المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " هل يصح حديث من عشق و كتم و عف فمات فهو شهيد " ..



خادم السنة
26-05-2007, 06:15 AM
" من عشق و كتم و عف فمات فهو شهيد " .

قال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 / 587 ) :
موضوع .
رواه ابن حبان في " المجروحين " ( 1 / 349 ) و الخطيب في " تاريخه " ( 5 / 156 , 262 , 6 / 50 - 51 , 71 / 298 , 13 /0 184 ) و الثعالبي في " حديثه ( 129 / 1 ) و أبو بكر الكلاباذي في " مفتاح المعاني " ( 281 / 2 ) و السلفي في " الطيوريات " ( 24 / 2 ) و ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ( 12 / 263 / 2 ) و ابن الجوزي في " مشيخته " : الشيخ الثامن و السبعون من طرق عن سويد بن سعيد الحدثاني حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن # ابن عباس # مرفوعا .
قلت : و هذا سند ضعيف و له علتان :
الأولى : ضعف أبي يحيى القتات و اسمه زاذان و قيل غير ذلك , قال الحافظ في " التقريب " : لين الحديث .
الأخرى : ضعف سويد بن سعيد , قال الحافظ : صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه , و أفحش فيه ابن معين القول .
قلت : و قد تكلم فيه ابن معين من أجل هذا الحديث كما يأتي , و اتفق الأئمة المتقدمون على تضعيف هذا الحديث , فقال ابن الملقن في " الخلاصة " ( 54 / 2 ) : و أعله الأئمة , قال ابن عدي و الحاكم و البيهقي و ابن طاهر و غيرهم هو أحد ما أنكر على سويد بن سعيد قال يحيى بن معين : لو كان لي فرس و رمح لكنت أغزوه .
و لهذا قال الحافظ ابن حجر في " بذل الماعون " ( 45 / 2 ) :و في سنده مقال , و ذهب بعض المتأخرين إلى تقوية الحديث بمجيئه من طريق آخر , فقال الزركشي في " اللآليء المنثورة في الأحاديث المشهورة " ( رقم 166 ـ نسختي ) : و هذا الحديث أنكره يحيى بن معين و غيره على سويد بن سعيد , لكن لم يتفرد
به , فقد رواه الزبير بن بكار فقال : حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره , و هو إسناد صحيح .
قال الحافظ السخاوي في " المقاصد الحسنة " : ( 420 ـ طبع الخانجي ) بعد أن ساق هذه الطريق : و ينظر هل هذه هي الطريق التي أورده الخرائطي منها , فإن تكن هي فقد قال العراقي : في سندها نظر , و من طريق الزبير أخرجه الديلمي في مسنده ,و لكن وقع عنده عن عبد الله بن عبد الملك بن الماجشون لا كما هنا .
قلت : أما طريق الخرائطي فلم يسقها السخاوي , و قد أوردها العلامة المحقق ابن القيم و تكلم عليها فقال في كتاب " الداء و الدواء " ( ص 353 - 354 ) :
أما حديث ابن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا , فكذب على ابن الماجشون , فإنه لم يحدث بهذا , و لا حدث به عنه الزبير ابن بكار , و إنما هذا من تركيب بعض الوضاعين , و يا سبحان الله كيف يحتمل هذا الإسناد مثل هذا المتن فقبح الله الوضاعين .
و قد ذكره أبو الفرج بن الجوزي من حديث محمد بن جعفر بن سهل : حدثنا يعقوب بن عيسى من ولد عبد الرحمن بن عوف عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرفوعا , و هذا غلط قبيح فإن محمد بن جعفر هذا هو الخرائطي , و وفاته سنة سبع و عشرين و ثلاث مئة , فمحال أن يدرك شيخه يعقوب , ابن أبي نجيح و لا سيما و قد رواه في كتابه " الاعتلال " عن يعقوب هذا عن الزبير عن عبد الملك عن عبد العزيز عن ابن أبي نجيح , و الخرائطي هذا مشهور بالضعف في الرواية , ذكره أبو الفرج في كتاب " الضعفاء
" .
قلت : أما الخرائطي فلا أعرف أحدا من المتقدمين رماه بشيء من الضعف و لهذا لم يورده الذهبي في " ميزان الاعتدال " , و لا استدركه عليه الحافظ ابن حجر في " لسان الميزان " , و قد ترجمه الخطيب في تاريخه ( 2 / 139 - 140 ) ثم السمعاني في " الأنساب " ثم ابن الأثير في " اللباب " فلم يجرحه أحد منهم , بل ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ( 15 / 93 / 1 - 2 ) و روى عن أبي نصر ابن ماكولا
أنه قال فيه : كان من الأعيان الثقات .
فأنا في شك كبير من صحة ما ذكره أبو الفرج من ضعف الخرائطي , بل هو ثقة حجة . والله أعلم .
ثم طبع كتاب " الضعفاء " لابن الجوزي فلم أجد فيه محمد بن جعفر الخرائطي و إنما ذكر آخرين ( 3 / 46 ـ 47 ) ليسا من طبقة الخرائطي و هما من رجال ابن أبي حاتم ( 3 / 2 / 222 / 1224 و 1226 ) فتبين أن الوهم من ابن القيم و الله أعلم . فلعل علة هذا الإسناد من يعقوب بن عيسى شيخ الخرائطي , فإنى لم أجد له ترجمة , و من طبقته يعقوب بن عيسى بن ماهان أبو يوسف المؤدب ترجمه الخطيب ( 14 / 271 - 272 )
و لم يذكر فيه جرحا و لا تعديلا , و لكنه لم يذكر أنه من ولد عبد الرحمن بن عوف , و الله أعلم , و هو من شيوخ أحمد في المسند قال الحافظ في " التعجيل " قال أبو زرعة ابن شيخنا لا أعرفه , و ذكره ابن حبان في " الثقات " ( 9 / 286 ) لكن وقع فيه يعقوب بن يوسف بن ماهان ثم وجدت الحافظ ابن حجر قد تكلم على الحديث في " التلخيص الحبير " ( 5 / 273 )
و أعله من الطريق الأولى بنحو ما نقلناه عن " الخلاصة " و أعل الطريق الثانية من رواية يعقوب عن ابن أبي نجيح بأن يعقوب ضعفه أحمد بن حنبل , ثم قال : و رواه الخطيب من طريق الزبير بن بكار , و هذه الطريق غلط فيها بعض الرواة فأدخل إسنادا في إسناد , و خلاصة القول : إن هذا الطريق ضعيف أيضا لضعف يعقوب هذا و اضطرابه في روايته فمرة يقول : عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرفوعا , فيرسله
و لا يذكر الواسطة بينه و بين ابن أبي نجيح , و مرة يقول عن الزبير عن عبد الملك عن عبد العزيز عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس فيسنده و يوصله .
قال ابن القيم : و كلام حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان و إليهم يرجع في هذا الشأن , و لم يصححه و لم يحسنه أحد يعول في علم الحديث عليه , و يرجع في التصحيح إليه , و لا من عادته التسامح و التساهل , فإنه لم يصف نفسه له , و يكفي أن ابن طاهر الذي يتساهل في أحاديث التصوف و يروي منها الغث و السمين قد أنكره و شهد ببطلانه .
نعم ابن عباس لا ينكر ذلك عنه , و قد ذكر أبو محمد بن حزم عنه أنه سئل عن الميت عشقا فقال : قتيل الهوي لا عقل له و لا قدر , و رفع إليه بعرفات شاب قد صار كالفرخ فقال : ما شأنه ? قالوا : العشق , فجعل عامة يومه يستعيذ من العشق .
فهذا نفس ما روى عنه في ذلك .
و مما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عد الشهداء في الصحيح , فذكر المقتول في الجهاد و الحرق و الغرق , و المبطون , و النفساء يقتلها ولدها , وصاحب ذات الجنب , و لم يذكر منهم من يقتله العشق , و حسب قتيل العشق أن يصح له هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما على أنه لا يدخل الجنة حتى يصبر لله , ويعف لله و يكتم لله , لكن العاشق إذا صبر و عف و كتم مع قدرته على معشوقه و آثر
محبته لله و خوفه و رضاه فهو من أحق من دخل تحت قوله تعالى *( و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى , فإن الجنة هي المأوى )* و تحت قوله تعالى *( ولمن خاف مقام ربه جنتان )* .
و الحديث أورده السيوطي في " الجامع الصغير " من رواية الخطيب عن عائشة و عن ابن عباس , و هذا يوهم أن له طريقين أحدهما عن عائشة و الآخر عن ابن عباس , و الحقيقة أنه طريق واحد , وهم في سنده بعض الضعفاء فصيره من مسند عائشة ,و إنما هو من مسند ابن عباس كما تقدم , فقد أخرجه الخطيب في " تاريخه " ( 12 / 479 ) من طريق أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي : حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا به , و قال : رواه غير واحد عن سويد عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس و هو المحفوظ , و كذا قال في " المؤتلف " أيضا كما في " اللسان " و أشار إلى أن الخطأ في هذا الإسناد من الطوسي هذا , قال الدارقطني : ليس بالقوي , يأتي بالمعضلات .
قلت : فهذا الإسناد منكر لمخالفة الطوسي لرواية الثقات الذين أسندوه عن سويد بسنده عن ابن عباس , فلا يجوز الاستكثار بهذا الإسناد و التقوي به لظهور خطئه و رجوعه في الحقيقة إلى الإسناد الأول , و قد قال ابن القيم في " الداء والدواء " ( ص 353 ) بعد أن ساق رواية الخطيب هذه : فهذا من أبين الخطأ , و لا يحمل هشام عن أبيه عن عائشة مثل هذا عند من شم أدنى رائحة الحديث , و نحن نشهد بالله أن عائشة ما حدثت بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قط , و لا حدث به عروة عنها و لا حدث به هشام قط .
و خلاصة القول أن الحديث ضعيف الإسناد من الطريقين , و قد أنكره العلامة ابن القيم من حيث معناه أيضا و حكم بوضعه كما رأيت , و قد أوضح ذلك في كتابه " زاد المعاد " أحسن توضيح فقال ( 3 / 306 - 307 ) : و لا تغتر بالحديث الموضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم ساقه من الطريقين ثم قال , فإن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و لا يجوز أن يكون من كلامه , فإن الشهادة درجة عالية عند الله مقرونة بدرجة الصديقية و لها أعمال و أحوال هي شروط في حصولها و هي نوعان عامة و خاصة , فالخاصة الشهادة في سبيل الله و العامة خمس مذكورة في الصحيح ليس العشق واحدا
منها ,و كيف يكون العشق الذي هو شرك المحبة و فراغ عن الله و تمليك القلب و الروح و الحب لغيره تنال به درجة الشهادة ! ? هذا من المحال , فإن إفساد عشق الصور للقلب فوق كل إفساد بل هو خمر الروح الذي يسكرها و يصدها عن ذكر الله و حبه ,و التلذذ بمناجاته و الأنس به , و يوجب عبودية القلب لغيره , فإن قلب العاشق متعبد لمعشوقه بل العشق لب العبودية , فإنها كمال الذل و الحب و الخضوع
و التعظيم فكيف يكون تعبد القلب لغير الله مما تنال به درجة أفاضل الموحدين و ساداتهم و خواص الأولياء ! ? فلو كان إسناد هذا الحديث كالشمس كان غلطا و وهما , و لا يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ العشق من حديث صحيح البتة , ثم إن العشق منه حلال و منه حرام , فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه يحكم على كل عاشق يكتم و يعف بأنه شهيد ! ? أفترى من يعشق امرأة غيره أو يعشق المردان و البغايا ينال بعشقه درجة الشهداء ! ? و هل هذا إلا خلاف المعلوم من دينه صلى الله عليه وسلم ? كيف و العشق مرض من الأمراض التي جعل الله سبحانه لها من الأدوية شرعا و قدرا , و التداوي منه إما واجب إن كان عشقا حراما ,و إما مستحب , و أنت إذا تأملت الأمراض و الآفات التي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابها بالشهادة وجدتها من الأمراض التي لا علاج لها , كالمطعون
و المبطون و المجنون و الحرق و الغرق , و منها المرأة يقتلها ولدها في بطنها ,فإن هذه بلايا من الله لا صنع للعبد فيها و لا علاج لها , و ليست أسبابها محرمة و لا يترتب عليها من فساد القلب و تعبده لغير الله ما يترتب على العشق , فإن لم يكف هذا في إبطال نسبة هذا الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقلد أئمة الحديث العالمين به و بعلله فإنه لا يحفظ عن إمام واحد منهم قط أنه شهد له بصحة , بل و لا بحسن , كيف و قد أنكروا على سويد هذا الحديث و رموه لأجله بالعظائم و استحل بعضهم غزوه لأجله .
و خلاصة الكلام أن الحديث ضعيف الإسناد موضوع المتن كما جزم بذلك العلامة ابن القيم في المصدرين السابقين و كذا في رسالة " المنار " له أيضا ( ص 63 ) و مثله في " روضة المحبين " و الله أعلم .

أبوصهيب السلفى
27-05-2007, 01:23 PM
بارك الله فيك يا أخي