب الفقه بل قد يجتهد في المسألة أو المسألتين أو الباب المعين وإليكم ما يبين ذلك من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين حيث قال :(الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : الِاجْتِهَادُ حَالَةٌ تَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ وَالِانْقِسَامَ ، فَيَكُونُ الرَّجُلُ مُجْتَهِدًا فِي نَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ مُقَلِّدًا فِي غَيْرِهِ ، أَوْ فِي بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ ، كَمَنْ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي نَوْعِ الْعِلْمِ بِالْفَرَائِضِ وَأَدِلَّتِهَا وَاسْتِنْبَاطِهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْعُلُومِ ، أَوْ فِي بَابِ الْجِهَادِ أَوْ الْحَجِّ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ؛ فَهَذَا لَيْسَ لَهُ الْفَتْوَى فِيمَا لَمْ يَجْتَهِدْ فِيهِ ، وَلَا تَكُونُ مَعْرِفَتُهُ بِمَا اجْتَهَدَ فِيهِ مُسَوِّغَةً لَهُ الْإِفْتَاءَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي غَيْرِهِ ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي النَّوْعِ الَّذِي اجْتَهَدَ فِيهِ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَصَحُّهَا الْجَوَازُ ، بَلْ هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ .
وَالثَّانِي : الْمَنْعُ .
وَالثَّالِثُ : الْجَوَازُ فِي الْفَرَائِضِ دُونَ غَيْرِهَا .
فَحُجَّةُ الْجَوَازِ أَنَّهُ قَدْ عَرَفَ الْحَقَّ بِدَلِيلِهِ ، وَقَدْ بَذَلَ جَهْدَهُ فِي مَعْرِفَةِ الصَّوَابِ ؛ فَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ فِي سَائِرِ الْأَنْوَاعِ .
وَحُجَّةُ الْمَنْعِ تَعَلُّقُ أَبْوَابِ الشَّرْعِ وَأَحْكَامِهِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، فَالْجَهْلُ بِبَعْضِهَا مَظِنَّةٌ لِلتَّقْصِيرِ فِي الْبَابِ وَالنَّوْعِ الَّذِي قَدْ عَرَفَهُ ، وَلاَيَخْفَى الِارْتِبَاطُ بَيْنَ كِتَابِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ وَكِتَابِ الْفَرَائِضِ ، وَكَذَلِكَ الِارْتِبَاطُ بَيْنَ كِتَابِ الْجِهَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَكِتَابِ الْحُدُودِ وَالْأَقْضِيَةِ وَالْأَحْكَامِ ، وَكَذَلِكَ عَامَّةُ أَبْوَابِ الْفِقْهِ .
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا رَأَى انْقِطَاعَ أَحْكَامِ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ وَمَعْرِفَةِ الْفُرُوضِ وَمَعْرِفَةِ مُسْتَحَقِّهَا عَنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ وَالرُّهُونِ وَالنِّضَالِ وَغَيْرِهَا ، وَعَدَمِ تَعَلُّقَاتِهَا ، وَأَيْضًا فَإِنَّ عَامَّةَ أَحْكَامِ الْمَوَارِيثِ قَطْعِيَّةٌ ، وَهِيَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَاتَقُولُونَ فِيمَنْ بَذَلَ جَهْدَهُ فِي مَعْرِفَةِ مَسْأَلَةٍ أَوْ مَسْأَلَتَيْنِ ، هَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِمَا ؟ قِيلَ : نَعَمْ يَجُوزُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَهَلْ هَذَا إلَّا مِنْ التَّبْلِيغِ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ ، وَجَزَى اللَّهُ مِنْ أَعَانَ الْإِسْلَامَ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ خَيْرًا ، وَمَنْعُ هَذَا مِنْ الْإِفْتَاءِ بِمَا عَلِمَ خَطَأٌ مَحْضٌ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ ) اهـ
فتأمل قوله:فَيَكُونُ الرَّجُلُ مُجْتَهِدًا فِي نَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ مُقَلِّدًا فِي غَيْرِهِ ، أَوْ فِي بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ .
وقوله:فَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ فِي سَائِرِ الْأَنْوَاعِ .
يتبين لك غلط من جعله رخصة للمجتهد المطلق بل هو للرجل يتعلم المسألة بدليلها فيبلغها فجَزَى اللَّهُ مِنْ أَعَانَ الْإِسْلَامَ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ خَيْرًا ، وأسأل الله أن يهدي ضال المسلمين وأن يظهر السنة في العالمين ويعذينا من شبهات المضلين ويرد كيد أهل البدع إلى نحورهم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين .

خالد الجزمي
10-05-2008, 11:17 PM
جزاك الله خيراً ، ونفع بك

فيصل بن المبارك أبو حزم
11-05-2008, 12:02 AM
بارك الله فيك أخي الحبيب
طويلب العلم
و الحقيقة أني لمست فيك حب البحث و المباحثة
وهذا يجعلني أفتخر بهذا المنتدى
بارك الله فيكم .

طويلب علم
11-05-2008, 11:43 AM
جزاكم الله خيرا أحبتي في الله على الإطلاع على الموضوع