مشرفة
15-03-2008, 01:44 PM
الطائفة الظاهرة و الفرقة الناجية
هم أهل الحديث
*********************
... ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة )
صحيح . الصحيحة برقم : 270
قال يزيد بن هارون :
إن لم يكونوا أصحاب الحديث ؛ فلا أدري من هم ؟
قال محدث عصره فضيلة الشيخ الألباني – رحمه الله - :
بيد أن هذه الزيادة
معروفة و ثابتة عن جماعة من أهل الحديث من طبقة يزيد ابن هارون و غيرها , و هم :
1 - عبد الله بن المبارك ( 118 - 181 ) , فروى الخطيب بسنده عن سعيد ابن يعقوب الطالقاني أو غيره قال :
" ذكر ابن المبارك حديث النبي صلى الله عليه وسلم : لا تزال طائفة ...
قال ابن المبارك : هم عندي أصحاب الحديث "
2 - علي بن المديني ( 161 - 234 ) , و روى الخطيب أيضا من طريق الترمذي و هذا في " سننه " ( 2 / 30 )
و قد ساق الحديث من رواية المزني المتقدمة ( رقم 5 ) ثم قال :
" قال محمد بن إسماعيل ( هو البخاري ) قال علي بن المديني : هم أصحاب الحديث "
3 - أحمد بن حنبل ( 164 - 241 ) , روى الحاكم في " معرفة علوم الحديث " ( ص 2 ) و الخطيب بإسنادين
صحح أحدهما الحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد أنه سئل عن معنى هذا الحديث فقال :
" إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث , فلا أدري من هم "
و روى الخطيب ( 33 / 3 ) مثل هذا في تفسير الفرقة الناجية
4 - أحمد بن سنان الثقة الحافظ ( ... - 259 ) روى الخطيب عن أبي حاتم قال :
سمعت أحمد بن سنان و ذكر حديث " لا تزال طائفة من أمتي على الحق "
فقال : هم أهل العلم و أصحاب الآثار
5 - البخاري محمد بن إسماعيل ( 194 - 256 )
روى الخطيب عن إسحاق بن أحمد قال : ثنا محمد بن إسماعيل البخاري
و ذكر حديث موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم :
" لا تزال طائفة من أمتي " , فقال البخاري : يعني أصحاب الحديث
و قال في " صحيحه " و قد علق الحديث و جعله بابا : " و هم أهل العلم "
و لا منافاة بينه و بين ما قبله كما هو ظاهر
لأن أهل العلم هم أهل الحديث
و كلما كان المرء أعلم بالحديث كان أعلم في العلم ممن هو دونه في الحديث كما لا يخفى
و قال في كتابه " خلق أفعال العباد " ( ص 77 - طبع الهند )
و قد ذكر بسنده حديث أبي سعيد الخدري في قوله تعالى :
( و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس )
قال البخاري : " هم الطائفة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فذكر الحديث ) "
و قد يستغرب بعض الناس تفسير هؤلاء الأئمة للطائفة الظاهرة و الفرقة الناجية بأنهم أهل الحديث
و لا غرابة في ذلك إذا تذكرنا ما يأتي :
أولا : أن أهل الحديث هم بحكم اختصاصهم في دراسة السنة
و ما يتعلق من معرفة تراجم الرواة و علل الحديث و طرقه
أعلم الناس قاطبة بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم
و هديه و أخلاقه و غزواته و ما يتصل به صلى الله عليه وسلم
ثانيا : أن الأمة قد انقسمت إلى فرق و مذاهب لم تكن في القرن الأول
و لكل مذهب أصوله و فروعه , و أحاديثه التي يستدل بها و يعتمد عليها
و أن المتمذهب بواحد منها يتعصب له و يتمسك بكل ما فيه
دون أن يلتفت إلى المذاهب الأخرى و ينظر لعله يجد فيها من الأحاديث ما لا يجده في مذهبه الذي قلده
فإن من الثابت لدى أهل العلم
أن في كل مذهب من السنة و الأحاديث ما لا يوجد في المذهب الآخر
فالمتمسك بالمذهب الواحد يضل و لابُدّ عن قسم عظيم من السنة المحفوظة لدى المذاهب الأخرى
و ليس على هذا أهل الحديث
فإنهم يأخذون بكل حديث صح إسناده ، في أي مذهب كان , و من أي طائفة كان راويه ما دام أنه مسلم ثقة
حتى لو كان شيعيا أو قدريا أو خارجيا فضلا عن أن يكون حنفيا أو مالكيا أو غير ذلك
و قد صرح بهذا الإمام الشافعي رضي الله عنه حين خاطب الإمام أحمد بقوله :
" أنتم أعلم بالحديث مني
فإذا جاءكم الحديث صحيحا فأخبرني به حتى أذهب إليه سواء كان حجازيا أم كوفيا أم مصريا "
فأهل الحديث
- حشرنا الله معهم –
لا يتعصبون لقول شخص معين مهما علا و سما حاشا محمد صلى الله عليه وسلم
بخلاف غيرهم ممن لا ينتمي إلى الحديث و العمل به
فإنهم يتعصبون لأقوال أئمتهم - و قد نهوهم عن ذلك –
كما يتعصب أهل الحديث لأقوال نبيهم ! !
فلا عجب بعد هذا البيان
أن يكون أهل الحديث . هم الطائفة الظاهرة و الفرقة الناجية
بل و الأمة الوسط , الشهداء على الخلق
و يعجبني بهذا الصدد
قول الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه " شرف أصحاب الحديث " انتصارا لهم و ردا على من خالفهم :
" و لو أن صاحب الرأي المذموم شغل بما ينفعه من العلوم
و طلب سنن رسول رب العالمين
و اقتفى آثار الفقهاء و المحدثين
لوجد في ذلك ما يغنيه عن سواه , و اكتفي بالأثر عن رأيه الذي يراه
لأن الحديث
يشتمل على معرفة أصول التوحيد و بيان ما جاء من وجوه الوعد و الوعيد
و صفات رب العالمين - تعالى عن مقالات الملحدين –
و الإخبار عن صفة الجنة و النار , و ما أعد الله فيها للمتقين و الفجار
و ما خلق الله في الأرضين و السماوات و صنوف العجائب و عظيم الآيات
و ذكر الملائكة المقربين , و نعت الصافين و المسبحين
و في الحديث
قصص الأنبياء و أخبار الزهاد و الأولياء و مواعظ البلغاء , و كلام الفقهاء
و سير ملوك العرب و العجم , و أقاصيص المتقدمين من الأمم
و شرح مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم , و سراياه
و جمل أحكامه و قضاياه , و خطبه و عظاته , و أعلامه و معجزاته
و عدة أزواجه و أولاده , و أصهاره و أصحابه
و ذكر فضائلهم و مآثرهم , و شرح أخبارهم و مناقبهم , و مبلغ أعمارهم , و بيان أنسابهم
و فيه
تفسير القرآن العظيم , و ما فيه من النبأ و الذكر الحكيم
و أقاويل الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم
و تسمية من ذهب إلى قول كل واحد منهم , من الأئمة الخالفين , و الفقهاء المجتهدين
و قد جعل الله أهله
أركان الشريعة , و هدم بهم كل بدعة شنيعة
فهم أمناء الله في خليقته
و الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم و أمته , و المجتهدون في حفظ ملته
أنوارهم زاهرة , و فضائلهم سائرة , و آياتهم باهرة , و مذاهبهم ظاهرة , و حججهم قاهرة
و كل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه , و تستحسن رأيا تعكف عليه
سوى أصحاب الحديث , فإن الكتاب عدتهم , و السنة حجتهم , و الرسول فئتهم , و إليه نسبتهم
لا يعرجون على الأهواء , و لا يلتفتون إلى الآراء
يقبل منهم ما رووا عن الرسول , و هم المأمونون عليه العدول
حفظة الدين و خزنته , و أوعية العلم و حملته
إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع , فما حكموا به فهو المقبول المسموع
منهم كل عالم فقيه , و إمام رفيع نبيه , و زاهد في قبيلة , و مخصوص بفضيلة
و قارىء متقن , و خطيب محسن
و هم الجمهور العظيم و سبيلهم السبيل المستقيم
و كل مبتدع باعتقادهم يتظاهر , و على الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر
من كادهم قصمهم الله , و من عاندهم خذله الله
لا يضرهم من خذلهم , و لا يفلح من اعتزلهم
المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير
و بصر الناظر بالسوء إليهم حسير
و إن الله على نصرهم لقدير "
ثم ساق الحديث من رواية قرة ، ثم روى بسنده عن علي بن المديني أنه قال :
" هم أهل الحديث و الذين يتعاهدون مذاهب الرسول , و يذبون عن العلم
لولاهم لم تجد عند المعتزلة و الرافضة و الجهمية و أهل الإرجاء و الرأي شيئا من السنن "
قال الخطيب :
" فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين ، و صرف عنهم كيد العاندين
لتمسكهم بالشرع المتين , و اقتفائهم آثار الصحابة و التابعين
فشأنهم حفظ الآثار , و قطع المفاوز و القفار , و ركوب البراري و البحار
في اقتباس ما شرع الرسول المصطفى , لا يعرجون عنه إلى رأي و لا هوى
قبلوا شريعته قولا و فعلا , و حرسوا سنته حفظا و نقلا
حتى ثبتوا بذلك أصلها , و كانوا أحق بها و أهلها
و كم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها ، و الله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها
فهم الحفاظ لأركانها , و القوامون بأمرها و شأنها , إذا صدف عن الدفاع عنها , فهم دونها يناضلون
أولئك حزب الله , ألا إن حزب الله هم المفلحون "
ثم ساق الخطيب رحمه الله تعالى الأبواب التي تدل على شرف أصحاب الحديث و فضلهم
لا بأس من ذكر بعضها , و إن طال المقال , لتتم الفائدة
لكني أقتصر على أهمها و أمسها بالموضوع :
1 - قوله صلى الله عليه وسلم : نضر الله امرءا سمع منا حديثا فبلغه
2 - وصية النبي صلى الله عليه وسلم بإكرام أصحاب الحديث
3 - قول النبي صلى الله عليه وسلم : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله
4 - كون أصحاب الحديث خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التبليغ عنه
5 - وصف الرسول صلى الله عليه وسلم إيمان أصحاب الحديث
6 - كون أصحاب الحديث أولى الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم لدوام صلاتهم عليه
7 - بشارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بكون طلبة الحديث بعده و اتصال الإسناد بينهم و بينه
8 - البيان أن الأسانيد هي الطريق إلى معرفة أحكام الشريعة
9 - كون أصحاب الحديث أمناء الرسل صلى الله عليهم و سلم لحفظهم السنن و تبيينهم لها
10 - كون أصحاب الحديث حماة الدين بذبهم عن السنن
11 - كون أصحاب الحديث ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ما خلفه من السنة و أنواع الحكمة
12 - كونهم الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر
13 - كونهم خيار الناس
14 - من قال : إن الأبدال و الأولياء أصحاب الحديث
15 - من قال : لولا أهل الحديث لا ندرس الإسلام
16 - كون أصحاب الحديث أولى الناس بالنجاة في الآخرة , و أسبق الخلق إلى الجنة
17 - اجتماع صلاح الدنيا و الآخرة في سماع الحديث و كتبه
18 - ثبوت حجة صاحب الحديث
19 - الاستدلال على أهل السنة بحبهم أصحاب الحديث
20 - الاستدلال على المبتدعة ببغض الحديث و أهله
21 - من جمع بين مدح أصحاب الحديث و ذم أهل الرأي و الكلام الخبيث
22 - من قال : طلب الحديث من أفضل العبادات
23 - من قال : رواية الحديث أفضل من التسبيح
24 - من قال : التحديث أفضل من صلاة النافلة
25 - من تمنى رواية الحديث من الخلفاء و رأى أن المحدثين أفضل العلماء
هذه هي أهم أبواب الكتاب و فصوله
أسأل الله تعالى أن ييسر له من يقوم بطبعه من أنصار الحديث و أهله
حتى يسوغ لمثلي أن يحيل عليه من شاء التفصيل
في معرفة ما جاء في هذه الفصول الرائعة من الأحاديث و النقول عن الأئمة الفحول !
و أختم هذه الكلمة
بشهادة عظيمة لأهل الحديث من عالم من كبار علماء الحنفية في الهند
ألا و هو أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي ( 1264 - 1304 )
قال رحمه الله :
" و من نظر بنظر الإنصاف , و غاص في بحار الفقه و الأصول متجنبا الاعتساف
يعلم علما يقينيا أن أكثر المسائل الفرعية و الأصلية التي اختلف العلماء فيها
فمذهب المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم
و إني كلما أسير في شعب الاختلاف أجد قول المحدثين فيه قريبا من الإنصاف
فلله درهم , و عليه شكرهم ( كذا )
كيف لا وهم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم حقا , و نواب شرعه صدقا
حشرنا الله في زمرتهم , و أماتنا على حبهم و سيرتهم " ...
نظم الفرائد مما في سلسلتي الألباني من فوائد
لعبد اللطيف بن أبي ربيع
(2/303-310)
هم أهل الحديث
*********************
... ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة )
صحيح . الصحيحة برقم : 270
قال يزيد بن هارون :
إن لم يكونوا أصحاب الحديث ؛ فلا أدري من هم ؟
قال محدث عصره فضيلة الشيخ الألباني – رحمه الله - :
بيد أن هذه الزيادة
معروفة و ثابتة عن جماعة من أهل الحديث من طبقة يزيد ابن هارون و غيرها , و هم :
1 - عبد الله بن المبارك ( 118 - 181 ) , فروى الخطيب بسنده عن سعيد ابن يعقوب الطالقاني أو غيره قال :
" ذكر ابن المبارك حديث النبي صلى الله عليه وسلم : لا تزال طائفة ...
قال ابن المبارك : هم عندي أصحاب الحديث "
2 - علي بن المديني ( 161 - 234 ) , و روى الخطيب أيضا من طريق الترمذي و هذا في " سننه " ( 2 / 30 )
و قد ساق الحديث من رواية المزني المتقدمة ( رقم 5 ) ثم قال :
" قال محمد بن إسماعيل ( هو البخاري ) قال علي بن المديني : هم أصحاب الحديث "
3 - أحمد بن حنبل ( 164 - 241 ) , روى الحاكم في " معرفة علوم الحديث " ( ص 2 ) و الخطيب بإسنادين
صحح أحدهما الحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد أنه سئل عن معنى هذا الحديث فقال :
" إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث , فلا أدري من هم "
و روى الخطيب ( 33 / 3 ) مثل هذا في تفسير الفرقة الناجية
4 - أحمد بن سنان الثقة الحافظ ( ... - 259 ) روى الخطيب عن أبي حاتم قال :
سمعت أحمد بن سنان و ذكر حديث " لا تزال طائفة من أمتي على الحق "
فقال : هم أهل العلم و أصحاب الآثار
5 - البخاري محمد بن إسماعيل ( 194 - 256 )
روى الخطيب عن إسحاق بن أحمد قال : ثنا محمد بن إسماعيل البخاري
و ذكر حديث موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم :
" لا تزال طائفة من أمتي " , فقال البخاري : يعني أصحاب الحديث
و قال في " صحيحه " و قد علق الحديث و جعله بابا : " و هم أهل العلم "
و لا منافاة بينه و بين ما قبله كما هو ظاهر
لأن أهل العلم هم أهل الحديث
و كلما كان المرء أعلم بالحديث كان أعلم في العلم ممن هو دونه في الحديث كما لا يخفى
و قال في كتابه " خلق أفعال العباد " ( ص 77 - طبع الهند )
و قد ذكر بسنده حديث أبي سعيد الخدري في قوله تعالى :
( و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس )
قال البخاري : " هم الطائفة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فذكر الحديث ) "
و قد يستغرب بعض الناس تفسير هؤلاء الأئمة للطائفة الظاهرة و الفرقة الناجية بأنهم أهل الحديث
و لا غرابة في ذلك إذا تذكرنا ما يأتي :
أولا : أن أهل الحديث هم بحكم اختصاصهم في دراسة السنة
و ما يتعلق من معرفة تراجم الرواة و علل الحديث و طرقه
أعلم الناس قاطبة بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم
و هديه و أخلاقه و غزواته و ما يتصل به صلى الله عليه وسلم
ثانيا : أن الأمة قد انقسمت إلى فرق و مذاهب لم تكن في القرن الأول
و لكل مذهب أصوله و فروعه , و أحاديثه التي يستدل بها و يعتمد عليها
و أن المتمذهب بواحد منها يتعصب له و يتمسك بكل ما فيه
دون أن يلتفت إلى المذاهب الأخرى و ينظر لعله يجد فيها من الأحاديث ما لا يجده في مذهبه الذي قلده
فإن من الثابت لدى أهل العلم
أن في كل مذهب من السنة و الأحاديث ما لا يوجد في المذهب الآخر
فالمتمسك بالمذهب الواحد يضل و لابُدّ عن قسم عظيم من السنة المحفوظة لدى المذاهب الأخرى
و ليس على هذا أهل الحديث
فإنهم يأخذون بكل حديث صح إسناده ، في أي مذهب كان , و من أي طائفة كان راويه ما دام أنه مسلم ثقة
حتى لو كان شيعيا أو قدريا أو خارجيا فضلا عن أن يكون حنفيا أو مالكيا أو غير ذلك
و قد صرح بهذا الإمام الشافعي رضي الله عنه حين خاطب الإمام أحمد بقوله :
" أنتم أعلم بالحديث مني
فإذا جاءكم الحديث صحيحا فأخبرني به حتى أذهب إليه سواء كان حجازيا أم كوفيا أم مصريا "
فأهل الحديث
- حشرنا الله معهم –
لا يتعصبون لقول شخص معين مهما علا و سما حاشا محمد صلى الله عليه وسلم
بخلاف غيرهم ممن لا ينتمي إلى الحديث و العمل به
فإنهم يتعصبون لأقوال أئمتهم - و قد نهوهم عن ذلك –
كما يتعصب أهل الحديث لأقوال نبيهم ! !
فلا عجب بعد هذا البيان
أن يكون أهل الحديث . هم الطائفة الظاهرة و الفرقة الناجية
بل و الأمة الوسط , الشهداء على الخلق
و يعجبني بهذا الصدد
قول الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه " شرف أصحاب الحديث " انتصارا لهم و ردا على من خالفهم :
" و لو أن صاحب الرأي المذموم شغل بما ينفعه من العلوم
و طلب سنن رسول رب العالمين
و اقتفى آثار الفقهاء و المحدثين
لوجد في ذلك ما يغنيه عن سواه , و اكتفي بالأثر عن رأيه الذي يراه
لأن الحديث
يشتمل على معرفة أصول التوحيد و بيان ما جاء من وجوه الوعد و الوعيد
و صفات رب العالمين - تعالى عن مقالات الملحدين –
و الإخبار عن صفة الجنة و النار , و ما أعد الله فيها للمتقين و الفجار
و ما خلق الله في الأرضين و السماوات و صنوف العجائب و عظيم الآيات
و ذكر الملائكة المقربين , و نعت الصافين و المسبحين
و في الحديث
قصص الأنبياء و أخبار الزهاد و الأولياء و مواعظ البلغاء , و كلام الفقهاء
و سير ملوك العرب و العجم , و أقاصيص المتقدمين من الأمم
و شرح مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم , و سراياه
و جمل أحكامه و قضاياه , و خطبه و عظاته , و أعلامه و معجزاته
و عدة أزواجه و أولاده , و أصهاره و أصحابه
و ذكر فضائلهم و مآثرهم , و شرح أخبارهم و مناقبهم , و مبلغ أعمارهم , و بيان أنسابهم
و فيه
تفسير القرآن العظيم , و ما فيه من النبأ و الذكر الحكيم
و أقاويل الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم
و تسمية من ذهب إلى قول كل واحد منهم , من الأئمة الخالفين , و الفقهاء المجتهدين
و قد جعل الله أهله
أركان الشريعة , و هدم بهم كل بدعة شنيعة
فهم أمناء الله في خليقته
و الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم و أمته , و المجتهدون في حفظ ملته
أنوارهم زاهرة , و فضائلهم سائرة , و آياتهم باهرة , و مذاهبهم ظاهرة , و حججهم قاهرة
و كل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه , و تستحسن رأيا تعكف عليه
سوى أصحاب الحديث , فإن الكتاب عدتهم , و السنة حجتهم , و الرسول فئتهم , و إليه نسبتهم
لا يعرجون على الأهواء , و لا يلتفتون إلى الآراء
يقبل منهم ما رووا عن الرسول , و هم المأمونون عليه العدول
حفظة الدين و خزنته , و أوعية العلم و حملته
إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع , فما حكموا به فهو المقبول المسموع
منهم كل عالم فقيه , و إمام رفيع نبيه , و زاهد في قبيلة , و مخصوص بفضيلة
و قارىء متقن , و خطيب محسن
و هم الجمهور العظيم و سبيلهم السبيل المستقيم
و كل مبتدع باعتقادهم يتظاهر , و على الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر
من كادهم قصمهم الله , و من عاندهم خذله الله
لا يضرهم من خذلهم , و لا يفلح من اعتزلهم
المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير
و بصر الناظر بالسوء إليهم حسير
و إن الله على نصرهم لقدير "
ثم ساق الحديث من رواية قرة ، ثم روى بسنده عن علي بن المديني أنه قال :
" هم أهل الحديث و الذين يتعاهدون مذاهب الرسول , و يذبون عن العلم
لولاهم لم تجد عند المعتزلة و الرافضة و الجهمية و أهل الإرجاء و الرأي شيئا من السنن "
قال الخطيب :
" فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين ، و صرف عنهم كيد العاندين
لتمسكهم بالشرع المتين , و اقتفائهم آثار الصحابة و التابعين
فشأنهم حفظ الآثار , و قطع المفاوز و القفار , و ركوب البراري و البحار
في اقتباس ما شرع الرسول المصطفى , لا يعرجون عنه إلى رأي و لا هوى
قبلوا شريعته قولا و فعلا , و حرسوا سنته حفظا و نقلا
حتى ثبتوا بذلك أصلها , و كانوا أحق بها و أهلها
و كم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها ، و الله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها
فهم الحفاظ لأركانها , و القوامون بأمرها و شأنها , إذا صدف عن الدفاع عنها , فهم دونها يناضلون
أولئك حزب الله , ألا إن حزب الله هم المفلحون "
ثم ساق الخطيب رحمه الله تعالى الأبواب التي تدل على شرف أصحاب الحديث و فضلهم
لا بأس من ذكر بعضها , و إن طال المقال , لتتم الفائدة
لكني أقتصر على أهمها و أمسها بالموضوع :
1 - قوله صلى الله عليه وسلم : نضر الله امرءا سمع منا حديثا فبلغه
2 - وصية النبي صلى الله عليه وسلم بإكرام أصحاب الحديث
3 - قول النبي صلى الله عليه وسلم : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله
4 - كون أصحاب الحديث خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التبليغ عنه
5 - وصف الرسول صلى الله عليه وسلم إيمان أصحاب الحديث
6 - كون أصحاب الحديث أولى الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم لدوام صلاتهم عليه
7 - بشارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بكون طلبة الحديث بعده و اتصال الإسناد بينهم و بينه
8 - البيان أن الأسانيد هي الطريق إلى معرفة أحكام الشريعة
9 - كون أصحاب الحديث أمناء الرسل صلى الله عليهم و سلم لحفظهم السنن و تبيينهم لها
10 - كون أصحاب الحديث حماة الدين بذبهم عن السنن
11 - كون أصحاب الحديث ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ما خلفه من السنة و أنواع الحكمة
12 - كونهم الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر
13 - كونهم خيار الناس
14 - من قال : إن الأبدال و الأولياء أصحاب الحديث
15 - من قال : لولا أهل الحديث لا ندرس الإسلام
16 - كون أصحاب الحديث أولى الناس بالنجاة في الآخرة , و أسبق الخلق إلى الجنة
17 - اجتماع صلاح الدنيا و الآخرة في سماع الحديث و كتبه
18 - ثبوت حجة صاحب الحديث
19 - الاستدلال على أهل السنة بحبهم أصحاب الحديث
20 - الاستدلال على المبتدعة ببغض الحديث و أهله
21 - من جمع بين مدح أصحاب الحديث و ذم أهل الرأي و الكلام الخبيث
22 - من قال : طلب الحديث من أفضل العبادات
23 - من قال : رواية الحديث أفضل من التسبيح
24 - من قال : التحديث أفضل من صلاة النافلة
25 - من تمنى رواية الحديث من الخلفاء و رأى أن المحدثين أفضل العلماء
هذه هي أهم أبواب الكتاب و فصوله
أسأل الله تعالى أن ييسر له من يقوم بطبعه من أنصار الحديث و أهله
حتى يسوغ لمثلي أن يحيل عليه من شاء التفصيل
في معرفة ما جاء في هذه الفصول الرائعة من الأحاديث و النقول عن الأئمة الفحول !
و أختم هذه الكلمة
بشهادة عظيمة لأهل الحديث من عالم من كبار علماء الحنفية في الهند
ألا و هو أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي ( 1264 - 1304 )
قال رحمه الله :
" و من نظر بنظر الإنصاف , و غاص في بحار الفقه و الأصول متجنبا الاعتساف
يعلم علما يقينيا أن أكثر المسائل الفرعية و الأصلية التي اختلف العلماء فيها
فمذهب المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم
و إني كلما أسير في شعب الاختلاف أجد قول المحدثين فيه قريبا من الإنصاف
فلله درهم , و عليه شكرهم ( كذا )
كيف لا وهم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم حقا , و نواب شرعه صدقا
حشرنا الله في زمرتهم , و أماتنا على حبهم و سيرتهم " ...
نظم الفرائد مما في سلسلتي الألباني من فوائد
لعبد اللطيف بن أبي ربيع
(2/303-310)