مشرفة
04-06-2007, 04:10 PM
قال الأستاذ الدكتور فضيلة الشيخ علي الفقيهي حفظه الله :
... فقد اطلعت على كتابه بعنوان " الحق الدامغ " ... وعلى غلافه اسم مؤلفه :
أحمد بن حمد الخليلي ...
وبعد قراءته وجدته خصّصه لثلاث مسائل عقدية خالف فيها أهل السنة والجماعة
وسلك فيها مسلك الجهمية والمعتزلة والزيدية والإمامية الرافضة من الشيعة
كما صرّح بذلك في ص : 32 من الكتاب المذكور
وهذه المسائل الثلاث هي :
1- إنكاره رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في الدار الآخرة
2- قوله : إن القرآن مخلوق
3- اعتقاده تخليد الفساق في النار
... وأقول للقارئ الكريم : إنك ستجد في المناقشة ...
أن المؤلف الخليلي الإباضي لم يلتزم من كلامه هذا ولا بحرف واحد من كتاب الله عزّ وجل
أو حديث واحد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
بل قال في كل ذلك بقول الجهمية والمعتزلة
ورد النصوص من صحيح البخاري ومسلم عن رسول الله ...
وقال : إن الأخذ بظاهرها يرده العقل ويكذبه البرهان ...
والمؤلف إذا عاد للحق فسينال مثل أجر من تبعه ...
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً
ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ) ...
ــــــــــــــــ
الرد على إنكار الخليلي
رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في الدار الآخرة
" وهي القضية الأولى "
... قال :
( وذهب إلى استحالتها – أي الرؤية في الدنيا والآخرة –
أصحابنا الإباضية وهو قول المعتزلة ، والجهمية ، والزيدية والإمامية من الشيعة )
وأقول : إن عدم وقوعها في الدنيا هو ما يقوله أهل السنة والجماعة
وإن الرؤية البصرية لم تثبت لأحد في الدنيا ، لا لأنها مستحيلة ، وإنما لحكمة أرادها الله تعالى
ومنها ضعف طاقة الإنسان في هذه الدنيا ولو كان بشراً رسولا
بدليل أنه تعالى تجلّى للجبل وهو أقوى بنية من موسى عليه السلام
فصار دكاً وخر موسى صعقاً مما صار إليه الجبل
وموسى أفضل من الجبل ، فالجبل جماد ، وقد تجلّى له ربه .
أما يوم القيامة ، فإن الله عزّوجل يجعل في هذه الأجسام الضعيفة في الدنيا قوة
- بإذنه تعالى – تمكنهم من النظر لوجهه الكريم
لوعده لهم بذلك والله لا يخلف الميعاد
وهذا هو التغير الذي يحدث لصفات المخلوق ...
أما صفات الخالق سبحانه وتعالى ، فلا تتغير ولا تتبدل كما يتوهمه المؤلف ...
ومن أجل ذلك الوهم ينفي الرؤية الثابتة بالنصوص من الكتاب والسنة ...
ــــــــــــــ
ثم إن المؤلف ...
ادعى أن إنكار الرؤية الذي تقوله وتعتقده الإباضية ...
هو الثابت عن سلف هذه الأمة ...
والجواب : ...
إن ما نسبه المؤلف الخليلي للسلف من أن مذهبهم هو مذهبه ومذهب الجهمية ...
كذب عليهم وسنوضح ذلك بالرويات الثابتة عنهم
ثم إن ذكره لهم بهذا الأسلوب هو لتضليل القارئ ...
ثم إن الذين سرد أسماءهم ... من الصحابة ونسب إليهم نفي الرؤية البصرية في الآخرة
كذب عليهم ، وإنما نفوا الرؤية البصرية في الدنيا ...
ونفي الرؤية في الدنيا هو مذهب أهل السنة والجماعة
لا خلاف في ذلك بينهم والخلاف الذي حدث في زمن الصحابة انتهى
وقدكان منحصراً هل رأى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء والمعراج أو لا ؟
وأصبح مآل الخلاف أن النبي ... وهو أكمل الأمة وسيدهم
لم يرَ ربه بعيني البصر ، بل رآه بقلبه
وهنا سأورد قليلاً من الروايات
عن بعض من ذكر الخليلي أسماءهم من الصحابة الذين روى عنهم إثبات الرؤية ...
وما ذلك إلا ليعلم القراء المحبون للحق وأهله مدى افتراء الخليلي على الصحابة
وغيرهم من التابعين ... :
1- روى ابن جرير في تفسير قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار )
عن ابن عباس ، قال : لا يحيط بصرُ أحد بالمَلِك
وعن عطية العوفي في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة )
قال : هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، وبصره يحيط بهم
وقال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا عمي محمد بن الأشعث ، حدثنا ابن جبير قال :
حدثني : أبي جبير عن الحسن ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( إن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى في كل يوم جمعة في رمال الكافور )
2- حديث علي بن أبي طالب مرفوعاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
يرون أهل الجنة الرب تبارك وتعالى في كل جمعة ، وذكر ما يعطون
قال : ثم يقول الله تبارك وتعالى : اكشفوا حجاباً ، فيكشف حجاب ثم حجاب
ثم يتجلى لهم تبارك وتعالى عن وجهه فكأنهم لم يروا نعمة قبل ذلك
وهو قوله تبارك وتعالى : ولدينا مزيد
3- حديث عبد الله بن عمر ، رواه الترمذي بإسناده عن ثوير بن أبي فاختة عن ابن عمر قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة ... ) إلى قوله :
( وإن أفضلهم منزلة من ينظر في وجه الله تبارك وتعالى كل يوم مرتين )
ــــــــــــ
... أتبع ذلك بفصل ... بعنوان ( أدلة المثبتين )
قال : وهي تنقسم إلى قسمين : أدلة جوازها ، وأدلة وقوعها ...
فأما القسم الأول ، فمنه عقلي ، ومنه نقلي ، أما العقلي فيتلخص في قياس وجود الحق على وجود الخلق
وذلك أنهم قالوا : إن سائر الموجودات مشتركة في جواز الرؤية عليها
وبما أن الله موجود أيضاً فإن رؤيته ممكنه
ثم استمر في مناقشة هذه الدعوى
وإلزم القائلين بها بأن هناك موجودات وهي لا ترى كالروح والعقل
وقال : وكذلك الله موجود ولكن لا يُرى ...
والجواب على ذلك :
أن دعواه على أهل السنة والجماعة المثبتين لرؤية الله عزّ وجل يوم القيامة في دار النعيم
– وأعني بالمثبتين سلف هذه الأمة وأتباعهم –
أنهم يقيسون وجود الحق على الخلق كذب وافتراء ... لأن من قاس الخالق على المخلوق فقد كفر ...
وإنما هم يثبتون رؤية المؤمنين لربهم عزّ وجل بالنصوص الصريحة ...
ومما يدل على افترائه عليهم
أنه لم يذكر لقوله هذا مرجعاً واحداً
من كتب السلف أهل السنة والجماعة
وإنما ذكر مرجعاً لإمامة الإباضي السالمي ...
وكيف يأخذ حجته على دعواه من كتب أئمته الذين هو وإياهم على عقيدة واحدة ؟
وإليك ما يبين بطلان قوله من كتب أهل السنة الذين يلقبهم بالمشبة ...
أخرج الإمام ابن منده في كتاب التوحيد بإسناده عن أبي يوسف القاضي أنه قال :
( ... فقد أمرنا الله أن نوحده وليس التوحيد بالقياس ، لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل
فالله تعالى وتقدس لاشبه له ولا مثل له ، تبارك الله أحسن الخالقين )
ثم قال : ( ... فقد أمرك الله عزّ وجل بأن تكون تابعاً سامعاً مطيعاً
ولو يوسع على الأمة التماس التوحيد وابتغاء الإيمان برأيه وقياسه وهواه إذا لضلوا
ألم تسمع إلى قول الله عزّ وجل :
( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن )
وهو كلام طويل نفيس فيه رد على الملحدين في الربوبية وفي الأسماء والصفات
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في أول رسالة العقيدة الواسطية :
( ولا يقاس بخلقه سبحانه فإنه أعلم بنفسه وبغيرة ، وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً من خلقه )
ونحن نطالب المؤلف أن يسمي واحداً من أهل السنة والجماعة قال بقياس الله بخلقه
فكتبهم موجوده ، وأقوالهم محفوظة
وتلك أقوال بعضهم ذكرناها ليتبين للقارئ زيف دعوى المؤلف على أهل السنة والجماعة ...
ـــــــــــــ
... قال :
( والخلاصة : أن موسى عليه السلام ما سأل الله الرؤية طامعاً في حصولها
وإنما سألها ليكون سؤاله وسيلة من وسائل الإقناع الذي يحرص عليه
وأسلوباً من أساليب الدعوة التي يقوم بها ) ...
الرد على افتراء المؤلف على نبي الله موسى عليه السلام
وزعمه أن سؤاله رؤية الله فكرة يهودية ، ودحضها
فنقول : ...
فلما سمع موسى عليه السلام كلام ربه وهو في مقام التكريم ...
عند ذلك طمع موسى عليه السلام في المزيد من هذا الفضل
فسأل ربه بقوله : ( ربّ أرني أنظر إليك )
ولكن الله عزّ وجل لعلمه بحال خلقه وضعفهم كما قال تعالى :
( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ...
ولحكمته البالغة ، وأن مناط الإيمان في الدنيا الإيمان بالغيب
قضى في هذه الدنيا أن لا يراه أحد من البشر
لا لأن الرؤية له عزّ وجل مستحيلة كما يدعي الخليلي الإباضي وسلفه الجهمية
وإنما لضعف بُنية موسى عليه السلام
بدليل أنه تعالى في الوقت نفسه تجلّى لبعض مخلوقاته وهو الجبل الجماد الأعظم بُنيةً من موسى
فصار الجبل دكاً ، فلم يقوَ ولم يثبت لذلك التجلي
وموسى عليه السلام رأى تلك الآثار التي أحدثها تجلّي الله عزّ وجل للجبل ، فخرَّ مغشياً عليه ..
وهذا ما رواه ابن جرير في تفسيره الآية قال :
( كان سبب مسألة موسى ربه النظر إليه ... ثم ساق بإسناده عن الربيع في قوله :
( وقربناه نجياً ) قال : حدثني من لقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قرّبه الرّب حتى سمع صريف القلم فقال : عند ذلك من الشوق إليه :
( ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ) ...
يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى :
( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ) ...
قال ابن جريج ، قال ابن عباس في هذه الآية : ( ... جهرة ) قال : علانية
وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق ، عن أبي الحويرث عن ابن عباس
أنه قال في قول الله تعالى : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة )
أى علانية ، أى حتى نرى الله
وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس : هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه
قال : فسمعوا كلاماّ ، فقالوا : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة )
قال : فسمعوا صوتاً فصعقوا ، يقول : ماتوا
وقال السدي : ( فأخذتكم الصاعقة ) فماتوا
فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول : ربّ ، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم
( لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) ...
فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل
ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا ، رجل رجل ، ينظر بعضهم إلى بعض ، كيف يحيون ؟
قال : فذلك قوله تعالى : ( ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون )
ويقول البغوي في تفسيره قوله تعالى :
( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك
فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ... ) ...
يقول : ( وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء من اليهود
قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
إن كنت نبياً فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى موسى عليه السلام ؟!
فأنزل الله عليه : ( يسألك أهل الكتاب ... ) الآية
وكان هذا السؤال منهم سؤال تحكّم واقتراح ، لا سؤال انقياد
والله تعالى لا ينزل الآيات على اقتراح العباد
ثم قال الله : ( فقد سألو موسى أكبر من ذلك ) أي : أعظم من ذلك
يعني : السبعين الذين خرج بهم موسى عليه السلام إلى الجبل
( فقالوا أرنا الله جهرة ) أي ، عياناً
قال أبو عبيدة : معناه قالوا جهرة أرنا الله )
وهذا ظاهر وواضح لمن أنار الله بصيرته
أنه سؤال تعنت من السبعين الذين اختارهم موسى عليه السلام ...
وبهذا يتضح للقارئ الكريم ، أنه لا صلة بين سؤال موسى عليه السلام ربّه الرؤية
وبين تعنت بني إسرائيل في طلبهم من موسى أن يريهم الله جهرة كي يؤمنوا به ...
قلت : ... قال أبو العالية :
( لما رأى موسى ذلك وأفاق ، عرف أنه سأل أمراً لا ينبغي له فقال :
( سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين )
عَنَى أنّي أول من آمن بك أنه لن يراك أحد قبل يوم القيامة )
كما أن سؤال رؤية الله عزّ وجل في الآخرة والنظر إلى وجهه الكريم
كما قال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
( أنرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : نعم ... ) إلخ
ليس من جنس سؤال اليهود رؤية الله في الدنيا
فإن سؤال الصحابة مشروع ، وسؤال اليهود ممنوع
وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه ربه النظر إلى وجهه الكريم
كما روى الإمام أحمد وابن حبان والحاكم ، إنه كان يقول في دعائه :
( ... وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وكلمة الحق في الغضب والرضا
والقصد في الفقر والغنى ، ولذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك ... )
ونقول للخليلي : الإباضي :
هل الرسول طلب من الله ما يجوز له طلبه
أو اعتدى في دعائه ، كاعتداء اليهود لما طلبوا أن يروا الله جهرة ؟ ...
ــــــــــــــ
ثم قال :
( وقد شاع النظر بمعنى الانتظار
كقوله تعالى : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) ...
أن هذا التأويل هو الذي يتفق مع مافي خاتمة عبس وهو قوله سبحانه :
( وجوه يومئذ مسفرة . ضاحكة مستبشرة ... )
... فإن المنتظر للرحمة مستبشر بها والمستبشر منتظر لما استبشر به ...) إلخ
... وإليك دحض تلك الشبة ...
أولاً :
بيان معاني النظر
فانه له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعدّيه بنفسه وليس محصور في معنى الانتظار
وإليك تلك المعاني :
1- فإن عدّي بنفسه فمعناه : التوقف والانتظار
كقوله تعالى : ( انظرونا نقتبس من نوركم ) ...
2- وإن عدّي بفي فمعناه : التفكير والاعتبار
كقوله تعالى : ( أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض )
3- وإن عدّي ، بإلى فمعناه : المعاينة بالأبصار
كقوله تعالى : ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر )
قال أبو منصور الأزهري في كتابه تهذيب اللغة ...
( ومن قال : إن معنى قوله : ( إلى ربها ناظرة ) : بمعنى منتظرة فقد أخطأ
لأن العرب لا تقول : نظرت إلى الشيء بمعنى انتظرته
وإنما تقول : نظرت فلاناً ، أي انتظرته ومنه قول الحطيئة :
وقد نظرتكم أبناء صادرةٍ ** للورد طال بها حوزي وتنساسي
فإذا قلت نظرت إليه لم يكن إلا بالعين
وإذا قلت : نظرت في الأمر احتمل أن يكون تفكراً وتدبراً بالقلب ) ...
فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر ، كما في هذه الآية :
( وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ناظرة )
فهذا هو بيان معاني النظر عند علماء اللغة ، وعلماء الشريعة أهل السنة والجماعة ...
أما المؤلف الخليلي الإباضي فلم يذكر إلا المعنى الذي يريده ، وهو الانتظار
ـــــــــ
ثانياً :
دعوى الخليلي الإباضي أنه سلك هذا التأويل من أجل
أن لا تتعارض الآية مع أدلة نفي الرؤية القطعية
... ونحن نقول :
أين أدلة نفي الرؤية القطعية في الآخرة وفي عرصات القيامة وبعد دخول المؤمنين الجنة ؟
والرد عليه من وجهين :
الأول :
إنك أيها الإباضي ، لم تأت بدليل واحد
فلا آية محكمة من كتاب الله عزّ وجل
ولا رواية قائمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ولا سقيمة ...
وإنما الذي جئت به تلبيس وتدليس ، وذلك بإيرادك الأدلة الصريحة
على نفي رؤية النبي ...لربه ليلة الإسراء والمعراج
وهذه رؤية في الدنيا لا في الآخرة
وأهل السنة جميعاً ينفون الرؤية في الدنيا ...
الثاني :
الرد للنصوص من كتاب الله بالتأويل الباطل
بحيث تأخذ معنى واحداً من معانى اللغة ، وتحمل الآية عليه تبعاً لما تهوى وهذا صنيع فُتِنتَ به
وفتَنتَ به السذج من الناس الذين يُغرّون بزخرف القول وقلب الحقائق
ــــــــــــ
وأما قولك :
( إن هذا التأويل هو الذي يتفق مع مافي خاتمة ( سورة عبس ) ...
فالجواب على ذلك :
1- أن الفرق بين الانتظار والنظر ، لا خلاف فيه عند العقلاء
فإن الانتظار تنغيص ، والنظر إكرام من الله لعباده المؤمنين ...
2-إن آيات ( عبس ) فيها بيان لما يكرم الله عباده المؤمنين أصحاب السعادة
وما يجازي به أهل الشقاوة ...
تذكيراً لعباده ليأخذوا بأسباب السعادة ، ويجتنبوا أسباب الشقاوة
وبهذا يتضح أن آية عبس :
( وجوه يومئذ مسفرة ) ليست مُسفرةً ولا مرادفة لقوله تعالى في سورة القيامة :
( إلى ربها ناظرة ) كما يدعي الخليلي
لأن النظر غير الإسفار
فالنظر يكون بالعين ، والإسفار لون يظهر على الوجه
وقد جاء في آية القيامة : ( وجوه يومئذ ناضرة ) بالبياض والصفاء
( إلى ربها ناظرة ) قال : تنظر في وجه الله . رواه الطبري عن ابن عمر مرفوعاً ...
فالمؤمنين يجمع الله لهم بين نضرة الوجوه وإسفارها
ونظر العيون إلى وجهه الكريم
ـــــــــــــــ
... قول المؤلف ... :
( وقد أشكل على المثبتين للرؤية إسناد النظر في آية القيامة إلى الوجوه
قال : فترددوا بين القول :
بأن الرؤية بالبصر ، أو بالوجوه ، أو بالجسم كله ، أو بحاسة سادسة .. ) إلخ ما قال
والجواب على التهمة – ذات التشكيك فيما لا شك فيه – بما يأتي :
أولاً : إن أدلة الرؤية عند المثبتين لها ليست محصورة في هذه الآية وحدها
وإن كانت صريحة في ذلك
ولكن هناك أدلة من الكتاب ومن السنة بلغت حد التواتر سيأتي ذكرها
ثانياً : قوله : ( ... فهل تكون الرؤية بالوجه ؟ .. ) إلخ ما قال
فنقول : إن هذه مغالطة مضحكة لسخافتها ، وتضليل لمن قلَّ نصيبه من العلم
يحمل الخليلي وزرها ووزر من أضل واستغفل
لأن أحداً مهما بلغ من الغباوة لا يفهم هذا الفهم السقيم الذي أورده المؤلف
وإنما يفهم أن الوجوه تنظر بأعينها
فإذا قال القائل : رأيت المسجد الحرام ، فلا يفهم السامع من العرب والعجم
إلا أنه رآه بعيني رأسه التي يعتبر الوجه محلاً لها
وثالثاً : نقول للمؤلف : في أي كتاب وجدت هذا من كتب أهل السنة والجماعة المثبتين للرؤية ؟ ...
لأنك ذكرت هذه السخافة المضحكة ونسبتها للمثبتين للرؤية
ولم تذكر مرجعاً لذلك من كتبهم بل العجيب أن هذا هو قول المعتزلة ...
ــــــــــــــ
قال ...
( إنه يترتب على الأخذ بها :
تغير ذاته سبحانه من صورة إلى غيرها ، والتغيّر من سمات الحدوث
وكونه مرئياً لهذه الأمة مؤمنها ومنافقها في الدنيا رؤية جلية .. وإلا فبم عرفوا صورته ؟ ) .. إلخ ما قال
قلت :
وهذه هي قاعدة الجهمية والمعتزلة وأصلهما ، أخذ بها المؤلف الخليلي لرد النصوص ...
لأنهم لم يعرفوا من صفات ربهم إلا ما شاهدوه في المخلوق
فأرادوا التنزيه بزعمهم فوقعوا في التعطيل ...
ونقول : إن المؤمنين عرفوا ربهم بصفاته التي أخبرهم بها في كتابه
وأخبرهم بها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته
فآمنوا بها وصدقوا قائلها
فحينما يكرمهم ربهم بالنظر إليه يعرفونه بتلك الأوصاف ...
ومن شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة
أي أنه رسول الله ، لزمه بمقتضى هذه الشهادة تصديقه في كل ما أخبر به عن ربه عزّ وجل
سواء أدرك عقله ذلك أو لم يدركه ...
ـــــــــ
وانظر لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الراشد المشهود له بالجنة ، في قصة صلح الحديبية ...
... يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد ذلك :
اتهموا الرأي على الدين
فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي ، وما ألوت عن الحق
وفيه ( قال : فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيت ، حتى قال لي :
يا عمر تراني رضيت وتأبى )
يقول ابن حجر في شرح الحديث : ( وقول عمر : " فعملت لذلك أعمالاً " )
المراد به الأعمال الصالحة ليكفّر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداء
وقد ورد التصريح بمراده بقوله " أعمالاً " : ففي رواية ابن إسحاق وكان عمر يقول :
( ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ
مخافة كلامي الذي تكلمت به )
وعند الواقدي من حديث ابن عباس ، قال عمر :
( لقد أعتقت بسبب ذلك رقاباً وصمت دهراً ) ...
وأخرج أبو داود في الطهارة عن علي بن أبي طالب قوله :
( لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه ) ...
فالحق كل الحق في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ظهر للناس خلافه ..
ـــــــــــــــ
ثم قال :
( فمن الكتاب قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير )
قال : ووجه الاستدلال بالآية : أنه تعالى مدح نفسه بأن الأبصار لا تدركه ، وإدراكها الرؤية ... )
قلت : ... فإليك كلام المحققين في تفسير الآية ، في الأمور التالية :
1- في بيان أن النفي المحض ليس بكمال
فلا يمدح الله به ، خلافاً لما يراه الخليلي
2-وفي بيان الفرق بين الإدراك والرؤية ... من تفسير ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال :
( لا تدركه الأبصار ) لا تحيط به الأبصار
عن قتادة قال : هو أعظم من أن تدركه الأبصار
وقال عطية العوفي : ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته
وبصره يحيط بهم ، ذلك قوله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) ...
قال ابن القيم ... ( ... وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال أحسن تقرير وألطفه وقال لي :
أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله
إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله
فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها
فإن الله سبحانه وتعالى إنما ذكرها في سياق التمدح
ومعلوم أن المدح به إنما يكون بالأوصاف الثبوتية ، وأما العدم المحض فليس بكمال ، فلا يمدح
وإنما يمدح الرب تبارك وتعالى بالعدم إذا تضمن أمراً وجودياً
كمدحه بنفي السِّنة والنوم المتضمن كمال القيومية ... ) إلخ ما ذكره من أمثلة في هذا الباب
إلى أن قال :
( ... فلو كان المراد بقوله :
( لا تدركه الأبصار) أنه لا يرى بحال ، لم يكن في ذلك مدح ولا كمال
لمشاركة المعدوم له في ذلك
فإن العدم الصِّرف لا يرى ولا تدركه الأبصار
والرب جل جلاله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض
فإذاً المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به ...
فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه
فالرب تعالى يُرى ولا يُدرك ، كما يُعلم ولا يحاط به
وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية ...
ـــــــــ
يقول :
وأما من السنة فما يلي :
... ما رواه الإمامان البخاري ومسلم ... :
( ... وما بين القوم وبين أن ينظر إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن )
هذا الحديث أورده البخاري في كتاب التوحيد ...
كما أورد في هذا الباب إحدى عشر رواية كلها صريحة في الرؤية
وأورد بعد هذا الحديث مباشرة رواية عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله علي وسلم :
( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان
ولا حجاب يحجبه ) فهذه الرواية مصرحة برفع الحجاب ...
ولكن المؤلف كما ترى يترك الرواية الأخرى الموضحة والمبينة للرواية قبلها
بل والروايات الأخرى التي اطلع عليها واختار منها هذه الرواية ...
فيقول
في التعليق عليها :
( ووجه الاستدلال به صراحته في عدم رؤيتهم لله لحيلولة رداء الكبرياء بينهم وبين ذلك )
والجواب :
أن هذه الرواية مُفسَّرة وموضحة بما بعدها
وهي رواية عدي ابن حاتم وسبق ذكرها وهي قوله صلى الله عليه وسلم :
( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه )
فهذه الرواية المفسِّرة لتلك الرواية يتركها الخليلي لأنها ترد على تلبيسه وتمويهه ...
ـــــــــــــــ
ويواصل المؤلف الخليلي في تلبيساته ... فيقول ...
: (ما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال
عندما سئل عن رؤيته لربه : (نور أنّى أراه )
ثم قال : ووجه الاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وسلم استبعد فيه حصول الرؤية بقوله :
( أنّى أراه ) فإن أنى بمعنى كيف ، وهو شاهد على استحالة رؤيته تعالى
هكذا يقول الخليلي !
وهو حديث كما ترى لفظه الذي لم يورده بنصه
يتحدث عن الرؤية في الدنيا
هل حصلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا ؟ فبين أنها لم تحصل
ولكن نسوق لك لفظ الرواية من صحيح مسلم
ليظهر لك بما لا يدع مجالاً للشّك تمويه وتدليس الخليلي
فقد روى مسلم بإسناده عن أبي ذر رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم :
هل رأيت ربك عزّ وجل ؟ فقال : ( نور أنّى أراه )
وفي رواية لمسلم أيضاً بإسناده عن عبد الله بن شقيق قال : قلت لأبي ذر :
لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته . قال : وعن ماذا كنت تسأله ؟
قلت : كنت أسأله : هل رأى ربه عزّ وجل ، قال : فإني قد سألته
فقال : ( نور أنّى أراه )
فهذه الأحاديث صريحة في أن نفي الرؤية فيها في الدنيا
وهذا أمر متفق عليه بين أهل السنة والجماعة أن الرؤية لم تثبت لأحد في الدنيا
فما الحجة لك يا خليلي في هذه الأحاديث على نفي رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في
جنات النعيم التي أثبتتها الأحاديث الصريحة المتواترة ؟
ورسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في هذا الحديث :
( نور أنّى أراه ) ليلة الإسراء والمعراج
هو الذي قال للصحابة لما سألوه هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال :
( نعم سترون ربكم عياناً كما ترون القمر ليلة البدر
وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب ) ...
ولكن الهوى يعمي ويصم ...
ـــــــــــــــــ
انتقاء مسألة إنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة والرد عليها من كتاب
الرد القويم البالغ على كتاب الخليلى المُسمى بالحق الدامغ
أ . د . علي الفقيهي
باختصار
... فقد اطلعت على كتابه بعنوان " الحق الدامغ " ... وعلى غلافه اسم مؤلفه :
أحمد بن حمد الخليلي ...
وبعد قراءته وجدته خصّصه لثلاث مسائل عقدية خالف فيها أهل السنة والجماعة
وسلك فيها مسلك الجهمية والمعتزلة والزيدية والإمامية الرافضة من الشيعة
كما صرّح بذلك في ص : 32 من الكتاب المذكور
وهذه المسائل الثلاث هي :
1- إنكاره رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في الدار الآخرة
2- قوله : إن القرآن مخلوق
3- اعتقاده تخليد الفساق في النار
... وأقول للقارئ الكريم : إنك ستجد في المناقشة ...
أن المؤلف الخليلي الإباضي لم يلتزم من كلامه هذا ولا بحرف واحد من كتاب الله عزّ وجل
أو حديث واحد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
بل قال في كل ذلك بقول الجهمية والمعتزلة
ورد النصوص من صحيح البخاري ومسلم عن رسول الله ...
وقال : إن الأخذ بظاهرها يرده العقل ويكذبه البرهان ...
والمؤلف إذا عاد للحق فسينال مثل أجر من تبعه ...
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً
ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ) ...
ــــــــــــــــ
الرد على إنكار الخليلي
رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في الدار الآخرة
" وهي القضية الأولى "
... قال :
( وذهب إلى استحالتها – أي الرؤية في الدنيا والآخرة –
أصحابنا الإباضية وهو قول المعتزلة ، والجهمية ، والزيدية والإمامية من الشيعة )
وأقول : إن عدم وقوعها في الدنيا هو ما يقوله أهل السنة والجماعة
وإن الرؤية البصرية لم تثبت لأحد في الدنيا ، لا لأنها مستحيلة ، وإنما لحكمة أرادها الله تعالى
ومنها ضعف طاقة الإنسان في هذه الدنيا ولو كان بشراً رسولا
بدليل أنه تعالى تجلّى للجبل وهو أقوى بنية من موسى عليه السلام
فصار دكاً وخر موسى صعقاً مما صار إليه الجبل
وموسى أفضل من الجبل ، فالجبل جماد ، وقد تجلّى له ربه .
أما يوم القيامة ، فإن الله عزّوجل يجعل في هذه الأجسام الضعيفة في الدنيا قوة
- بإذنه تعالى – تمكنهم من النظر لوجهه الكريم
لوعده لهم بذلك والله لا يخلف الميعاد
وهذا هو التغير الذي يحدث لصفات المخلوق ...
أما صفات الخالق سبحانه وتعالى ، فلا تتغير ولا تتبدل كما يتوهمه المؤلف ...
ومن أجل ذلك الوهم ينفي الرؤية الثابتة بالنصوص من الكتاب والسنة ...
ــــــــــــــ
ثم إن المؤلف ...
ادعى أن إنكار الرؤية الذي تقوله وتعتقده الإباضية ...
هو الثابت عن سلف هذه الأمة ...
والجواب : ...
إن ما نسبه المؤلف الخليلي للسلف من أن مذهبهم هو مذهبه ومذهب الجهمية ...
كذب عليهم وسنوضح ذلك بالرويات الثابتة عنهم
ثم إن ذكره لهم بهذا الأسلوب هو لتضليل القارئ ...
ثم إن الذين سرد أسماءهم ... من الصحابة ونسب إليهم نفي الرؤية البصرية في الآخرة
كذب عليهم ، وإنما نفوا الرؤية البصرية في الدنيا ...
ونفي الرؤية في الدنيا هو مذهب أهل السنة والجماعة
لا خلاف في ذلك بينهم والخلاف الذي حدث في زمن الصحابة انتهى
وقدكان منحصراً هل رأى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء والمعراج أو لا ؟
وأصبح مآل الخلاف أن النبي ... وهو أكمل الأمة وسيدهم
لم يرَ ربه بعيني البصر ، بل رآه بقلبه
وهنا سأورد قليلاً من الروايات
عن بعض من ذكر الخليلي أسماءهم من الصحابة الذين روى عنهم إثبات الرؤية ...
وما ذلك إلا ليعلم القراء المحبون للحق وأهله مدى افتراء الخليلي على الصحابة
وغيرهم من التابعين ... :
1- روى ابن جرير في تفسير قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار )
عن ابن عباس ، قال : لا يحيط بصرُ أحد بالمَلِك
وعن عطية العوفي في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة )
قال : هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، وبصره يحيط بهم
وقال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا عمي محمد بن الأشعث ، حدثنا ابن جبير قال :
حدثني : أبي جبير عن الحسن ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( إن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى في كل يوم جمعة في رمال الكافور )
2- حديث علي بن أبي طالب مرفوعاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
يرون أهل الجنة الرب تبارك وتعالى في كل جمعة ، وذكر ما يعطون
قال : ثم يقول الله تبارك وتعالى : اكشفوا حجاباً ، فيكشف حجاب ثم حجاب
ثم يتجلى لهم تبارك وتعالى عن وجهه فكأنهم لم يروا نعمة قبل ذلك
وهو قوله تبارك وتعالى : ولدينا مزيد
3- حديث عبد الله بن عمر ، رواه الترمذي بإسناده عن ثوير بن أبي فاختة عن ابن عمر قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة ... ) إلى قوله :
( وإن أفضلهم منزلة من ينظر في وجه الله تبارك وتعالى كل يوم مرتين )
ــــــــــــ
... أتبع ذلك بفصل ... بعنوان ( أدلة المثبتين )
قال : وهي تنقسم إلى قسمين : أدلة جوازها ، وأدلة وقوعها ...
فأما القسم الأول ، فمنه عقلي ، ومنه نقلي ، أما العقلي فيتلخص في قياس وجود الحق على وجود الخلق
وذلك أنهم قالوا : إن سائر الموجودات مشتركة في جواز الرؤية عليها
وبما أن الله موجود أيضاً فإن رؤيته ممكنه
ثم استمر في مناقشة هذه الدعوى
وإلزم القائلين بها بأن هناك موجودات وهي لا ترى كالروح والعقل
وقال : وكذلك الله موجود ولكن لا يُرى ...
والجواب على ذلك :
أن دعواه على أهل السنة والجماعة المثبتين لرؤية الله عزّ وجل يوم القيامة في دار النعيم
– وأعني بالمثبتين سلف هذه الأمة وأتباعهم –
أنهم يقيسون وجود الحق على الخلق كذب وافتراء ... لأن من قاس الخالق على المخلوق فقد كفر ...
وإنما هم يثبتون رؤية المؤمنين لربهم عزّ وجل بالنصوص الصريحة ...
ومما يدل على افترائه عليهم
أنه لم يذكر لقوله هذا مرجعاً واحداً
من كتب السلف أهل السنة والجماعة
وإنما ذكر مرجعاً لإمامة الإباضي السالمي ...
وكيف يأخذ حجته على دعواه من كتب أئمته الذين هو وإياهم على عقيدة واحدة ؟
وإليك ما يبين بطلان قوله من كتب أهل السنة الذين يلقبهم بالمشبة ...
أخرج الإمام ابن منده في كتاب التوحيد بإسناده عن أبي يوسف القاضي أنه قال :
( ... فقد أمرنا الله أن نوحده وليس التوحيد بالقياس ، لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل
فالله تعالى وتقدس لاشبه له ولا مثل له ، تبارك الله أحسن الخالقين )
ثم قال : ( ... فقد أمرك الله عزّ وجل بأن تكون تابعاً سامعاً مطيعاً
ولو يوسع على الأمة التماس التوحيد وابتغاء الإيمان برأيه وقياسه وهواه إذا لضلوا
ألم تسمع إلى قول الله عزّ وجل :
( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن )
وهو كلام طويل نفيس فيه رد على الملحدين في الربوبية وفي الأسماء والصفات
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في أول رسالة العقيدة الواسطية :
( ولا يقاس بخلقه سبحانه فإنه أعلم بنفسه وبغيرة ، وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً من خلقه )
ونحن نطالب المؤلف أن يسمي واحداً من أهل السنة والجماعة قال بقياس الله بخلقه
فكتبهم موجوده ، وأقوالهم محفوظة
وتلك أقوال بعضهم ذكرناها ليتبين للقارئ زيف دعوى المؤلف على أهل السنة والجماعة ...
ـــــــــــــ
... قال :
( والخلاصة : أن موسى عليه السلام ما سأل الله الرؤية طامعاً في حصولها
وإنما سألها ليكون سؤاله وسيلة من وسائل الإقناع الذي يحرص عليه
وأسلوباً من أساليب الدعوة التي يقوم بها ) ...
الرد على افتراء المؤلف على نبي الله موسى عليه السلام
وزعمه أن سؤاله رؤية الله فكرة يهودية ، ودحضها
فنقول : ...
فلما سمع موسى عليه السلام كلام ربه وهو في مقام التكريم ...
عند ذلك طمع موسى عليه السلام في المزيد من هذا الفضل
فسأل ربه بقوله : ( ربّ أرني أنظر إليك )
ولكن الله عزّ وجل لعلمه بحال خلقه وضعفهم كما قال تعالى :
( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ...
ولحكمته البالغة ، وأن مناط الإيمان في الدنيا الإيمان بالغيب
قضى في هذه الدنيا أن لا يراه أحد من البشر
لا لأن الرؤية له عزّ وجل مستحيلة كما يدعي الخليلي الإباضي وسلفه الجهمية
وإنما لضعف بُنية موسى عليه السلام
بدليل أنه تعالى في الوقت نفسه تجلّى لبعض مخلوقاته وهو الجبل الجماد الأعظم بُنيةً من موسى
فصار الجبل دكاً ، فلم يقوَ ولم يثبت لذلك التجلي
وموسى عليه السلام رأى تلك الآثار التي أحدثها تجلّي الله عزّ وجل للجبل ، فخرَّ مغشياً عليه ..
وهذا ما رواه ابن جرير في تفسيره الآية قال :
( كان سبب مسألة موسى ربه النظر إليه ... ثم ساق بإسناده عن الربيع في قوله :
( وقربناه نجياً ) قال : حدثني من لقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قرّبه الرّب حتى سمع صريف القلم فقال : عند ذلك من الشوق إليه :
( ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ) ...
يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى :
( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ) ...
قال ابن جريج ، قال ابن عباس في هذه الآية : ( ... جهرة ) قال : علانية
وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق ، عن أبي الحويرث عن ابن عباس
أنه قال في قول الله تعالى : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة )
أى علانية ، أى حتى نرى الله
وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس : هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه
قال : فسمعوا كلاماّ ، فقالوا : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة )
قال : فسمعوا صوتاً فصعقوا ، يقول : ماتوا
وقال السدي : ( فأخذتكم الصاعقة ) فماتوا
فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول : ربّ ، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم
( لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) ...
فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل
ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا ، رجل رجل ، ينظر بعضهم إلى بعض ، كيف يحيون ؟
قال : فذلك قوله تعالى : ( ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون )
ويقول البغوي في تفسيره قوله تعالى :
( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك
فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ... ) ...
يقول : ( وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء من اليهود
قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
إن كنت نبياً فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى موسى عليه السلام ؟!
فأنزل الله عليه : ( يسألك أهل الكتاب ... ) الآية
وكان هذا السؤال منهم سؤال تحكّم واقتراح ، لا سؤال انقياد
والله تعالى لا ينزل الآيات على اقتراح العباد
ثم قال الله : ( فقد سألو موسى أكبر من ذلك ) أي : أعظم من ذلك
يعني : السبعين الذين خرج بهم موسى عليه السلام إلى الجبل
( فقالوا أرنا الله جهرة ) أي ، عياناً
قال أبو عبيدة : معناه قالوا جهرة أرنا الله )
وهذا ظاهر وواضح لمن أنار الله بصيرته
أنه سؤال تعنت من السبعين الذين اختارهم موسى عليه السلام ...
وبهذا يتضح للقارئ الكريم ، أنه لا صلة بين سؤال موسى عليه السلام ربّه الرؤية
وبين تعنت بني إسرائيل في طلبهم من موسى أن يريهم الله جهرة كي يؤمنوا به ...
قلت : ... قال أبو العالية :
( لما رأى موسى ذلك وأفاق ، عرف أنه سأل أمراً لا ينبغي له فقال :
( سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين )
عَنَى أنّي أول من آمن بك أنه لن يراك أحد قبل يوم القيامة )
كما أن سؤال رؤية الله عزّ وجل في الآخرة والنظر إلى وجهه الكريم
كما قال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
( أنرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : نعم ... ) إلخ
ليس من جنس سؤال اليهود رؤية الله في الدنيا
فإن سؤال الصحابة مشروع ، وسؤال اليهود ممنوع
وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه ربه النظر إلى وجهه الكريم
كما روى الإمام أحمد وابن حبان والحاكم ، إنه كان يقول في دعائه :
( ... وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وكلمة الحق في الغضب والرضا
والقصد في الفقر والغنى ، ولذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك ... )
ونقول للخليلي : الإباضي :
هل الرسول طلب من الله ما يجوز له طلبه
أو اعتدى في دعائه ، كاعتداء اليهود لما طلبوا أن يروا الله جهرة ؟ ...
ــــــــــــــ
ثم قال :
( وقد شاع النظر بمعنى الانتظار
كقوله تعالى : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) ...
أن هذا التأويل هو الذي يتفق مع مافي خاتمة عبس وهو قوله سبحانه :
( وجوه يومئذ مسفرة . ضاحكة مستبشرة ... )
... فإن المنتظر للرحمة مستبشر بها والمستبشر منتظر لما استبشر به ...) إلخ
... وإليك دحض تلك الشبة ...
أولاً :
بيان معاني النظر
فانه له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعدّيه بنفسه وليس محصور في معنى الانتظار
وإليك تلك المعاني :
1- فإن عدّي بنفسه فمعناه : التوقف والانتظار
كقوله تعالى : ( انظرونا نقتبس من نوركم ) ...
2- وإن عدّي بفي فمعناه : التفكير والاعتبار
كقوله تعالى : ( أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض )
3- وإن عدّي ، بإلى فمعناه : المعاينة بالأبصار
كقوله تعالى : ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر )
قال أبو منصور الأزهري في كتابه تهذيب اللغة ...
( ومن قال : إن معنى قوله : ( إلى ربها ناظرة ) : بمعنى منتظرة فقد أخطأ
لأن العرب لا تقول : نظرت إلى الشيء بمعنى انتظرته
وإنما تقول : نظرت فلاناً ، أي انتظرته ومنه قول الحطيئة :
وقد نظرتكم أبناء صادرةٍ ** للورد طال بها حوزي وتنساسي
فإذا قلت نظرت إليه لم يكن إلا بالعين
وإذا قلت : نظرت في الأمر احتمل أن يكون تفكراً وتدبراً بالقلب ) ...
فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر ، كما في هذه الآية :
( وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ناظرة )
فهذا هو بيان معاني النظر عند علماء اللغة ، وعلماء الشريعة أهل السنة والجماعة ...
أما المؤلف الخليلي الإباضي فلم يذكر إلا المعنى الذي يريده ، وهو الانتظار
ـــــــــ
ثانياً :
دعوى الخليلي الإباضي أنه سلك هذا التأويل من أجل
أن لا تتعارض الآية مع أدلة نفي الرؤية القطعية
... ونحن نقول :
أين أدلة نفي الرؤية القطعية في الآخرة وفي عرصات القيامة وبعد دخول المؤمنين الجنة ؟
والرد عليه من وجهين :
الأول :
إنك أيها الإباضي ، لم تأت بدليل واحد
فلا آية محكمة من كتاب الله عزّ وجل
ولا رواية قائمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ولا سقيمة ...
وإنما الذي جئت به تلبيس وتدليس ، وذلك بإيرادك الأدلة الصريحة
على نفي رؤية النبي ...لربه ليلة الإسراء والمعراج
وهذه رؤية في الدنيا لا في الآخرة
وأهل السنة جميعاً ينفون الرؤية في الدنيا ...
الثاني :
الرد للنصوص من كتاب الله بالتأويل الباطل
بحيث تأخذ معنى واحداً من معانى اللغة ، وتحمل الآية عليه تبعاً لما تهوى وهذا صنيع فُتِنتَ به
وفتَنتَ به السذج من الناس الذين يُغرّون بزخرف القول وقلب الحقائق
ــــــــــــ
وأما قولك :
( إن هذا التأويل هو الذي يتفق مع مافي خاتمة ( سورة عبس ) ...
فالجواب على ذلك :
1- أن الفرق بين الانتظار والنظر ، لا خلاف فيه عند العقلاء
فإن الانتظار تنغيص ، والنظر إكرام من الله لعباده المؤمنين ...
2-إن آيات ( عبس ) فيها بيان لما يكرم الله عباده المؤمنين أصحاب السعادة
وما يجازي به أهل الشقاوة ...
تذكيراً لعباده ليأخذوا بأسباب السعادة ، ويجتنبوا أسباب الشقاوة
وبهذا يتضح أن آية عبس :
( وجوه يومئذ مسفرة ) ليست مُسفرةً ولا مرادفة لقوله تعالى في سورة القيامة :
( إلى ربها ناظرة ) كما يدعي الخليلي
لأن النظر غير الإسفار
فالنظر يكون بالعين ، والإسفار لون يظهر على الوجه
وقد جاء في آية القيامة : ( وجوه يومئذ ناضرة ) بالبياض والصفاء
( إلى ربها ناظرة ) قال : تنظر في وجه الله . رواه الطبري عن ابن عمر مرفوعاً ...
فالمؤمنين يجمع الله لهم بين نضرة الوجوه وإسفارها
ونظر العيون إلى وجهه الكريم
ـــــــــــــــ
... قول المؤلف ... :
( وقد أشكل على المثبتين للرؤية إسناد النظر في آية القيامة إلى الوجوه
قال : فترددوا بين القول :
بأن الرؤية بالبصر ، أو بالوجوه ، أو بالجسم كله ، أو بحاسة سادسة .. ) إلخ ما قال
والجواب على التهمة – ذات التشكيك فيما لا شك فيه – بما يأتي :
أولاً : إن أدلة الرؤية عند المثبتين لها ليست محصورة في هذه الآية وحدها
وإن كانت صريحة في ذلك
ولكن هناك أدلة من الكتاب ومن السنة بلغت حد التواتر سيأتي ذكرها
ثانياً : قوله : ( ... فهل تكون الرؤية بالوجه ؟ .. ) إلخ ما قال
فنقول : إن هذه مغالطة مضحكة لسخافتها ، وتضليل لمن قلَّ نصيبه من العلم
يحمل الخليلي وزرها ووزر من أضل واستغفل
لأن أحداً مهما بلغ من الغباوة لا يفهم هذا الفهم السقيم الذي أورده المؤلف
وإنما يفهم أن الوجوه تنظر بأعينها
فإذا قال القائل : رأيت المسجد الحرام ، فلا يفهم السامع من العرب والعجم
إلا أنه رآه بعيني رأسه التي يعتبر الوجه محلاً لها
وثالثاً : نقول للمؤلف : في أي كتاب وجدت هذا من كتب أهل السنة والجماعة المثبتين للرؤية ؟ ...
لأنك ذكرت هذه السخافة المضحكة ونسبتها للمثبتين للرؤية
ولم تذكر مرجعاً لذلك من كتبهم بل العجيب أن هذا هو قول المعتزلة ...
ــــــــــــــ
قال ...
( إنه يترتب على الأخذ بها :
تغير ذاته سبحانه من صورة إلى غيرها ، والتغيّر من سمات الحدوث
وكونه مرئياً لهذه الأمة مؤمنها ومنافقها في الدنيا رؤية جلية .. وإلا فبم عرفوا صورته ؟ ) .. إلخ ما قال
قلت :
وهذه هي قاعدة الجهمية والمعتزلة وأصلهما ، أخذ بها المؤلف الخليلي لرد النصوص ...
لأنهم لم يعرفوا من صفات ربهم إلا ما شاهدوه في المخلوق
فأرادوا التنزيه بزعمهم فوقعوا في التعطيل ...
ونقول : إن المؤمنين عرفوا ربهم بصفاته التي أخبرهم بها في كتابه
وأخبرهم بها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته
فآمنوا بها وصدقوا قائلها
فحينما يكرمهم ربهم بالنظر إليه يعرفونه بتلك الأوصاف ...
ومن شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة
أي أنه رسول الله ، لزمه بمقتضى هذه الشهادة تصديقه في كل ما أخبر به عن ربه عزّ وجل
سواء أدرك عقله ذلك أو لم يدركه ...
ـــــــــ
وانظر لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الراشد المشهود له بالجنة ، في قصة صلح الحديبية ...
... يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد ذلك :
اتهموا الرأي على الدين
فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي ، وما ألوت عن الحق
وفيه ( قال : فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيت ، حتى قال لي :
يا عمر تراني رضيت وتأبى )
يقول ابن حجر في شرح الحديث : ( وقول عمر : " فعملت لذلك أعمالاً " )
المراد به الأعمال الصالحة ليكفّر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداء
وقد ورد التصريح بمراده بقوله " أعمالاً " : ففي رواية ابن إسحاق وكان عمر يقول :
( ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ
مخافة كلامي الذي تكلمت به )
وعند الواقدي من حديث ابن عباس ، قال عمر :
( لقد أعتقت بسبب ذلك رقاباً وصمت دهراً ) ...
وأخرج أبو داود في الطهارة عن علي بن أبي طالب قوله :
( لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه ) ...
فالحق كل الحق في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ظهر للناس خلافه ..
ـــــــــــــــ
ثم قال :
( فمن الكتاب قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير )
قال : ووجه الاستدلال بالآية : أنه تعالى مدح نفسه بأن الأبصار لا تدركه ، وإدراكها الرؤية ... )
قلت : ... فإليك كلام المحققين في تفسير الآية ، في الأمور التالية :
1- في بيان أن النفي المحض ليس بكمال
فلا يمدح الله به ، خلافاً لما يراه الخليلي
2-وفي بيان الفرق بين الإدراك والرؤية ... من تفسير ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال :
( لا تدركه الأبصار ) لا تحيط به الأبصار
عن قتادة قال : هو أعظم من أن تدركه الأبصار
وقال عطية العوفي : ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته
وبصره يحيط بهم ، ذلك قوله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) ...
قال ابن القيم ... ( ... وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال أحسن تقرير وألطفه وقال لي :
أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله
إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله
فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها
فإن الله سبحانه وتعالى إنما ذكرها في سياق التمدح
ومعلوم أن المدح به إنما يكون بالأوصاف الثبوتية ، وأما العدم المحض فليس بكمال ، فلا يمدح
وإنما يمدح الرب تبارك وتعالى بالعدم إذا تضمن أمراً وجودياً
كمدحه بنفي السِّنة والنوم المتضمن كمال القيومية ... ) إلخ ما ذكره من أمثلة في هذا الباب
إلى أن قال :
( ... فلو كان المراد بقوله :
( لا تدركه الأبصار) أنه لا يرى بحال ، لم يكن في ذلك مدح ولا كمال
لمشاركة المعدوم له في ذلك
فإن العدم الصِّرف لا يرى ولا تدركه الأبصار
والرب جل جلاله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض
فإذاً المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به ...
فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه
فالرب تعالى يُرى ولا يُدرك ، كما يُعلم ولا يحاط به
وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية ...
ـــــــــ
يقول :
وأما من السنة فما يلي :
... ما رواه الإمامان البخاري ومسلم ... :
( ... وما بين القوم وبين أن ينظر إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن )
هذا الحديث أورده البخاري في كتاب التوحيد ...
كما أورد في هذا الباب إحدى عشر رواية كلها صريحة في الرؤية
وأورد بعد هذا الحديث مباشرة رواية عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله علي وسلم :
( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان
ولا حجاب يحجبه ) فهذه الرواية مصرحة برفع الحجاب ...
ولكن المؤلف كما ترى يترك الرواية الأخرى الموضحة والمبينة للرواية قبلها
بل والروايات الأخرى التي اطلع عليها واختار منها هذه الرواية ...
فيقول
في التعليق عليها :
( ووجه الاستدلال به صراحته في عدم رؤيتهم لله لحيلولة رداء الكبرياء بينهم وبين ذلك )
والجواب :
أن هذه الرواية مُفسَّرة وموضحة بما بعدها
وهي رواية عدي ابن حاتم وسبق ذكرها وهي قوله صلى الله عليه وسلم :
( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه )
فهذه الرواية المفسِّرة لتلك الرواية يتركها الخليلي لأنها ترد على تلبيسه وتمويهه ...
ـــــــــــــــ
ويواصل المؤلف الخليلي في تلبيساته ... فيقول ...
: (ما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال
عندما سئل عن رؤيته لربه : (نور أنّى أراه )
ثم قال : ووجه الاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وسلم استبعد فيه حصول الرؤية بقوله :
( أنّى أراه ) فإن أنى بمعنى كيف ، وهو شاهد على استحالة رؤيته تعالى
هكذا يقول الخليلي !
وهو حديث كما ترى لفظه الذي لم يورده بنصه
يتحدث عن الرؤية في الدنيا
هل حصلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا ؟ فبين أنها لم تحصل
ولكن نسوق لك لفظ الرواية من صحيح مسلم
ليظهر لك بما لا يدع مجالاً للشّك تمويه وتدليس الخليلي
فقد روى مسلم بإسناده عن أبي ذر رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم :
هل رأيت ربك عزّ وجل ؟ فقال : ( نور أنّى أراه )
وفي رواية لمسلم أيضاً بإسناده عن عبد الله بن شقيق قال : قلت لأبي ذر :
لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته . قال : وعن ماذا كنت تسأله ؟
قلت : كنت أسأله : هل رأى ربه عزّ وجل ، قال : فإني قد سألته
فقال : ( نور أنّى أراه )
فهذه الأحاديث صريحة في أن نفي الرؤية فيها في الدنيا
وهذا أمر متفق عليه بين أهل السنة والجماعة أن الرؤية لم تثبت لأحد في الدنيا
فما الحجة لك يا خليلي في هذه الأحاديث على نفي رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في
جنات النعيم التي أثبتتها الأحاديث الصريحة المتواترة ؟
ورسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في هذا الحديث :
( نور أنّى أراه ) ليلة الإسراء والمعراج
هو الذي قال للصحابة لما سألوه هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال :
( نعم سترون ربكم عياناً كما ترون القمر ليلة البدر
وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب ) ...
ولكن الهوى يعمي ويصم ...
ـــــــــــــــــ
انتقاء مسألة إنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة والرد عليها من كتاب
الرد القويم البالغ على كتاب الخليلى المُسمى بالحق الدامغ
أ . د . علي الفقيهي
باختصار