بلال بوزيد الجزائري
08-05-2009, 02:15 PM
هذا شرح قيم للمنظومة السعدية في القواعد الفقهية أتحف الاخوة به وهو منقول من احدى المواقع
مقدِّمةٌ
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أفضلِ الخلقِ أجْمعينَ، وعلى آلِه وصحبِه الطَّاهرينَ، وبعدُ:
فهذا شرحٌ مختصرٌ، وتعليقٌ وَجيزٌ، على منظومةِ القواعدِ الفقهيَّةِ، للشَّيخِ/ عبدِ الرَّحمنِ السَّعديِّ، يَحُلُّ ألفاظَها، ويَكشِفُ فوائدَها، ويُبْرِزُ فرائدَها.
وما أمليْتُه ليكونَ عن شرحِ النَّاظمِ بَديلاً، بل ليكونَ له رَديفاً، وللسَّاري عندَ المشكلاتِ مِصْباحاً، وللرَّاغبِ في العلمِ جَناحاً، وللشَّادي عيناً أخرى، وما أجملَ قولَ القائلِ:
وهْوَ بسَبْقٍ حائزٌ تَفْضِيلا َ مُسْتَوْجِبٌ ثَنائيَ الجميلاَ
واللهُُ يَقْضِي بهِباتٍ وافِرَهْ لي وله في درجاتِ الآخِرَهْ
وحسبي شرفًا أن أكونَ خادمًا لتراثِ هذا العالمِ المُحَقِّقِ، والفقيهِ المُدَقِّقِ.
المؤلف
ترجمةٌ مُوجَزةٌ للنَّاظم:
هو الشَّيخُ عبدُ الرحمنِ بنُ ناصرِ بنِ عبدِ اللهِ السَّعديُّ، يَرْجِعُ نَسَبُه إلى قبيلةِ تميمٍ المعروفةِ، التي كان أكثرُ بطونِها يَسْكُنون نَجْدًا وما حولهَا.
والسَّعديُّ -بفتحِ السِّينِ- نسبةً إلى سعدِ بنِ زيدِ مَناةَ بنِ تَميمٍ، وبعضُ تلامذةِ الشَّيخِ يَرْجِعُ نسبُه إلى عمرِو بنِ زيدِ مَناةَ، وقد يَنْطِقون السينَ مكسورةً.
وبنو سعدٍ هم كعبٌ وعمرٌو -ويُدْعَوْن البُطونَ- والحارثُ وعوافةُ وجُشَمُ ومالكٌ وعبشمس، ويُدْعَوْنَ الأبناءَ.
وفي ذُرِّيَّاتِهم صحابةٌ ورجالٌ مشاهيرُ، منهم:
- الأسودُ بنُ سريعٍ، وله صحبةٌ.
- وقيسُ بنُ عاصمِ بنِ سِنانٍ، ولاَّه رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم صدقاتِ قومِه.
- والأخفشُ بنُ قيسِ بنِ معاويةَ المشهورُ بالحِلْمِ والعقلِ.
- والزِّبْرِقانُ واسمُه الحُصَيْنُ بنُ بدرٍ، وله وِفادةٌ.
- وعُرقُوبُ بنُ صَخْرٍ، الذي يقالُ فيه: (مواعيدُ عُرقُوبٍ).
- ومية بنتُ مُقاتِلِ بنِ طلبةَ، صاحبةُ ذي الرُّمَّةِ.
- وعمرُو بنُ الأَهْتَمِ، مِن الخطباءِ المشاهيرِ.
- وأبو بكرٍ الأبْهُريُّ المالكيُّ المشهورُ.
- والسُّلَيْكُ بنُ السُّلْكةِ، نُسِب إلى أمِّه.
- وعبدُ الله بن إباضٍ الخارجيُّ، رئيسُ الإباضيَّةِ.
- وجعفرُ بنُ قريعِ بنِ عوفٍ، المعروفُ بأنفِ النَّاقةِ، لُقِّب بذلك؛ لأن أباه نحرَ ناقةً، فقسَمَها بين نسائِه، وأعْطَى جعفراً رأسَ النَّاقةِ، فأخَذَها بأنفِها، فقيل له، ما هذا؟ فقال، (أنفُ النَّاقةِ)، فلُقِّب بذلك، فكان ولدُه يَغْضَبون مِن ذلك، إلى أن مدَحهم الحُطَيئةُ بقولِه:
قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرُهم ومن يُساوِي بأنفِ النَّاقةِ الذَّنَبَا
فصار مدحاً لهم، يَفْتَخِرون به.
ومنهم أميرُ أفريقيةَ من قِبَلِ الشِّيعةِ زيادةُ اللهِ بنُ الأغلبِ، وغيرُهم كثيرٌ ممَّن ذكَرهم علماءُ الأنسابِ كابنِ حزمٍ وغيرِه.
ولادتُه ونشأتُه:
وُلِد بمدينةِ عُنَيْزةَ بالقَصيمِ عام 1307 ه، مات أبَوَاه وهو صغيرٌ، فنشَأ يتيماً عندَ زوجةِ والدِه.
وكانت مَخايلُ الذَّكاءِ تَلوحُ فيه، فتوَجَّه إلى حفظِ القرآنِ، وطلَبَ العلمَ، واجْتَهد في تحصيلِه، ودرَس علوماً متنوعةً على أيدي العلماءِ منهم:
1- الشَّيخُ إبراهيمُ بنُ حَمَدِ بنِ جاسرٍ، ت عام 1338 ه بالكويتِ.
2- الشَّيخُ محمدُ بنُ عبدِ الكريمِ الشِّبْلُ، ت عام 1343 ه بعُنَيْزة.َ
3- الشَّيخُ صالحُ بنُ عثمانَ القاضي، ت عام 1351 ه.
4- الشَّيخُ محمدُ عبدِ العزيزِ المانعُ، ت عام 1385 ه.
5- الشَّيخُ محمدُ الأمينُ محمودٌ الشِّنْقِيطيُّ، نَزيلُ الزُّبَيْرِ.
وجلَس للتدريسِ، وعُمرُه ثلاثةٌ وعشرون عاماً.
ويَذْكُرُ الزِّرِكْليُّ أنه أولُ مَن أنشأ مكتبةً في عنيزةَ بالقصيمِ سنةَ1358 ه.
مؤلَّفاتُه:
كان الشَّيخُ عارفًا بعلومٍ كثيرةٍ، أشهرُها الفقهُ والتَّفسيرُ، وذكَر الزِّرِكْليُّ أن له نحواً مِن ثلاثين كتاباً، منها:
1. (تيسيرُ الكريمِ الرَّحمنِ في تفسيرِ القرآنِ).
2. (القواعدُ الحِسانُ في تفسيرِ القرآنِ)، وذكَر فيها سبعين قاعدةً.
3. (طريقُ الوصولِ إلى العلمِ المأمولِ مِن الأصولِ)، وهو عبارةٌ عن مختاراتٍ مِن كتبِ الإمامِ ابنِ تيميَّةَ وتلميذِه ابنِ القيِّمِ، وكان المؤلِّفُ - رحِمه اللهُ - شديدَ التَّأثُّرِ بكتبِ هذين الإمامين كما يَظْهَرُ هذا في سائرِ كتبِه.
4. (التوضيحُ والبيانُ لشجرةِ الإيمانِ).
5. (الدُّرَّةُ البَهِيَّةُ في شرحِ التَّائيَّةِ لابنِ تيميَّةَ).
6. (توضيحُ الكافِيَةِ الشَّافيةِ لابنِ القيِّمِ).
7. (الوسائلُ المفيدةُ للحياةِ السَّعيدةِ).
8. (القواعدُ والأصولُ الجامعةُ في القواعدِ الفقهيَّةِ).
وقد قسَم كتابَه هذا إلى قسمين:
الأولُ: في القواعدِ، وأوْرَد فيه ستين قاعدةً وضابطاً.
الثَّاني: في الفروقِ والتَّقاسيمِ.
9. منظومةٌ في القواعدِ الفقهيَّةِ، وشرَحَها.
10. منظومةٌ في السَّيرِ إلى اللهِ تعالى والدارِ الآخرةِ، وشرَحها.
11. منظومةٌ في الفقهِ، نظَم فيها أهمَّ الأحكامِ الفقهيَّةِ على الأبوابِ.
12. رسالةٌ في آدابِ المعلِّمينَ والمتعلِّمينَ.
13. الفتاوَى السَّعديَّةُ، وهي مجموعةٌ مِن الرَّسائلِ والفتاوى للشَّيخِ، جمَعَها بعضُ طُلاَّبِه بعدَ وفاتِه.
وكان يَنْظِمُ الشِّعرَ، وله قصائدُ في أغراضٍ متعدِّدةٍ، وكثيرٌ منها - كما يُقالُ (شعرُ فقيهٍ)، وقصائدُه التي نظَمها متأخِّرًا أجملُ من قصائِده الأولى.
وفاته:
تُوُفِّي الشَّيخُ -رحِمه اللهُ- في جُمادَى الآخرةِ عام 1376ه، بعد مرضٍ لازَمه قُرابةَ خمسِ سنواتٍ، وهو مرضُ ضغطِ الدَّمِ وضِيقُ الشَّرايينِ، ودُفِن بمدينةِ عُنَيزةَ بالقَصيمِ.
المنظوماتُ في القواعدِ الفقهيِّةِ:
لقد نظَم بعضُ العلماءِ جملةً مِن القواعدِ الفقهيَّةِ، وصاغوها في قالبٍ شِعريٍّ، رغبةً في تسهيلِ حفظِها، وتيسيرِ دراستِها، وذلك لأن الأسلوبَ الشِّعريَّ أسرعُ عُلوقاً بالذِّهنِ، وأطولُ بقاءً في الذَّاكرةِ، وذلك بسببِ الوزنِ والقافيةِ، والإيجازِ الذي تَتَّصِفُ به هذه المنظوماتُ.
فهو مِن النَّثرِ لفَهْمٍ أسبقُ ومُقْتضاه بالنفوسِ أعْلَقُ
وهذه مِيزةٌ نافعةٌ في التعليمِ، ولا سيَّما في مرحلةِ التَّأسيسِ، وإن كانت هذه المنظوماتُ قليلةَ الفائدةِ في تحريرِ القواعدِ، ومناقشتِها، وذكرِ فروعِها، وذلك بسببِ ضيقِ المجالِ الذي يَفْرِضُه الالتزامُ بالوزنِ والقافيةِ، ولهذا غالباً ما تُذْكَرُ تلك القواعدُ والمسائلُ مجرَّدةً عن أدلتها واعتراضاتِها، عاريَةً عن مداركِها وفروعِها.
ولكنَّ هذا النَّقصَ يمكنُ أن يُغَطَّى عندَ الشرحِ، ويُزالَ عندَ الدراسةِ مِن قِبَلِ الشَّارحِ، مع العلمِ بأن الطالبَ في مرحلةِ التَّأسيسِ، وبدايةِ الطّلبِ، لا تَنْفَعُه كثرةُ الاستدلالِ، ولا يفيدُه تفصيلُ المناقشاتِ.
ومن آثارِ الالتزامِ بالوزنِ والقافيةِ أن قواعدَ العلومِ لا تُذْكَرُ في المنظوماتِ غالباً بصِيَغِها المعهودةِ، والمتداولةِ بينَ أهلِ الاختصاصِ، وهي صيغٌ دقيقةٌ، وعباراتٌ مُحْكَمةٌ في الغالبِ.
وعلمُ القواعدِ الفقهيَّةِ مِن العلومِ التي نظَمها العلماءُ، وإن كان النَّظمُ فيها أقلَّ مِن النَّثرِ، لحاجةِ هذا العلمِ إلى الاستدلالِ، وذكرِ الفروعِ الفقهيَّةِ معها.
ومن المنظوماتِ في هذا العلمِ:
1. منظومةُ (الفرائدِ البَهِيَّةِ) لأبي بكرِ بنِ أبي القاسمِ بنِ أحمدَ الأهْدَلِ الحُسَيْنيِّ اليَمَنيِّ ت 1035 ه، صاحبِ كتابِ (نَفْحةِ المَنْدَلِ بذكرِ بني الأهْدَلِ)، وله نظمُ التَّحريرِ في الفقهِ، ونظمُ الورقاتِ، ونظمُ النُّخْبةِ.
وهذه المنظومةُ مكوَّنةٌ من (525) بيتاً، اختصَرَ فيها الأشباهَ والنَّظائرَ للسُّيوطيِّ، ونظَم فيها أشهرَ القواعدِ، كما قال:
فلْيَكُ هذا آخرَ الفوائدِ حاويةً لأشهرِ القواعدِ
وذلك بإشارةٍ من شيخِه أحمدَ بنِ عبدِ الرحمنِ النَّاشريِّ.
ولهذه المنظومةِ شروحٌ منها:
• المواهبُ العَلِيَّةُ للشَّيخِ يوسُفَ بنِ محمدٍ البطاحِ الأهدلِ الزَّبِيديِّ.
• الأقمارُ المضيئةُ للشَّيخِ عبدِ الهادي بنِ إبراهيمَ الأهدلِ.
• المواهبُ السَّنيَّةُ للشَّيخِ عبدِ اللهِ بنِ سليمانَ الجرهزيِّ ت 1201 ه، وعليها حاشيةٌ للشَّيخِ ياسِينٍ الفادانيِّ ت 1410 ه.
2. نظمُ الأشباهِ والنَّظائرِ لابنِ قضيب البان ت 1098 ه، نظَم فيه الأشباهَ والنَّظائرَ لابنِ نُجيمٍ الحنفيِّ.
3. منظومةُ (المنهجِ المنتخبِ) في قواعدِ المالكيَّةِ لأبي القاسمِ الزَّقَّاقِ المالكيِّ ت 912 ه، بلَغ عددُ أبياتِها 433 بيتاً.
وزاد عليها أبو عبدِ اللهِ ميّارةُ المالكيُّ أبياتاً سمّاها (بُسْتانَ الفكرِ)، واشْتَهرت بالتَّكميلِ، وقد بَلغَت تكملتهُ 671 بيتاً، اعْتَمد فيها على شرحِ المنجورِ الفاسيِّ غالباً.
4. منظومةُ الونْشِرِيسيِّ في القواعدِ الفقهيَّةِ، شرَحها أحمدُ بنُ عليٍّ المَنْجورُ الفاسيُّ.
5. منظومةٌ في قواعدِ الإِمامِ مالكٍ لمحمدِ بنِ عبدِ الرَّحمن المِكْناسيِّ، وعددُ أبياتِها 83 بيتاً، ولها نسخةٌ في الخَزانةِ العامَّةِ بالرّباطِ.
6. اليواقيتُ الثَّمينةُ في نظائرِ عالمِ المدينةِ لأبي الحسنِ السجلماسي، ت 1057 ه، ذكَره صاحبُ الفكرِ السَّامي.
7. منظومةُ المجازِ الواضحِ لمحمد يحيي الولاتي ت 1330 ه، سار فيها على وفقِ المنهجِ المنتخبِ للزَّقَّاقِ مع زياداتٍ.
8. منظومةُ القواعدِ الفقهيَّةِ للشَّيخِ عبدِ الرحمنِ السَّعْديِّ، وهي المشروحةُ في هذا الكتابِ، وسأتكلَّمُ عنها بعدَ قليلٍ.
والمنظوماتُ في هذا العلمِ متفاوتةٌ في حجمِها، ففيها المختصرةُ، وفيها المتوسِّطةُ وفيها المطوَّلةُ، وبعضُها يكونُ مرتبطاً بكتابٍ معيَّنٍ في القواعدِ، وبعضُها يكونُ مستقلاًّ، بناه النَّاظمُ على اختياراتِه ومعلوماتِه.
منظومةُ القواعدِ الفقهيَّةِ للشَّيخِ السَّعديِّ:
هي منظومةٌ مُوجَزةٌ تتكوَّنُ مِن 47 بيتاً على بحرِ الرَّجَزِ، ولم يقصِدِ النَّاظمُ فيها التَّوسُّعَ والتَّفصيلَ، وإنما أراد الإيجازَ والتَّسهيلَ، لتكونَ مقدِّمةً لهذا العلمِ، وسلَّماً يَرْتَقِي به الطالبُ إلى ما فوقَه مِن المتونِ المتوسِّطةِ والمطوَّلةِ، ومِفْتاحاً يَفْتَحُ به بعضَ خَزائنِ هذا العلمِ.
والمنظومةُ تمثِّلُ جملةً مِن اختياراتِ النَّاظمِ، ومعلوماتِه، التي لا ترتبطُ بكتابٍ معيَّنٍ، فهو لم يُحاوِلْ نظمَ متنٍ مخصوصٍ.
وقد ذكَر فيها جملةً مِن القواعدِ الفقهيَّةِ -وهي غالبُ المنظومةِ- وبعضَ الضوابطِ الفقهيَّةِ، كقولِهم، (يجبُ الضَّمانُ مع الإتلافِ)، وبعضَ القواعدِ الأصوليَّةِ كاقتضاءِ النهيِ الفسادَ، وكونِ الحكمِ يدورُ مع علَّتهِ وجودًا وعدمًا، وبعضِ المسائلِ الفقهيَّةِ، وهي قليلةٌ أشرْتُ إليها في مواضعِها.
وقد أطال في المقدِّمةِ قليلاً، فإنها مكوَّنةٌ مِن عشرةِ أبياتٍ في فضلِ العلمِ النَّافعِ وضابطِه، وأهميةِ القواعدِ وثَمراتِها، وهذه العشرةُ تُعَدُّ طويلةً إذا نظَرْنا إلى عددِ أبياتِ المنظومةِ، وإذا أخْرَجْنا الخاتمةَ -وهي بيتان- فالباقي 35 بيتاً في القواعدِ.
وضيقُ المجالِ في الشعرِ أوْقَعه في بعضِ الَّتساهُلاتِ اللُّغَويَّةِ، والضَّروراتِ الشِّعريَّةِ المتعلِّقةِ بالوزنِ وضبطِ الكلمةِ، كما سيأتي بيانُها في مواضعِها من الشَّرحِ، ولعلها أخطاءٌ مطبعيةٌ أخْفَت الوجهَ الصحيحَ في قرائتِها.
شرحُ النَّاظمِ:
هذه المنظومةُ على رغمِ وجازتِها، فإنها بحاجةٍ إلى شرحِ ألفاظِها، وبيانِ معانيها، ولهذا علَّق الناظمُ عليها تعليقًا لطيفًا، وشرَحها شرحًا مفيدًا، يَتَناسَبُ مع عددِ أبياتِها.
قال رِحمه اللهُ: (ولكنها تَحتاجُ إلى تعليقٍ يوضِّحُها، ويكشِفُ بعضَ معانيها، وأمثلتُها تُنَبِّهُ اللَّبيبَ الفَطِنَ على ما وراءَ ذلك، فوضَعْتُ عليها هذا الشَّرحَ اللَّطيفَ، تيسيراً لفهمِها).
إلا أن المؤلِّفُ -رحِمه اللهُ- لم يَعْتَنِ بشرحِ الكلماتِ، وحلِّ العباراتِ، وإنما انصرَفَت عنايتُه لبيانِ المعنى، وتوضيحِ المقصودِ، على طريقتِه في تفسيرِ القرآنِ، التي وضَّحها بقولِه، (ولم يكنْ قصدي في ذلك، إلا أن يكونَ المعنى هو المقصودَ، ولم أشتغلْ في حلِّ الألفاظِ والعقودِ).
وهذه الطَّريقةُ -وإن كانت مفيدةً لكثيرٍ مِن الناسِ- في تفسيرِ القرآنِ، إلا أن العلومَ الأخرى دخَلَتها الاصطلاحاتُ، فيحتاجُ الطالبُ إلى معرفتِها، وحلِّ ألفاظِها، وإدراكِ العَلاقةِ بينَ المعاني اللُّغَويَّةِ والاصْطلاحيَّةِ.
كما وقَع انتقالُ نظرٍ، أو خطأٌ مطبعيٌّ، في شرحِ بعضِ الأبياتِ، كما هو الحالُ في شرحِ البيتِ السابعِ والثلاثين.
وبعضُ القواعدِ التي ذكَرها تَحتاجُ إلى ذكرِ قيودِها وشروطِها على سبيلِ الإجمالِ حتى لا تُفْهَمَ على إطلاقِها، كما أن بعضَها يحتاجُ إلى تفصيلٍ، وبيانٍ للموضعِ الذي يجري فيه كلامُ النَّاظمِ، رحِمه اللهُ، واللهُ أعلمُ.
شرح أ.د.مصطفى كرامة مخدوم:
الحمـدُ للهِ العَلِيِّ الأرْفَقِ وجامعِ الأشياءِ والمفرِّق(1)
ذي النِّعمِ الواسعةِ الغَزيرهْ والحِكَمِ الباهرةِ الكثيرهْ(2)
ثم الصَّلاةُ مع سلامٍ دائمِ على الرَّسولِ القرشيِّ الخاتِمِ(3)
وآلـه وصحبه الأبـرارِ الحائِزِي مراتبِ الفخارِ(4)
اعلمْ هدِيتَ أن أفضلَ المِنَنْ علمٌ يُزِيلُ الشَّكَّ عنك والدَّرنْ(5)
ويكشِفُ الحق لذي القلوبِ ويُوصِلُ العبدَ إلى المطلوبِ(6)
فاحرِصْ على فهمِك للقواعدِ جامعةِ المسائلِ الشَّواردِ(7)
فتَرْتقي في العلمِ خيرَ مُرْتقى وتقتفِي سُبْلَ الذي قد وُفِّقا(8)
وهـذه قواعـدٌ نظمـتها من كتبِ أهلِ العلمِ قد حصَّلْتها(9)
جزاهم الموْلى عظيـمَ الأجرِ والعفوَ مع غفرانه والبِرِّ(10)
(1) الحمدُ هو: الثناءُ.
و(اللهُ) عَلَمٌ على المعبودِ بحقٍّ، وهو الاسمُ الجامعُ الذي تَرْجِعُ إليه جميعُ الأسماءِ، كما قال سبحانه: (وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف: 180] وعدَّه جُمهورُ العلماءِ الاسمَ الأعظمَ الذي إن سُئِل به أَعْطَى، وإن دُعِي به أجاب.
وقد بدَأ النَّظمَ بالحَمْدلةِ اتِّباعاً للقرآنِ، وعملاً بالسُّنَّةِ.
أما الأولُ: فقد بدَأ اللهُ تعالى كتابَه بسورةِ الحمدِ.
وأما الثاني: فواردٌ مِن قولِه وفعلِه صلَّى الله عليه وسلَّم.
أما القولُ: فحديثُ: (كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ فَهُوَ أَبْتَر ُ)’ رواه أبو داودَ وابنُ ماجه والنَّسائيُّ في (عملِ اليومِ والليلةِ) وأحمدُ والدارَقُطْنيُّ، وصحَّحه أبو عَوانةَ وابنُ حبَّانَ، وحسَّنه النَّوويُّ وابنُ الصَّلاحِ وابنُ حجَرٍ.
وأما الفعلُ: فقد كان صلَّى الله عليه وسلَّم يَفْتَتِحُ مواعظَه وخُطَبَه بالْحَمْدلةِ، كما يُؤْخَذُ مِن مجموعِ الرِّواياتِ.
ويقومُ مقامَ الحمدلةِ كلُّ ما فيه ثناءٌ للهِ تعالى، كالبسملةِ ونحوِها.
قولُه: (العَلِيِّ)، أي: المتَّصفِ بالعُلُوِّ المطلقِ، فيَشْمَلُ:
- عُلُوَّ الذاتِ: بمعنى أنه مُسْتَوٍ على عرشِه، عالٍ على خلْقِه، ويشملُ:
- عُلُوَّ القَهْرِ: بمعنى أن كلَّ شيءٍ تحتَ سلطانِه وقدرتِه، فهو الذي قهَر الأشياءَ بجلالهِ وعظمتِه.
وقد جمَع اللهُ بينهما في قولِه: (وَهَوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) [الأنعام، 18].
ويشْملُ:
- عُلُوَّ القَدْرِ والمكانةِ والشَّأْنِ: كما قال الحَكَميُّ رحِمه اللهُ:
عُلُوَّ قَهْرٍ وعُلُوَّ الشانِ *** جَلَّ عن الأضْدادِ والأعْوانِ
كذا له العُلُوُّ والفَْوقيَّهْ *** على عبادِه بلا كَيْفيَّهْ
و(العَلِيُّ) مِن أسماءِ اللهِ تعالى الحُسْنى، كما قال سبحانه: (وَهُوَ العَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة: 255]، بل ثبَت ما هو الأبلغُ، كما في قولِه: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) [الأعلى:1]
(الأَرْفَقُ) صيغةُ تفضيلٍ مِن الرِّفقِ، وهو الليِّنُ، وضدُّه العنفُ، والرِّفقُ مِن صفاتِه سبحانَه، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم :(إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ).
(جامعِ الأشياءِ والمفرِّقِ) يعني أنه سبحانَه يَجْمَعُ بينَ الأشياءِ في بعضِ المعاني والصفاتِ، ويُفَرِّقُ بينَها في البعضِ الآخرِ.
فالنَّاسُ يشتركون في أصلِ الرِّزقِ، فكلُّ مخلوقٍ مرزوقٌ (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) [هود:6]، ولكنَّهم يتفاوتون في مقدارِ الرِّزقِ ونوعِه على حسبِ الحكمةِ الإلهيَّةِ، كما قال سبحانَه: (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا في الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إنه بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) [الشورى:27].
والنَّاسُ يَجْتَمِعون في أصلِ الخلقِ، فكلُّهم مخلوقٌ للهِ تعالى، ولكنَّهم يَتَمايَزون في الهيئةِ والصُّورةِ والألوانِ.
وإطلاقُ هذا اللفظِ -أعْني: (وجامعِ الأشياءِ والمفرِّقِ)- على (اللهِ تعالى) من بابِ الإخبارِ، وليس مِن بابِ التَّسميةِ، فيَصِحُّ الإخبارُ عن اللهِ تعالى بكلِّ ما صحَّ من حيث المعنى، ولكن لا يُسَمَّى إلا بما ورَدَت تسميتُه به.
وتعبيرُ النَّاظمِ بقولِه: (وجامعِ الأشياءِ والمفرِّقِ) فيه بَراعةُ اسْتِهلالٍ، كما يسَمِّيه البلاغيُّون، والمرادُ بها: دَلالهُ مطلَعِ الكلامِ على مضمونِه، فهذا التَّعبيرُ يدلُّ على أن هذا النَّظمَ في القواعدِ الَّتي من شأنِها الجمعُ لكثيرٍ من الفروعِ، والتَّفريقُ بينَ بعضِها.
(2) (النِّعمُ): جمعُ نعمةٍ -بكسرِ النُّونِ- وهي: المنفعةُ المفعولةُ على جهةِ الإحسانِ إلى الغيرِ.
فخرَجَت المضرَّةُ، والمنفعةُ المفعولةُ على جهةِ الإساءةِ، فلا تسمَّى نعمةً.
وأما النَّعمةُ -بفتحِ النُّونِ- فهي التنعُّمُ.
(الواسعةُ): من الّسَّعةِ، وهي ضدُّ الضَّيقِ.
(الغزيرهْ): من الغَزارةِ، وهي الكثرةُ ضدُّ القلَّةِ.
ونعمُ اللهِ تعالى موصوفةٌ بهاتين الصِّفتين: (وَإِنْ تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا) [النحل:18] أي: لسَعتِها وكثرتِها.
(والحِكَمُ): جمعُ حكمةٍ، وهي:اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يمنَعُك مِن الوقوعِ في الخطأِ، وإذا قُرِنَت بآياتِ اللهِ وكتابِه فالمرادُ خصوصُ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، كقولِه تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِن آيَاتِ الِله وَالْحِكْمَةِ) [الأحزاب: 34].
(الباهرةِ): أي: المُدْهِشةِ للعقولِ لعظمتِها ودقَّتِها.
وهذه الحكمُ الكائنةُ في مخلوقاتِه وأحكامِه قد نُدْرِكُها لوضوحِها، وقد لا ندركُها لخفائِها، وقلَّةِ علومِنا، وضعفِ عقولِنا، فيكونُ خفاؤُها دليلاً على قصورِ العقلِ البشريِّ.
(3) (الصَّلاةُ): هي ثناءُ اللهِ على العبدِ في الملأِ الأعلى، وقيل: الرحمةُ، وهذا تفسيرُ باللازمِ، والأوَّلُ أصحُّ، لأنَّ اللهَ تعالى جمعَ بينَهما في قولِه تعالى: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) [البقرة:157]، والأصلُ في العطفِ إفادةُ المُغايَرةِ بينَ المعطوفِ والمعطوفِ عليه.
وهذا الأصحُّ رواه البخاريُّ تعليقاً، عن أبي العاليةِ رُفَيْعِ بنِ مِهْرانَ الرِّيَاحيِّ.
(والسَّلامُ): بمعني التَّسليمِ، وهو التَّحيَّةُ، أو المرادُ السَّلامةُ مِن النَّقائصِ. والأفضلُ عندَ ذكرِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُجْمَعَ بينَ الصَّلاةِ والسَّلامِ؛ لظاهرِ قولِه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56] حيث أمَرنا بالفعلَيْن.
(الرَّسول) أي: المُرْسَلُ إلى غيرِه، وهو شرعًا أخصُّ من النَّبيِّ.
وذهَب بعضُ العلماءِ إلى عدمِ التَّفريقِ بينَهما؛ لأنَّ اللهَ تعالى أثْبت لهما معنى الإرسالِ، فقال سبحانَه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ) [الحج، 52].
والصوابُ وجودُ الفرقِ بينَهما، بدليلِ العطفِ في الآيةِ السَّابقةِ، فإنه يقتضي المغايرةَ بينَهما في الأصلِ، وهذا قولُ الجُمهورِ.
ثم اختَلفوا في تحديدِ الفرقِ بينَهما:
فقيل: هو الأمرُ بالتَّبليغِ، فإن أُمِر بالتَّبليغِ فهو رسولٌ، وإن لم يُؤْمَرْ فهو نبيٌّ.
وقيل: هو في الشَّريعةِ المرسَلِ بها، فإن أُرْسِل بشريعةٍ جديدةٍ فهو رسولٌ، وإن أُرْسِل بشريعةٍ سابقةٍ فهو نبيٌّ.
(القرشيِّ) أي: المنسوبِ إلى قريشٍ، وهم بنو النَّضْرِ بنِ كِنانةَ، فكلُّ مَن كان مِن ولدِه فهو قرشيٌّ، وهذا الراجحُ من أقوالِ أهلِ النَّسَبِ، لقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: (نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لا نَقْفُو أُمَّنَا، وَلاَ نَنْتَفِي مِن أَبِينَا) رواه ابنُ ماجه، وحسَّنه الحافظُ ابنُ كثيرٍ في (الفصولِ).
وقولُه: (لاَ نَقْفُو أُمَّنَا). أي، لا نَتَّبِعُ أُمَّنا في النَّسبِ، لأنًَّ الولدَ يُنْسَبُ لأبيه دونَ أمِّه.
(الخاتَمِ). أي: الذي خُتِم به الأنبياءُ والمرسَلون، كما قال تعالى: (وَلَكنْ رَسُولَ اللهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب:40].
وفي الحديثِ الصحيحِ: (لاَ نَبِيَّ بَعْدِي)، وقد أجْمَع العلماءُ على ذلك.
(4) إضافةُ (الآلِ) إلى المُضْمَرِ هو مذهبُ جمهورِ أهلِ العربيَّةِ، وفي مقدِّمتِهم أبو العباسِ الْمَبرّدُ، خلافاً للكِسائيِّ وأبي جعفرٍ النَّحَّاسِ.
ومن شواهدِ الجمهورِ قولُ عبدِ المطَّلِبِ:
لا همَّ إنَّ المرءَ يَمْنَعُ رحلَه *** فامنعْ رِحالَكْ
وانصُرْ على آلِ الصَّليبِ *** وعابدِيه اليومَ آلكْ
والغالبُ في (الآلِ) أنه لا يُضافُ إلا إلى ما فيه شرفٌ، فلا يقالُ: آلُ الزَّبَّالِ، وآلُ الحَجَّامِ، ونحوُ ذلك.
وآلُه صلَّى الله عليه وسلَّم هم أقاربُه المؤمنون.
وقيل: أتباعُه إلى يومِ الدِّينِ، ويُقَوِّي الأولَ عطفُ (الصَّحبِ) عليه، فلو كان المرادُ الأتباعَ لاكْتُفِى به عن ذكرِ الصُّحبةِ.
والصَّحبُ: اسمُ جمعٍ لصاحبٍ.
والصَّحابيُّ هو: كلُّ من لقِي النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مؤمناً به، ومات على ذلك، ولو تخلَّلَته ردَّةٌ على الأصحِّ، كما قال الحافظُ ابنُ حجرٍ.
(الأبرارِ): جمعُ بَرٍّ، وهو الصَّادقُ والكثيرُ البِرِّ. والبَرَرةُ: جمعُ بارٍّ.
(الحائزي): أصلُه مِن الحَوْزِ، وهو الجمعُ والضَّمُّ.
(مراتبِ): جمعُ مرتبةٍ، وهي الدَّرجةُ والمنزلةُ.
(الفَخارِ): أي: الشَّرفِ.
وشَرَفُ الصُّحْبةِ لا يَعْدِلُه شرفٌ، فالصَّحابةُ هم أفضلُ طبقاتِ الأُمَّةِ بشهادةِ القرآنِ والسُّنَّةِ.
(5) (هُديتَ): دعاءٌ له بالهدايةِ، وهي التَّوفيقُ.
والدُّعاءُ لطالبِ العلمِ بالتَّوفيقِ والخيرِ فيه تأليفٌ لقلوبِ الطُّلابِ على مشقَّةِ العلمِ والصَّبرِ على تحصيلِه، وهو من أخلاقِ العلماءِ، والأصلُ فيه قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم لابنِ عبَّاسٍ، رضِي اللهُ عنه: (للَّهُمَّ فَقِّهْهُ ِفي الدِّين وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ).
ودعاءُ العالمِ الصالحِ مِن مَظانِّ الإجابةِ.
(أفضلَ المِنَنْ): أي: أحسنَ النِّعمِ التي وهَبها اللهُ للعبدِ بعدَ نعمةِ الإيمانِ.
(علمٌ يُزِيلُ الشَّكَّ عنك والدَّرَنْ):
العلمُ هو: إدراكُ الشَّيءِ على ما هو عليه في الواقعِ.
والشَّكُّ: هو التَّردُّدُ، ضدُّه اليقينُ، والمرادُ به مرضُ الشُّبُهاتِ.
والدَّرَنُ: هو القَذَرُ وَزْناً ومعنًى، والمرادُ به هنا مرضُ الشَّهَواتِ.
والمرضُ قسمان:
- حسيٌّ.
- ومعنويٌّ.
أما الحسيُّ: فهو اعتلالُ البدنِ، ومنه قولُه تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة:184].
والمعنويُّ نوعان:
1-مرضُ الشُّبُهاتِ: وهي الأباطيلُ التي تُشْبِه الحقَّ، سُمِّيت بذلك لشبهِها بالحقِّ، ومنه قولُه تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) [الأحزاب:12].
2-مرضُ الشَّهواتِ: وهي الغرائزُ المحرَّمةُ كالزِّنا.
ومنه قولُه تعالى: (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِه مَرَضٌ) [الأحزاب: 32].
وقد يَجْتَمِعان في العبدِ، وقد يَنْفَرِدُ أحدُهما.
ومرضُ الشُّبهاتِ: يُعالَجُ باليقينِ.
ومرضُ الشَّهواتِ: يُعالَجُ بالصَّبرِ، وبهما تُنالُ الإمامةُ في الدِّينِ (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24]، وجمعَ اللهُ بينَهما في قولِه: (إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر، 3]، فالحقُّ يَدْفَعُ الشُّبُهاتِ، والصَّبرُ يَكُفُّ عن الشَّهواتِ.
فضابطُ العلمِ النَّافعِ: هو العلمُ الذي يُزِيُل عن صاحبِه الشُّبهاتِ والشَّهواتِ.
(6) (يكشف): أي: يُظْهِرُ ويُبْرِزُ.
(الحقَّ): هو الثَّابتُ واللاَّزمُ، وضدُّه الباطلُ، وهو الزَّائلُ.
(لذي القلوبِ): الأصلُ أن يقالَ: (لذَوِي القلوبِ) بالجمعِ، لكن مراعاةُ الوزنِ يُوقِعُ في هذه المضايقِ.
والمرادُ بذَوِي القلوبِ: أصحابُ العقولِ، والقلبُ يُطْلَقُ على العقلِ، كقولِه تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لَمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) [ق:37] أي: عقلٌ؛ لأن القلبَ مَحَلُّ الفهمِ والإدراكِ، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كثيراً مِن الجنِّ والإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا) [الأعراف: 179]، فأضاف كلَّ عملٍ إلى آلتِه وأداتِه.
وسُمِّي القلبُ قلبًا لتقلُّبِه كثيرًا، كما قال الشاعرُ:
ما سمِّي القلبُ إلا من تقلبِه *** فاحْذَرْ لقلبِك مِن قلْبٍ وتَحْويلِ
وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ في دعائِه: (اللُّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ).
(ويُوصِلُ العبدَ): أي، يُبْلِغُه.
والعبدُ يطلقُ على ثلاثةِ معانٍ، كما ذكَره الرَّاغبُ الأصْفَهانيُّ:
1-عبدٌ بحكمِ الشرعِ، وهو الإنسانُ الذي يصحُّ بيعُه، ويقابلُه الحرُّ، ومنه قولُه تعالى: (وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ) [البقرة:178].
2-عبدٌ بالإيجادِ، وهو كلُّ مَن أوْجَده اللهُ تعالى، فيشملُ المخلوقاتِ جميعاً، كما قال تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً) [مريم، 93].
3- عبدٌ بالطَّاعةِ والعبادةِ، وهو نوعان:
أ- عبدٌ للهِ تعالى، وهذه عبوديةُ شرفٍ، ومنه قولُه: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) [الفرقان:63].
ب- عبدٌ لغيرِ اللهِ تعالى، وهذه عبوديةُ ذِلَّةٍ ومَهانةٍ، ومنه الحديثُ:
(تَعِس عبدُ الدِّينارِ، تَعِس عبدُ الدِّرهمِ).
والعبدُ في البيتِ المذكورِ من الإطلاقِ الثاني، وهو العبدُ بالإيجادِ الشَّاملِ للمعاني الأخرى.
وأصلُ مادةِ (عبد) يدلُّ على التَّذليلِ، كما تقولُ العربُ: طريقٌ مُعَبَّدٌ أي: مُذلَّلٌ، وتقولُ: عبَّدْتُ فلاناً، أي: ذلَّلَتُه واتَّخَذْتُه عبداً، ومنه قولُه تعالى: (أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الشعراء:22].
(المطلوبُ): أي: المقصودُ، ففي هذا إشارةٌ إلى أن العلمَ ليس مقصوداً لذاتِه، وإنما يُطْلَبُ للوصولِ به إلى العملِ ورِضْوان اللهِ تعالى، كما قيل: (هتَف العلمُ بالعملِ فإن أجابه وإلا ارْتَحل).
(7) الحرصُ: هو شدةُ الطَّلبِ والعنايةِ.
والفهمُ: الإدراكُ للشَّيءِ.
والقواعدُ: جمعُ قاعدةٍ، وهي في اللُّغةِ: الأساسُ، ومنه قولُه تعالى: (فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) [النحل،26].
وفي الاصطلاحِ: حكمٌ كُلِّيٌّ تَدْخُلُ فيه جزئيَّاتٌ كثيرةٌ.
وتُطْلَقُ القواعدُ على القواعدِ الأصوليَّةِ والقواعدِ الفقهيَّةِ، والمرادُ هنا الثَّاني، بقرينةِ قولِه: (جامعةِ المسائلِ الشَّواردِ)، وكونُ النَّظمِ في علمِ القواعدِ الفقهيَّة، ولكنَّه باعتبارِ الغالبِ؛ لأنه ذكَر بعضَ القواعدِ الأصوليَّةِ أيضاً.
والفرقُ بينَهما مِن وجوهِ:
أ - مِن جهةِ الموضوعِ، فإن موضوعَ علمِ القواعدِ الفقهيَّةِ أفعالُ المكلَّفين، وموضوعَ علمِ القواعدِ الأصوليَّةِ الأدلةُ والأحكامُ.
ب- أن القواعدَ الأصوليَّةَ أدلَّةٌ إجماليَّةٌ، والقواعدَ الفقهيَّةَ أحكامٌ كُلِّيَّةٌ، كما ذكَره الإمامُ ابنُ تيميَّةَ.
بالإضافةِ إلى فروقٍ أخري تُذْكَرُ في المطوَّلاتِ.
(المسائلِ): هي الوقائعُ التي يُسْأَلُ عنها.
(الشَّواردِ)، جمعُ شاردةٍ، وهي النَّافرةُ وغيرُ المجموعةِ.
فمن شأنِ القواعدِ الفقهيَّةِ أنها تَجْمَعُ المسائلَ المتناثرةَ تحتَ حكمٍ كُلِّيٍّ، فيَسْهُلُ على الإنسانِ معرفةُ أحكامِ الجزئيَّاتِ، ودراسةُ الفقهِ، لأن دراسةَ الفقهِ عن طريقِ القواعدِ أسهلُ وأشملُ، كما أن دراستَه عن طريقِ الجزئيَّاتِ أدَقُّ وأحكمُ.
والجزئيَّاتُ الفقهيَّةُ لا تَتَناهَى، ويَسْتَجِدُّ في كلِّ زمانٍ من المسائلِ ما لم يكنْ معروفاً قبلَ ذلك، قال الأهدلُ عن الفقهِ:
وهو فنٌّ واسعٌ منتَشِرُ *** فروعه بالعدِّ لا تَنْحَصِرُ
وإنما تضبطُ بالقواعدِ *** فحفظُها مِن أعظمِ الفوائدِ
والحفظُ وحدَه لا يَكفِي، ولابدَّ من الفهمِ، كما ذكَر النَّاظمُ.
(8) (ترتقي): أي تَعْلُو وتَصْعَدُ.
والمرتقَى هو: الشَّيءُ الذي يَحْصُلُ به الارتقاءُ، كالدَّرَجِ والسُّلَّمِ.
والاقتفاءُ: اتِّباعُ الأَثَرِ.
والسُّبلُ: جمعُ سبيلٍ، وهو الطَّريقُ وزناً ومعنًى، ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.
وباءُ السُّبلِ في النَّظمِ ساكنةٌ، مُراعاةً للوزنِ.
والمعنى: أنك لو فهِمْت هذه القواعدَ وحفِظْتَها، فإنك تعلو بذلك في منازلِ العلمِ، وتكونُ بذلك مُتَّبِعاً لآثارِ العلماءِ الموفَّقين لطريقِ الحقِّ.
(9) (قواعدٌ): بالتنوينِ مراعاةً للوزنِ، والأصلُ بدونِ التَّنوينِ، لأنه ممنوعٌ مِن الصَّرفِ، ولكنَّ الاضطرارَ مبيحٌ لذلك باتفاقٍ، قال ابنُ مالكٍ:
ولاضطرارٍ وتناسبٍ صرِفْ *** ذو المنعِ والمصروفُ قد لا يَنْصَرِفْ
(نظَمْتُها): أي، جعَلْتُها في نظمٍ، والنَّظمُ: عقدُ المنثورِ، كما أن الحلَّ هو نثرُ المنظومِ، وأصلُ النَّظمِ في اللُّغةِ جمعُ اللُّؤلؤ في سلكٍ، وإنما اختار النَّظمَ -مع ضيقِه- لسهولةِ حفظهِ وطولِ بقائِه في الذِّهنِ، كما قال ابنُ عاصمٍ الأنْدَلُسيُّ:
والنظمُ مُدْنٍ منه كلَّ ما قَصَى مُذَلِّلٌ مِن مُمْتَطاه ما اعْتَصَى
فهو مِن النَّثرِ لفهمٍ أسبقُ ومُقْتَضاه بالنفوسِ أعْلَق
ثم ذكَر النَّاظمُ أن هذه القواعدَ ليست مِن بناتِ أفكارِه، ونتائجِ اختراعاتِه، ولكنها مستفادةٌ مِن كتبِ العلماءِ.
وهذا مِن أدبِ النَّاظمِ، وحسنِ أخلاقِه، فإن مِن بَرَكةِ العلمِ أن يُنْسَبَ إلى صاحبِه، كما يقالُ.
وأما الذي يَنْسِبُ الفوائدَ لنفسِه، مع علمِه أنها لغيرِه فهو داخلٌ في قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم :(المُتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابسِ ثَوْبَيْ زُورٍ).
(10) (جزاهم): أي: أثابهم.
(المولى): لفظٌ مشتركٌ، يُطْلَقُ على المُعْتَقِ، والمُعْتِقِ والمالكِ، والنَّاصرِ، والجارِ، وابنِ العمِّ، والصَّاحبِ، والقريبِ، والحليفِ.
والمرادُ هنا: المالكُ والنَّاصرُ، وهو اللهُ تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد:11].
(عظيمَ الأجرِ): من بابِ إضافةِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ، والمرادُ: أجراً عظيماً.
(والعفوَ مع غُفرانِه): العفوُ والغُفرانُ:بمعنى التَّجاوُزِ عن الذَّنْبِ، والأوَّلُ أبلغُ؛ لأنه يفيدُ محوَ الشَّيءِ وإزالتَه، بخلافِ الغُفرانِ فإنه يدلُّ على التَّغطيةِ، وهذا لا يفيدُ الإزالةَ.
والدُّعاءُ لأهلِ العلمِ مِن حسنِ الأدبِ، وجميلِ الأفعالِ، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا) [الحشر: 10].
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَن آتَى إِلَيْكُمْ مَعْروفاً فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوْا فَادْعُوْا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ )
ومعروفُ العلمِ أعظمُ مِن معروفِ المالِ.
ولهذا تَسْتَغْفِرُ النَّمْلُ في جُحْرِها والحيتانُ في بحرِها لمعلِّمِ النَّاسِ الخيرَ.
(11) (النِّيَّةُ): العزمُ والقصدُ، فمَن قصَد شيئاً، وعزَم على فعلِه فقد نواه.
وبدأ النَّاظمُ بما يتعلَّقُ بالنِّيَّةِ تنبيهاً للقارئِ إلى استحضارِها وتخليصِها قبلَ البدءِ بهذه القواعدِ.
وقد استحبَّ جماعةٌ من السَّلفِ بَدْءَ المصنَّفاتِ بحديثِ النِّيَّاتِ لهذا المعني، كما فعَله الإمامُ البخاريُّ في (صحيحِه).
(شرطٌ) الشَّرطُ: ما يَلْزَمُ مِن عدمِه العدمُ، ولا يلزمُ من وجودِه وجودٌ، ولا عدمٌ لذاتِه.
مثالُ ذلك: الطَّهارةُ شرطٌ في صحةِ الصَّلاةِ، فلا يلزمُ من وجودِ الطَّهارةِ وجودُ صحةِ الصَّلاةِ ولا عدمُها، ويلزمُ مِن عدمِ الطَّهارةِ عدمُ صحةِ الصَّلاةِ.
فالنِّيَّةُ شرطٌ.
وقيل: ركنٌ، والأولُ هو الصَّحيحُ المشهورُ؛ لأنها ليست جزءاً من العملِ.
والشَّرطُ والرُّكنُ:
يَجْتَمعان في انعدامِ صحةِ العملِ عندَ عدمِهما.
ويفترقان في أن الرُّكنَ جزءٌ مِن حقيقةِ الفعلِ وماهيَّتِه.
كالرُّكوعِ من الصَّلاةِ، وأما الشَّرطُ فإنه خارجٌ عن حقيقةِ الفعلِ وماهيَّتِه، كاستقبالِ القبلةِ أثناءَ الصَّلاةِ، قال بعضُ العلماءِ:
الرُّكنُ ما في ذاتِ شيءٍ ولجا *** والشَّرطُ عن ماهيَّةٍ قد خرَجَا
لكن كلاهما إذا ما انْعَدَما *** انعدَمت حقيقةٌ معهما
(سائر العمل): لفظُ (سائر) يأتي في اللُّغةِ، بمعنى (كلِّ) باتفاقٍ، ويأتي بمعنى (الباقي) على خلافٍ فيه بينَ أهلِ اللُّغةِ.
وعلامةُ الأوَّلِ: ألا يتقدَّمَه ذكرُ شيءٍ معيَّنٍ يُعْتَبَرُ فرداً من أفرادِ ما بعدهَ، كقولِهم: سائرُ الطُّلابِ مجتهدون.
وعلامةُ الثَّاني: أن يتقدَّمَه ذكرُ شيءٍ معيَّنٍ هو فردٌ من أفرادِ ما بعدهَ، كقولِهم: (زيدٌ مجتهدٌ وسائرُ الطُّلابِ كُسالَى).
والمرادُ هنا الأوَّلُ، فيكونُ المعنى، (النِّيَّةُ شرطٌ لكلِّ الأعمالِ) وبها يُحْكَمُ على العملِ بالصَّلاحِ أو الفسادِ.
ويُسْتَثْنَى من هذا العمومِ أمران:
1- التُّروكُ، كتركِ الزنا وتركِ القتلِ، وتركِ سائرِ المعاصي، فهذه التُّروكُ داخلةٌ في الأعمالِ مِن جهةِ اللَّفظِ، لأن التَّركَ نوعٌ مِن أنواعِ الفعلِ، كما قال تعالى: (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 79] وأنْشَدَ بعضُ الصَّحابةِ:
لئِنْ قعَدْنا والنَّبيُّ يَعْمَلُ***لَذاك منا العملُ المضَلِّلُ
فالنِّيَّةُ ليست شرطاً في صحةِ التُّروكِ، فكلُّ مَن ترك المعاصيَ فذِمَّتُه بريئةٌ مِن الإثمِ، ولكن لا ثوابَ له على التَّركِ إلا بنيَّةِ الامتثالِ.
2- الأعمالُ الدُّنْيَويَّةُ المَحْضَةُ التي يَحْصُلُ المقصودُ منها بمجردِ الفعلِ، ولا يتوقَّفُ على النِّيَّةِ، كردِّ المغصوباتِ والدِّيونِ والأماناتِ إلى أهلِها، فإن المقصودَ هو رجوعُ المالِ إلى صاحبِه، وهذا يحصلُ بمجردِ الردِّ، ولا يتوقَّفُ على النِّيَّةِ.
وكذلك النَّفقةُ على الزَّوجةِ والأولادِ يُقْصَدُ بها سدُّ حاجتِهم، وهذا حاصلٌ بمجرَّدِ الفعلِ دونَ توقُّفٍ على نيَّةِ الامتثالِ، ولكن لا ثوابَ إلا بنيَّةٍ.
وهذا الاستثناءُ واردٌ على قولِ مَن عمَّم الأعمالَ في حديثِ: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ )تمسُّكاً بظاهرِ اللَّفظِ، وهو مذهبُ البخاريِّ رحِمه اللهُ.
وأما مَن خصَّ الأعمالَ في الحديثِ بالعباداتِ فلا يَرِدُ الاستثناءُ عليه.
والنَّاظمُ في هذا البيتِ يشيرُ إلى القاعدةِ الكُلِّيَّةِ الكبرى، وهي (الأمورُ بمقاصدِها) بمعنى أن تصرفاتِ المكلَّفِ تختلفُ أحكامُها باختلافِ مقصودِ الشَّخصِ ونيَّتِه فيها.
مثالُ ذلك: من وجَد مالاً مفقوداً، فإن أخَذَه بنيَّةِ التملُّكِ لنفسِه يكونُ غاصباً، ويلزمُه الضَّمانُ عند التَّلفِ، وأما إن أخَذه بنيَّةِ الحفظِ، وقصدِ التَّعريفِ، فإنه يكون أميناً، ولا يَضْمَنُ المالَ عند التَّلفِ إلا بالتَّفريطِ.
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه صلي الله عليه وسلَّم، (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ )متَّفقٌ عليه.
(12) (الدِّينُ) في اللُّغةِ: الطَّاعةُ والجزاءُ.
فمِن الأوَّلِ قولُ الشَّاعرِ:
وأيَّامٍ لنا غرٍّ طوالٍ *** عصَيْنا الملْكَ فيها أن نَدِينا
ومِن الثَّاني قولهمُ: (كما تَدِينُ تُدانُ) ومنه: (يومُ الدِّينِ)،أي: الجزاءِ.
وأُطْلِق على الشَّريعةِ لفظُ الدِّين لقيامِها على معنى الطَّاعةِ والجزاءِ.
(المصالح): جمعُ مصلحةٍ، وهي المنفعةُ وزناً ومعنًى.
(القبائح): هي المفاسدُ، جمعُ مفسدةٍ، وهي المضرَّةُ.
والمعنى أن الشَّريعةَ مبناها على جلبِ المصالحِ، ودرءِ المفاسدِ، فما أمَر الشرعُ بفعلٍ إلا وفيه مصلحةٌ راجحةٌ، وما نهَى عن فعلٍ إلا وفيه مفسدةٌ راجحةٌ.
وهذه هي القاعدةُ العامَّةُ التي تَرْجِعُ إليها أصولُ الشَّريعةِ وفروعُها، وسائرُ القواعدِ الفقهيَّةِ، كما قال الأهدلُ:
بل بعضُهم قد رجَّع الفقهَ إلى *** قاعدةٍ واحدةٍ مكمِّلا
وهي اعتبارُ الجلبِ للمصالحِ *** والدَّرءِ للمفاسدِ القبائحِ
بـــل قــال قد يرْجــعُ كــله إلى *** أولِ جزْئيْ هذه وقبلا
يعني: أن بعضَ العلماءِ وهو العزُّ بنُ عبدِ السَّلامِ -أرْجَع الفقهَ كلَّه إلى قاعدةٍ واحدةٍ، وهي: (جلبُ المصالحِ ودرءُ المفاسدِ).
وقال ابنُ السُّبْكيِّ: بل يَرْجِعُ الفقهُ كلُّه إلى الجزءِ الأوَّلِ مِن القاعدةِ، وهي: (جلبُ المصالحِ)؛ لأن درءَ المفاسدِ نوعٌ مِن جلبِ المصالحِ.
والدليلُ لهذه القاعدةِ: العمومُ والاستقراءُ.
أما العمومُ فمنه: قولُه تعالى: (إنَّ اللهَ يأًمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) (النحل:90).
قال ابنُ مسعودٍ رضِي اللهُ عنه: (هذه أجمعُ آيةٍ للخيرِ والشَّرِّ). يعني: أن كلَّ خيرٍ يدخلُ في الأمرِ المذكورِ في الآيةِ، وكلَّ شرٍّ يدخلُ في النَّهيِ المذكورِ فيها.
وأما الاستقراءُ -وهو تتبُّعُ الجزئيَّاتِ للوصولِ إلى حكمٍ كلِّيٍّ-: فهو واضحٌ من تتبُّعِ الأحكامِ، والنَّظرِ في عللِها وحِكَمِها.
(13) (التَّزاحُمُ): هو التَّعارُضُ بينَ أمرين بحيث لا يمكنُ الجمعُ بينَهما.
والمعنى: أن المصلحتَيْن إذا تعارَضَتا بحيث لم يمكنِ الجمعُ بينَهما بفعلِ الجميعِ، فيُؤْخَذُ بأعلاهما، ولو أدَّى إلى تفويتِ أدْناهما.
فإذا تعارَض واجبان، ولم يمكنِ الإتيانُ بهما فيُعْمَلُ بأوجبِهما، كمثلِ الزَّوجةِ إذا تعارَض في حقِّها أمرُ زوجِها وأمرُ أبويها، فتَعْملُ بأمرِ الزَّوجِ؛ لأن طاعتَه آكَدُ وأوجبُ.
وإذا تعارَض واجبٌ ومندوبٌ، ولم يمكنِ القيامُ بهما جميعاً، فيُؤْخَذُ بالواجبِ، ولو أدَّى إلى تفويتِ المندوبِ، كما لو أُقِيمت الصَّلاةُ المفروضةُ فلا يَشْرَعُ في النَّافلةِ، أو ضاق الوقتُ عن أداءِ الفريضةِ والنَّافلةِ فتُؤَدَّي الفريضةُ.
وإذا تعارَضت سنَّتان، فيُؤْخَذُ بالأوكدِ منهما.
وإذا تعارَضَت مصلحتان عامَّةٌ وخاصَّةٌ، فتقدَّمُ المصلحةُ العامَّةُ؛ لأنها آكَدُ.
(14) يعني: أن المفاسدَ إذا تعارَضَت بحيث لابدَّ من وقوعِ المكلَّفِ في بعضِها، فيرتكبُ المكلَّفُ أدنى المفاسدِ وأقلَّها، ويدفعُ أعلاها وأقْواها.
مثالُ ذلك: أن يتعارَضَ محرَّمٌ ومكروهٌ، فيفعلُ المضطرُّ المكروهَ، ولا يفعلُ المحرَّمَ، كما لو اضْطُرَّ إلى أكلِ الرِّبا أو المالِ المُشْتَبَهِ فيه، فيأكُلُ من المُشْتَبَهِ فيه.
ولو تعارض محرَّمان، أحدُهما متَّفقٌ على تحريمِه، والآخرُ مختلَفٌ فيه، فيرتكبُ المضطرُّ الثانيَ دونَ الأوَّلِ.
ولو تعارض مكروهان، فيرتكبُ المضطرُّ أدناهما كراهةً، وعلى هذا فقِسْ.
ويدلُّ لذلك قصةُ الخَضِرِ عليه السَّلامِ والسَّفينة، فقد تعارَضَت مفسدتان؛ أخْذُ الملكِ للسَّفينِة، أو خَرْقُها مع بقائِها في يدِ المساكينِ، فاختار خرقَ السَّفينِة؛ لأنه أهونُ ضررًا، وأقلُّ مفسدةً.
وكذلك النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُقِمْ حدَّ القَذْفِ على عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ بنِ سَلُولَ في حادثةِ الإفْكِ، مع أنه الذي توَلَّي كِبْرَها، وهذا مفسدةٌ، ولكنَّها كانت أقلَّ ضررًا، وأدنى مفسدةً من مفسدةِ الفتنةِ العظيمةِ التي كان يمكنُ أن تَقَعَ بالمدينةِ عندَ إقامةِ الحدِّ عليه؛ لأنه كان رجلاً متبوعاً، وله شوكةٌ.
وهذا أمرٌ مركوزٌ عندَ العقلاءِ، كما قيل:
إنَّ اللبيبَ إذا بدا مِن جسمِه *** مرضان مختلفان داوَى الأخْطَرَا
وبِقيَت صورةٌ ثالثةٌ لم يَذْكُرْها النَّاظمُ، وهي تعارُضُ المصالحِ بالمفاسدِ، والحكمُ فيها أن المعتبرَ هو الأرجحُ منهما، فإن كانت المصلحةُ هي الأرجحَ فيُباشِرُ الفعلَ، وإن كانت المفسدةُ هي الأرجحَ فيتركُ الفعلَ.
ويشهدُ لهذا الحديثُ الصحيحُ: (لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ وَلَبَنَيْتُهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ) .فبناءُ الكعبةِ على قواعدِ إبراهيم مصلحةٌ، ولكنَّ افتتانَ الضُّعفاءِ وتشهيرَ الأعداءِ مفسدةٌ راجحةٌ على تلك المصلحةِ، فترَكه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
وأما إذا تساوَت المصلحةُ والمفسدةُ، ولم تَرْجَحْ إحداهما، فدرءُ المفاسدِ مقدَّمٌ على جلبِ المصالحِ؛ لأن عنايةَ الشارعِ بتركِ المنهياتِ آكَدُ من عنايتِه بفعلِ المأموراتِ، كما في الحديثِ: (إذا أمَرْتُكم بشيءِ فأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُم، وإذا نهَيْتُكم عن شيءٍ فاجْتَنِبوه) .
ودرءُ المفسدةِ كرأسِ المالِ، وجلبُ المصلحةِ كالرِّبحِ، والمحافظةُ على رأسِ المالِ أولى من المحافظةِ على الربحِ.
(15) في النُّسخِ المُتداولةِ: (الشَّريعة) بدلُ (شرعِنا)، ولا يُقْرَأُ البيتُ بها إلا بتكلُّفٍ، فالأحسنُ قراءتُها (شرعِنا).
والشَّرعُ والشَّريعةُ في أصلِ اللُّغةِ: (موردُ الماءِ)، وأُطْلقِ على ما شرَعه اللهُ لعبادِه مِن الأحكامِ، تشبيهاً بشَريعةِ الماءِ؛ لأنَّ بها تحصلُ حياةُ القلوبِ، ويتحَقَّقُ الرِّيُّ المعنويُّ، كما أن الماءَ تحصلُ به حياةُ الأبدانِ، ويتحقَّقُ الرِّيُّ الحسِّيُّ.
وقد جاء الرِّيُّ المعنويُّ في قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: (إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِيِني).
وفي قولِ أبي الفتحِ البُسْتيِّ:
يا أيُّها العالِمُ المرضيُّ سيرتُه *** أبشِرْ فأنت بغيرِ الماءِ رَيَّانُ
ومعنى البيتِ: أنَّ من قواعدِ الشَّريعةِ، (المشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيسيرَ) بمعنى أنَّ الصُّعوبةَ والمشقَّةَ تكونُ سبباً للتَّخفيفِ في الحكمِ الشَّرعيِّ.
فالأصلُ أن اللهَ تعالى لا يُكَلِّفُ العبدَ بعملٍ فيه مشقَّةٌ زائدةٌ، ولكن إذا وقَعت عليه هذه المشقَّةُ لأمرٍ خارجيٍّ فإنَّ الشَّارعَ يخفِّفُ عنه الحكمَ ويُرَخِّصُ له، كما قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج:78].
ولكن ليس كلُّ مشقَّةٍ تكونُ سبباً للرُّخصةِ، وإنما المرادُ المشقَّةُ الزائدةُ غيرُ المعتادةِ، وهي التي تؤدِّي إلى هلاكِ المكلَّفِ أو مرضِه أو انقطاعِه عن العملِ، كالرَّجلِ إذا أجْنَب في ليلةٍ باردةٍ، وخشِي إن اغْتَسل أن يَمْرَضَ أو يَهْلِكَ، فيُرَخَّصُ له في التيمُّمِ وتركِ الغُسْلِ.
(16) الواجبُ: هو ما طَلب الشَّارعُ فعلَه على وجهِ اللِّزومِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ.
والمحرَّمُ: هو ما طلَب الشَّارعُ تركَه على وجهِ اللِّزومِ كالرِّبا والكذبِ.
ومعنى الشَّرطِ الأوَّلِ أنه لا واجبَ مع العجزِ، فإذا عجَز المكلَّفُ عن القيامِ بالواجبِ فلا يكونُ واجباً في حقِّه، كالأعْمَى والأعرجِ لا يَجِبُ عليهما الجهادُ لعجزِهما عنه.
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه تعالى: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16] .
وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
ومعنى الشَّرطِ الثَّاني، أنه لا محرَّمَ مع الضَّرورةِ، فالمكلَّفُ إذا اضْطُرَّ إلى فعلِ المحرَّمِ فإنه لا يكونُ محرَّماً عليه، ولا يكونُ آثِماً عندَ ذلك، كالمنقطعِ في الصَّحْراءِ يَضْطَرُّ إلى أكلِ الميتةِ فلا حرَجَ عليه في ذلك.
وهذا معني قولِ الفقهاءِ: (الضَّروراتُ تُبِيحُ المحظوراتِ).
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه تعالى: (وَقَدْ فَصَّلْ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) [الأنعام:119] ، فأخْبر أن المضْطرَّ إليه مُسْتَثْنًى مِن المحرَّماتِ.
(17) المحظورُ: المحرَّمُ والممنوعُ.
والمعنى أن المضطرَّ إلى المحرَّمِ يَجِبُ عليه أن يقتصرَ على المقدارِ الذي تَنْدفعُ به الضَّرورةُ.
وهذا معنى قولِ الفقهاءِ: (الضَّرورةُ تُقَدَّرُ بقدرِها)، وهي قيدٌ لقاعدةِ: (الضَّروراتُ تُبيحُ المحظوراتِ).
فالمضطرُّ إلى أكلِ الميتةِ يأْكلُ منها بقدرِ ما يدفَعُ به الهلاكَ عن نفسِه.
والمرأةُ المضطرَّةُ إلى الكشفِ عندَ طبيبٍ أجنبيٍّ تكشِفُ بمقدارِ ما يحتاجُ إليه العلاجُ دونَ زيادةٍ.
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة:173] ، فقيَّد نفيَ الإثمِ عن المضطرِّ بعدمِ البغيِ والعُدْوانِ.
والبغيُ: أن يأخذَ الإنسانُ بحكمِ الضَّرورةِ، وهو غيرُ مضطرٍّ.
والعدوانُ: هو تجاوُزُ مقدارِ الضَّرورةِ.
(18) (الأحكامُ): جمعُ حكمٍ، وهو: إثباتُ أمرٍ لآخرَ، أو نفيُه عنه، ويَنْقَسِمُ إلى:
حكمٍ عقليٍّ وشرعيٍّ ولُغَويٍّ وعاديٍّ.
والحكمُ الشرعيُّ هو: مدلولُ خطابِ اللهِ المتعلِّقِ بأفعالِ العبادِ طلباً أو تخييراً أو وضْعاً.
واليقينُ هو: الإدراكُ الجازمُ الذي لا تردُّدَ فيه.
والشَّكُّ: يُطْلَقُ على مطلقِ التَّردُّدِ، ويُطْلَقُ على الاحتمالِ المتساوِي الطَّرفَيْن.
والمعنى أن الإنسانَ إذا تحقَّق مِن وجودِ الشَّيءِ، ثم طَرأ عليه الشَّكُّ في زَوالِه، فيَرْجِعُ إلى الأصلِ المتيقَّنِ، وهو بقاؤُه واستمرارُه، ولا يَلْتَفِتُ إلى زَوالِه المشكوكِ فيه.
مثالُ ذلك: أن يتوضَّأَ المسلمُ لصلاةِ الظُّهرِ مثلاً، ثم يشكُّ في زوالِ الطَّهارةِ عندَ صلاةِ العصرِ، فإنه يَعْتَبِرُ نفسَه متوضِّئاً، ويبني على ذلك، لأنه الأصلُ المتيقَّنُ.
وكذلك: من شكَّ في طلاقِ امرأتِه، فإنه يبني على الأصلِ المتيقَّنِ، وهو بقاءُ الزَّوجيَّةِ.
وكذلك: من شكَّ في حصولِ الرَّضاع بينَه وبينَ امرأةٍ أجنبيَّةٍ، فيبني على الأصلِ المتيقَّنِ، وهو كونُها أجنبيَّةً عنه.
والأصلُ في هذه القاعدة قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه، ولم يَدْرِ كم صلَّى، ثلاثًا أم أربعًا؟ فلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، ولْيَبْنِ على ما استَيْقَن)
وكذلك لمَّا شُكِي إليه الرجلُ يُخَيَّلُ إليه أنه يَجِدُ الشيءَ في الصَّلاةِ، قال صلَّى الله عليه :(لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحا) .
وهذا الحكمُ صحيحٌ مُتَّجِهٌ إن كان المعارِضُ للأصلِ المتيقَّنِ هو الشَّكَّ بمعنى الاحتمالِ المتساوِي الطَّرفَيْن، فيُرَجَّحُ احتمالُ البقاءِ على احتمالِ الزَّوالِ بموافقةِ الأوَّلِ للحالةِ الأولى.
وأما إن كان المعارِضُ للأصلِ المتيقَّنِ هو الظنَّ بمعنى الاحتمالِ الراجحِ، فيَجْرِي فيه الخلافُ المعروفُ في تعارُضِ الأصلِ والغالبِ.
والأقربُ ترجيحُ الغالبِ بدليلِ وجوبِ العملِ بالبيِّنةِ الظَّنِّيَّةِ كشهادةِ الرجلين مع أن الأصلَ براءةُ الذِّممِ.
وبدليلِ عملِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بخبرِ المرأةِ السوداءِ في الرَّضاعِ مع كونِه خبرَ واحدٍ لا يفيدُ إلا الظَّنَّ، فترَك به الأصلَ، وهو عدمُ الرَّضاعِ.
والأصلُ والغالبُ إن تعارَضا *** فـقدِّمِ الغالبَ وهْو المرْتَضَى
وهذا من بابِ ترجيحِ القياسِ على التمسُّكِ بالبراءةِ الأصليةِ، كما هو مذهبُ الجُمهورِ؛ لأن الظَّنَّ المستفادَ مِن القياسِ الصحيحِ أقوى من الظَّنِّ المستفادِ مِن الاسْتِصْحابِ، والحكمُ المُسْتَصْحَبُ، وإن كان يقينيًّا في أصلِه إلا أنه ظَنِّيٌّ مِن جهةِ بقائِه واستمرارِه، فرجَعَت المسألةُ إلى تعارُضِ الظُّنونِ.
وإن كانت هناك فروعٌ مُسْتَثْناةٌ مِن القاعدةِ، تُذْكَرُ في المطوَّلاتِ (كقواعدِ) ابنِ رجبٍ، (وأشباهِ) السِّيوطيِّ.
(19) لمَّا ذكَر النَّاظمُ -رحِمه اللهُ- أن الواجبَ هو التَّمسُّكُ بالأصلِ المتيقَّنِ حتى يَثْبُتَ زوالُه، شرَع في بيانِ بعضِ الأصولِ التي يَجِبُ التَّمسُّكُ بها عندَ وُرودِ الشَّكِّ، وهي أصولٌ تابعةٌ لقاعدةِ: (اليقينُ لا يَزولُ بالشَّكِّ) وتُمَثِّلُ جانبَ اليقينِ منها، ولذا ذكَرها النَّاظمُ عَقِبَ القاعدةِ.
(والأصلُ): يُطْلَقُ الأصلُ على معانٍ متعدِّدةٍ، كالدَّليلِ، والرَّاجحِ، والقاعدةِ المستمرَّةِ، والحالةِ الأولى المُسْتَصْحَبةِ، والمرادُ هنا الأخيرُ.
(مياهنا): المياهُ جمعُ ماءٍ، وهو السائلُ المعروفُ الذي تحصلُ به الحياةُ.
فالأصلُ في هذه الأمورِ الأربعةِ الطَّهارةُ، فمتى وقَع الشَّكُّ في حصولِ النَّجاسةِ بها، فالواجبُ اعتبارُ الطَّهارةِ؛ لأنها الأصلُ المتيقَّنُ.
وذكْرُ الأشياءِ الأربعةِ لا يرادُ به التَّخصيصُ، بل المرادُ التَّمثيلُ، وإلا فالأصلُ في سائرِ الأشياءِ الطَّهارةُ حتى يثبتَ خلافُ ذلك بالدَّليلِ.
(20-21) (الأبضاعُ): جمعٌ مفردُه بُضْعٌ -بضمِّ الباءِ- ويُطْلَقُ على الفرجِ والجِماعِ والتَّزويجِ، والمرادُ هنا الأولُ، وقيل: الثَّاني، وبينَهما تلازمٌ.
(الأموال): جمعُ مالٍ، وهو كلُّ ما يُنتفعُ به، سمِّي مالاً؛ لأن النُّفوسَ تَميلُ إليه طَبْعًا.
(المعصوم): هو المسلمُ والذِّمِّيُّ، أُطْلِق عليهما لفظُ (المعصوم) لعِصمةِ دمِهما وأموالهِما شرعًا، وفي هذا التعبيرِ إشارةٌ على أن مَناطَ الحكمِ هو العصمةُ، فالمرتدُّ والكافرُ الحربيُّ تَحِلُّ دماؤُهم؛ لأنه لا عصمةَ لهما.
(ما يمل): أيْ: ما يُمْلَى عليك.
فأفاد النَّاظمُ أن الأصلَ في الفروجِ التَّحريمُ، فلا تُسْتَحَلُّ إلا ببيِّنةٍ واضحةٍ، فمن شكَّ في امرأةٍ هل هي زوجتُه، أو أجنبيَّةٌ عنه، فلا تَحِلُّ له شرعًا حتى تقومَ البيِّنةُ على الزَّوجيَّةِ.
وبهذا الأصلِ استدلَّ بعضُ العلماءِ على عدمِ جوازِ نكاحِ الإنْسيِّ للجِنِّيَّةِ والعكسِ، وتَأَيَّد هذا الأصلُ بقولِه تعالى: (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) [الروم،21].
فامْتَنَّ علينا بكونِ أزواجِنا منا، لا مِن غيرِنا، وأخْبَر أنه جعَلهن من أنفسِنا لأمرٍ مقصودٍ، وهو حصولُ السَّكَنِ والطِّمأنينةِ، وهذا غيرُ حاصلٍ في زواجِ الجِنِّيِّ بالإنْسيَّةِ، والعكسِ.
وكذلك الأصلُ في النُّفوسِ والأموالِ تحريمُها، فلا يجوزُ قتلُ المسلمِ أو الذِّمِّيِّ أو مصادرةُ أموالهِما إلا ببُرهانٍ شرعيٍّ واضحٍ، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (كلُّ المُسلِمِ على المُسلِمِ حَرَامٌ دمُه ومالُه وعِرْضُه) .
وأما اللحوم فقد ذكرالنَّاظمُ -رحِمه اللهُ- أن الأصلَ فيها التحريمُ، وهذا يحتاجُ إلى تفصيلٍ.
فالشكُّ إما أن يكونَ في إباحةِ جنسِ اللُّحومِ أو نوعِها، فيُتَمَسَّكُ بالأصلِ، وهو الإباحةُ، كما ذكَر البَهُوتيُّ وابنُ حزمٍ والشَّوكانيُّ وغيرُهم.
ودليلُ ذلك قولُه تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة 29].
وقولُه تعالى: (كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا) [البقرة:168].
وفي الحديثِ: (الْحَلالُ مَا أَحَلَّهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ، والْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا لَكُمْ) رواه التِّرمذيُّ وابنُ ماجه.
وإما أن يكونَ الشَّكُّ في توفُّرِ شروطِ الإباحةِ كالتَّسميَّةِ، فهنا قال بعضُ العلماءِ بأن الأصلَ التَّحريمُ فلا يَحِلُّ الأكلُ منها حتى تثبتَ شروطُ الإباحةِ، وقالوا: (الشُّكُّ في الشَّرطِ مانعٌ من ترتُّبِ المشروطِ)، لأن اللهَ تعالى لم يُحِلَّ لنا الأكلَ منها إلا بشروطٍ، فلابدَّ من ثبوتِها، والأصلُ عدمُها.
والأقربُ إباحةُ الأكلِ في هذه الصُّورةِ؛ لما رواه البخاريُّ، عن عائشةَ رضِي اللهُ عنها: (أنَّ أُناسًا قالوا،يا رسولَ اللهِ، إنَّ قومًا حَدِيثي عهدٍ بشركٍ، يأتوننا بلحمٍ، لا ندري أذَكَروا اسمَ اللهِ عليه، أو لم يَذْكُروا؟ قال: سَمُّوا أَنْتُمْ وكُلُوا) .
فلم يَعْتَبِرِ الشَّكَّ في وجودِ الشَّرطِ، وهكذا بقيةُ الشُّروطِ لعدمِ الفرقِ، وإن كان الأصلُ في الشُّروطِ عدمَ وجودِها إلا أن هذا الأصلَ عارَضه أصلٌ آخرُ، وهو كونُ الأصلِ في أفعالِ المسلمين الصِّحَّةَ، ووقوعَها على الوجهِ الشَّرعيِّ.
بالإضافةِ إلى معارضةِ الغالبِ، وهو وجودُ الشَّرطِ صحيحًا.
ويُسْتَثْنَى من ذلك بابُ الصَّيدِ، فإذا وقَع الشَّكُّ في المُبيحِ، وهو توفُّرُ الشُّروطِ، فلا يَحِلُّ الأكل منه لحديث :(إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وَسَمَّيْتَ فَكُلْ)، قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟ فَقَالَ: (لا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الآخَرِ)، مُتَّفقٌ عليه.
فمنَع من الأكلِ عندَ وجودِ الشَّكِّ في قاتلِه.
وكذلك في حديثِ عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، رضِي اللهُ عنه قال صلى الله عليه وسلم :(إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلْ فَكُلْ إِلا أَنْ تَجِدَهُ وَقَعَ فِي مَاءٍ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ) متَّفقٌ عليه.
فمنَع من الأكلِ مع الشَّكِّ في شرطِه، فلو كان الأصلُ الإباحةَ لمَا منَع مِن ذلك.
والفرقُ بينَ بابِ الصَّيدِ وبابِ الأطعمةِ والذَّبائحِ مِن وجهين:
1- أن الأصلَ، وهو عدمُ وجودِ الشَّرطِ، عارَضه الغالبُ وأصلٌ آخرُ في بابِ الأطعمةِ والذَّبائحِ، بِخلافِ بابِ الصَّيدِ.
2- أن بابَ الأطعمةِ والذَّبائحِ تتَعَلَّقُ به الحاجةُ العامَّةُ، بخلافِ الصَّيدِ، فليست الحاجةُ فيه كالحاجةِ في بابِ الأطعمةِ.
(22-23) (مذكورْ): بسكونِ الرَّاءِ، ويمكنُ كسرُها مع كسرِ الرَّاءِ في الشَّطرِ الأوَّلِ من بابِ الجرِّ بالمُجاورةِ كقولهِم: (جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ)، وكقولِ امرِيءِ القيسِ:
كأنَّ ثَبِيرًا في عَرانينِ وَدْقِه *** كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
والأصل: (مزملُ) بالرفعِ، والأوَّلُ أحسنُ.
وأفعالُ العبادِ تنقسمُ إلى قسمين:
عاداتٌ وعباداتٌ:
فالعاداتُ: ما يعتادُه النَّاسُ في أمورِ حياتِهِم كالمأكلِ والمشربِ والملبسِ والبيعِ والشِّراءِ، وسائرِ العقودِ والشُّروطِ.
والعباداتُ: هي: القُرُباتُ والطَّاعاتُ التي تعَبَّدنا الشَّرعُ بها، كالصَّلاةِ والصِّيامِ.
والفرقُ بينهما من وجوهٍ، منها:
1-أن العاداتِ معلومةُ المعنى على وجهِ التَّفصيلِ، بخلافِ العباداتِ، فإنَّها غيرُ معلومةِ المعنى على وجهِ التَّفصيلِ.
2-أن المقصودَ مِن العاداتِ هو جلبُ المصالحِ الدُّنْيَويَّةِ، والمقصودَ مِن العباداتِ التَّقرُّبُ بها إلى اللهِ تعالى.
فالأصلُ في العاداتِ والمعاملاتِ الإباحةُ، فلا يَحْرُمُ منها شيءٌ إلا مادلَّ عليه الدليلُ من الكتابِ أو السُّنَّةِ أو الإجماعِ أو القياسِ الصحيحِ.
وكلُّ مَن حرَّم شيئًا من ذلك طُولِب بالدَّليلِ السَّالمِ مِن المعارِضِ الرَّاجحِ، ولا يُطالَبُ المبيحُ بالدَّليلِ؛ لأنه متمسِّكٌ بالأصلِ.
والأصلُ في هذا قولُه تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة، 29] فامْتَنَّ علينا بإباحةِ الانتفاعِ بما خلَقه.
وقولُه تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف، 32] فأنْكَر اللهُ سبحانَه على مَن حرَّم شيئًا مِن الزِّينةِ والطَّيِّبَاتِ دونَ بُرْهَانٍ منه سبحانَه.
وأمَّا العباداتُ فالأصلُ فيها التَّحريمُ، فلا يُشْرَعُ منها شيءٌ إلا بدليلٍ صحيحٍ، وكلُّ مَن تقَرَّب بعبادةٍ، أو أَذِن فيها طُولِب بالدليلِ الرَّاجحِ، ولا يُطالَبُ المانعُ بإقامةِ الدَّليلِ على تحريمِها، لأنه متمسِّكٌ بالأصلِ.
والأصلُ في هذا قولُه تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ) [الشورى، 21] فأنكَر تشريعَ شيءٍ من القُرُباتِ دونَ إِذنٍ منه سبحانَه. وكذلك قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَنْ عَمِلَ عملاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) رواه مسلمٌ.
فقولُه: (فليس مشروعًا من الأمور) أي: الأمورِ العِباديَّةِ.
ولفظُ البيتِ يَحْتَمِلُ أن تُرادَ به مسألةٌ أصوليَّةٌ، وهي، (شرعُ مَن قبلَنا) فيكونُ المعنى أن شرعَ مَن قبلَنا ليس شرعًا لنا، وهو مذهبُ الشَّافعيِّ.
والجُمهورُ على أن شرعَ مَن قبلَنا شرعٌ لنا ما لم يَرِدْ شرعُنا بالنَّهيِ عنه، وهو الصَّحيحُ؛ لقولِه تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام، 90).
ولكنَّ التَّفْسيرَ الأوَّلَ للبيتِ هو الأقربُ.
24- (وسائلُ الأمورِ كالمقاصدِ *** واحْكُمْ بهذا الحكمِ للزَّوائدِ)
(24) تنقسمُ الأفعالُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
1- مقاصدُ، وهي الأفعالُ المقصودةُ لذاتِها؛ لتضمُّنِها المصلحةَ أو المفسدةَ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ والجهادِ.
2- وسائلُ، وهي الأفعالُ غيرُ المقصودةِ لذاتِها؛ لعدمِ تضمُّنِها المصلحةَ أو المفسدةَ، وإنما تُباشَرُ لِيُتَوَصَّلَ بها إلى المقاصدِ، كالسَّعيِ إلى المسجدِ، والخروجِ إلى الجهادِ.
3- زوائدُ ومتمِّماتٌ: وهي الأفعالُ الواقعةُ بعدَ حصولِ المقصودِ، كالرُّجوعِ مِن المسجدِ، والعودةِ مِن الجهادِ.
والجُمهورُ يجعلون القِسمةَ ثُنائيةً؛ لأن الزوائدَ نوعٌ مِن الوسائلِ، وهو الأقربُ.
والمعنى أن الوسائلَ لها أحكامُ المقاصدِ، فوسائلُ الحرامِ محرَّمةٌ، ووسائلُ المكروهِ مكروهةٌ، ووسائلُ المباحِ مباحةٌ، ووسائلُ الواجبِ واجبةٌ، ووسائلُ المندوبِ مندوبةٌ، سواءٌ توقَّفَت عليها أم لا.
والأصلُ في هذه القاعدةِ: المعنى والاستقراءُ.
أما المعنى: فإن الوسائلَ فرعٌ تابعٌ للمقاصدِ، والفرعُ يأخذُ حكمَ الأصلِ، والتابعُ يُعْطَى حكمَ المتبوعِ.
وأما الاستقراءُ: فواضحٌ مِن التَّأمُّلِ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ.
والصَّحيحُ أن هذه القاعدةَ أغلبيَّةٌ، فوسائلُ المطلوبِ ليست كلُّها مطلوبةً، بل إحداها بدونِ تعيينٍ لتحقُّقِ المطلوبِ بذلك.
وكذلك الزَّوائدُ لها أحكامُ المقاصدِ، والمرادُ مِن جهةِ الأجرِ والثوابِ، فالرُّجوعُ مِن الجهادِ مُثابٌ عليه، والرُّجوعُ مِن عِيادةِ المريضِ مثابٌ عليه.
والأصلُ في هذا قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ). رواه أبو داودَ بسندٍ صحيحٍ.
وهكذا آثارُ العملِ الصَّالحِ التي ليست من فعلِه، كالتَّعبِ والظَّمأِ للمُجاهدِ، والخُلوفِ للصَّائمِ.
أما المعصيةُ فلا عقابَ على توابعِها كالرُّجوعِ من حانةِ الخمرِ، بل على آثارِها النَّاشئةِ عنها، كاختلاطِ الأنسابِ في الزِّنا، وغيابِ العقلِ في شربِ الخمرِ.
(25-26) الخطأُ: مهموزةٌ بفتحتين يُقْصَرُ ويُمَدُّ، ضدُّ الصَّوابِ، وذلك بأن يريدَ الشَّخصُ الصَّوابَ، فيقعَ في غيرِه، فهو غيرُ متعمِّدٍ، أما إن أراد غيرَ الصَّوابِ، فيقالُ: قصدَه وتعمَّدَه.
وقيل: الخطأُ ضدُّ الصَّوابِ في كلِّ شيءٍ، سواءٌ كان عامدًا أم غيرَ عامدٍ.
والإكراهُ: الحملُ على الفعلِ قهرًا، ويقالُ: الكَرْهُ -بفتحِ الكافِ- وضدُّه الطَّوْعُ، كما قال تعالى: (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا)، [فصلت:11].
والنِّسيانُ: زَوالُ المعلومِ، وضدُّه الذِّكْرُ، وهو مرادفٌ للسَّهوِ عندَ الجُمهورِ.
وقيل: النِّسيانُ زَوالُ المعلومِ مِن الذِّهنِ بالكُلِّيَّةِ بحيث إذا ذكَّرْتَه لم يَتَذَكَّرْ.
وأما السَّهوُ فهو زوالُ المعلومِ بحيث لو ذكَّرْتَه لَتذكَّر، كما قال في (المراقي):
زوالُ ما عُلمَ قـُلْ نـِسيانُ *** والعلمُ في السَّهوِ له اكْتنانُ
والإتلافُ: الإهلاكُ، يقال: أتْلف المالَ، أي، أهْلكه.
والبدلُ والبديلُ: العِوَضُ.
والزَّلَلُ: الخطأُ.
والمعنى: أنَّ اللهَ تعالى رفَع الإثمَ عن المكلَّفِ إذا وقَع في المعصيةِ بسببِ الخطأِ أو الإكراهِ أو النِّسيانِ.
والأصلُ في هذا قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنَّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) .
وقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) [البقرة، 286] . (قال اللهُ: قد فَعَلْتُ)، رواه مسلمٌ.
ولكن إذا حصَل معها إتلافٌ لنفسِ معصومٍ أو مالِه، فيجبُ الضَّمانُ والعِوَضُ لوقوعِ سببِه، وهو الإتلافُ، وينتفي الإثمُ لعدمِ القصدِ والاختيارِ، فالإتلافُ يستوي فيه المتعمِّدُ والجاهلُ والنَّاسي، والضَّمانُ ثابتٌ في الجميعِ؛ حِفاظًا على حقوقِ الآدميِّينَ من الضَّياعِ، ولهذا أوجب اللهُ الدِّيَةَ في القتلِ الخطأِ.
أما إذا كان الإتلافُ متعلِّقًا بحقِّ اللهِ تعالى كالمُحْرِمِ إذا قتل الصَّيدَ خطأً، فالجُمهورُ على وجوبِ الجزاءِ والضَّمانِ؛ لأنه من بابِ الإتلافِ، وذهَب بعضُ العلماءِ إلى عدمِ الضَّمانِ؛ لأنه متعلِّقٌ بحقِّ اللهِ تعالى، ولم يكنْ مقصودًا، ويُؤَيِّدُه ظاهرُ الآيةِ: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مَنَ النَّعَمِ) [المائدة:95].
(27) الاستقلالُ: الانفرادُ.
ذكر النَّاظمُ في هذا البيتِ قاعدة: (يجوزُ تبعًا ما لا يجوزُ استقلالاً).
ومعناها: أن العملَ قد يكونُ ممنوعًا حالةَ انفرادِه، وجائزًا حالةَ وقوعِه تَبَعًا لغيرِه.
وهذا كما يقالُ: (الشيءُ مع غيرِه، غيرُه لا مع غيرِه).
ومثالُ ذلك: المعتكِفُ لا يجوزُ له الخروجُ لعيادةِ المريضِ، ولكن لو خرَج لقضاءِ الحاجةِ، ثم عاد مريضًا في طريقِه دونَ تطويلٍ، فهو جائزٌ، كما قالت عائشةُ رضِي اللهُ عنها: (إن كنتُ أدخلُ البيتَ للحاجةِ، والمريضُ فيه، فما أسْأَلُ عنه، إلا وأنا مارَّةٌ) . رواه مسلمٌ.
وكذلك لا يجوزُ لأحدٍ أن يُصَلِّيَ عن أحدٍ، ولكن لو حجَّ عن غيرِه أو اعتمر، فله أن يصليَ ركعتَيِ الطَّوافِ؛ نيابةً عن صاحبِه تبعًا للنِّيابةِ في النُّسُكِ.
(28) العرفُ: ما استمر عليه عملُ الناسِ في أمورِ حياتِهم، كتعارُفِهم على أمرٍ معيَّنٍ في الكلامِ أو اللِّباسِ أو الطَّعامِ ونحوِ ذلك.
وهو بمعنى العادةِ، إلا أن العادةَ لُغةً أعمُّ مِن العرفِ لإطلاقِها على عادةِ الفردِ والجماعةِ، بخلافِ العرفِ فإنه يختصُّ بعادةِ الجماعةِ.
والحدُّ لُغةً: التمييزُ والفصلُ والمنعُ.
فمِن الأولِ قولُهم: حدَدْتُ الدَّارَ حدًّا، أي: ميَّزْتُها عن مُجاوِراتِها بذكرِ نِهاياتِها.
والثاني قريبٌ من هذا، ومنه قولُ الشَّاعرِ:
وجاعل الشمسِ حدًّا لا خَفاءَ به
ومن الثالثِ الحدودُ المقدَّرةُ في الشَّرعِ، لأنها تَمْنَعُ من الإقدامِ، ويسمَّي الحاجبُ حَدَّادًا؛ لأنه يمنعُ من الدخولِ.
ومعنى البيت: أن الحكمَ الشرعيَّ إذا كان يحتاجُ إلى تمييزٍ وتقديرٍ، ولم يَرِدْ في الشَّرعِ، فإنه يُرْجَعُ في تمييزه وتقديرِه إلى العرفِ، أما إذا حدَّه الشَّرعُ وقدَّره كحدِّ الزِّنا والقذفِ، فالمرجِعُ إليه، ولا عبرةَ بغيرِه.
فالشَّارعُ الحكيمُ أمَر ببرِّ الوالدَيْن، ونهَى عن عُقوقِهما، ولم يُحَدِّدِ الأعمالَ التي تُعَدُّ من بابِ البِرِّ، والأعمالَ التي تُعَدُّ مِن بابِ العُقوقِ، فيُرْجَعُ في تحديدِ ذلك إلى العرفِ، فكلُّ ما يُعَدُّ من البرِّ عرفًا يُؤْمَرُ به، وكلُّ ما يُعَدُّ من العقوقِ عرفًا يُنْهَي عنه.
قال بعضُ العلماءِ:
حدُّ العقوقِ ما يُهَيِّجُ الغَضَبْ *** عُرفـًا لأمٍّ كان ذاك أو لأبْ
وهكذا الأمرُ في صلةِ الأرحامِ واللٍّباسِ والنَّفقةِ، والعملِ اليسيرِ الذي لا يُبْطِلُ الصَّلاةَ. والأصلُ في هذه القاعدةِ:
- قولُه تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). [النساء: 19].
- وقولُه تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). [البقرة: 233].
- وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم لهند بنتِ عُتْبةَ -رضِي اللهُ عنها-: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمعروف).
وهذا المعني داخلٌ ضمنَ القاعدةِ الكُلِّيَّةِ: (العادةُ مُحَكَّمةٌ).
واعتبارُ العرفِ شرعًا مشروطٌ بأمورٍ:
1- ألاَّ يُخالِفَ نصوصَ الشَّريعةِ أو قواعدَها، وإلا فهو عرفٌ فاسدٌ:
والعرفُ إن صادَم أمْرَ البَارِي *** لزِم أن يُنـْبَذَ فـي البـَرارِي
2- ألاَّ يُخالِفَ شروطَ المتعاقِدَيْن.
3- أن يكونَ العرفُ مُطَّرِدًا أو غالبًا، فإن كان مُضْطَرِبًا فلا يُرْجَعُ إليه.
(29) (آنِه): آنَ يَئِينُ أَيْنًا، مثلُ: حانَ يَحِينُ حينًا وزنًا ومعنًى، والأَوانُ -بفتحِ الهمزةِ، وكسرُها لُغةٌ- هو الحِيُن.
وأمَّا آنَ في الأمرِ يَئُون أوْنًا، فمعناه: رفَق به.
فالصوابُ لُغةً أن يقالَ: (قبلَ أوانِه)، ولكنه لا يَسْتَقِيمُ وزنًا، أو يقالَ: (قبل أَيْنِه).
(بَاءَ) أي: رجَع، ويقالُ: باء بالذَّنْبِ، أي: ثَقُل به.
والمعني أن مَن تعَجَّل حقًّا مِن حقوقِه، أو تعجَّل أمرًا قبل وقتِه، وتوسَّل لذلك بوسيلةٍ محرَّمةٍ، فإنه يَأْثَمُ لمباشرتِه الوسيلةَ المحرَّمةَ، ويُحْرَمُ من الحقِّ؛ تَعْزيرًا له.
ويُعَبِّرُ الفقهاءُ عن هذا بقولِهم، (مَن تعجَّل شيئًا قبلَ أوانِه عُوقِب بِحرمانِه)، وتُسَمَّى بقاعدةِ:المعاملةُ بنقيضِ المقصودِ.
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (لا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا).
وقاس الفقهاءُ على هذا كلَّ مَن توسَّل بوسيلةٍ ممنوعةٍ؛ استعجالاً لأمرٍ مشروعٍ؛ معاملةً له بنقيضِ مقصودِه.
ولمَّا كان ابنُ حزمٍ مُنْكِرًا للقياسِ قصَر الحكمَ على القاتلِ عملاً بالنَّصِّ، ونفاه عن غيرِه بِناءً على بُطلانِ القياسِ عندَه.
ومن فروعِ القاعدةِ:
- أن أُمَّ الولدِ إذا قتَلَت سيدَها استعجالاً لحرِّيَّتِها، فإنها تُحْرَمُ منها تعزيرًا.
- والغالُّ مِن الغَنيمةِ يُحْرَمُ سهمَه منها تعزيرًا.
- وكذلك المُوصَى له إذا قتَل المُوصِيَ استعجالاً للوصيَّةِ، فإنه يُحْرَمُ منها؛ معاملةً له بنقيضِ مقصودِه.
- ومن تزَوَّج امرأةً في عدَّتِها - مِن غيرِه - تُحَرَّمُ عليه تأبِيدًا عندَ بعضِ الفقهاءِ.
وقد ذكَر جماعةٌ مِن العلماءِ فروعًا تحتَ القاعدةِ لا تدخلُ فيها؛ لأن الوسيلةَ فيها غيرُ ممنوعةٍ، لكنهم ذكَروها تحتَ القاعدةِ لمجردِ المعاملةِ بنقيضِ المقصودِ.
(30) الفسادُ لُغةً: ضدُّ الصَّلاحِ، وهو إلى الحيوانِ أسرعُ منه إلى النَّباتِ، وإلى النَّباتِ أسرعُ منه إلى الجمادِ؛ لأن الرُّطوبةَ في الحيوانِ أكثرُ مِن الرُّطوبةِ في النَّباتِ، والحرارةُ تَدْفعُ العُفونةَ، ومِن هنا قال بعضُ الفقهاءِ: (ويُقَدَّمُ ما يَتَسارعُ إليه الفسادُ فيُبْدَأُ ببيعِ الحيوانِ). ذكَره الفَيُّوميُّ في المِصْباحِ بمعناه.
والفسادُ عندَ الفقهاءِ: عدمُ سقوطِ القضاءِ في العباداتِ، وعدمُ ترتُّبِ أثرِ العقدِ عليه في المعاملاتِ، وهو مرادفٌ للبُطلانِ عندَ جُمهورِ الأصوليِّين.
(وخَلَل): الخللُ على وزنِ جَبَل، يُطْلَقُ على أمرين:
أ- الفُرْجةُ بينَ الشَّيئين.
ب- الاضْطرابُ وعدمُ الانتظامِ، والمرادُ هنا الثاني.
وذكر النَّاظمُ في هذا البيتِ تفصيلاً يتعلَّقُ بمسألةٍ أصوليَّةٍ، وهي: (اقتضاءُ النهيِ الفسادَ).
وبيانُ هذا التفصيلِ أن نَنْظُرَ إلى متعلَّقِ النهيِ ومَرْجِعِه، فإن كان النهيُ متعلِّقًا بذاتِ الفعلِ وراجعًا إلى ركنٍ مِن أركانِه، أو شرطٍ مِن شروطِه، كالنَّهيِ عن بيعِ الخمرِ والخنزيرِ، والنَّهيِ عن الصَّلاةِ بدونِ طَهارةٍ، أو قبلَ دخولِ الوقتِ، فإنه يقتضي فسادَ العملِ.
وأما إن كان النَّهيُ متعلِّقًا بوصفٍ خارجٍ، ولا يَرْجِعُ إلى ذاتِ الفعلِ ولا شرطِه، فإنه لا يقتضي الفسادَ، بل يُحْكَمُ عليه بالصِّحَّةِ؛ لتوفُّرِ شروطِ الفعلِ وأركانِه، ويحكمُ على الفاعلِ بالإثمِ لارتكابِه الفعلَ المنهيَّ عنه.
وذلك كمَن صلَّى، وعليه عِمامةٌ مِن حريرٍ، أو لابسًا خاتمًا مِن ذهبٍ، فصلاتُه صحيحةٌ؛ لتوفُّرِ شروطِها وأركانِها، ولُبْسُه لعمامةِ الحريرِ أو خاتَمِ الذَّهبِ مُحَرَّمٌ.
(31) (مؤذيه): مِن الإيذاءِ، وهو إيصالُ المكروهِ.
والضَّمانُ: التزامُ العِوَضِ وردِّ المِثْلِ.
والمعنى: أن مَن أتْلَف صائلاً لدفعِ أذاه فلا ضَمانَ عليه؛ لأن الصَّائلَ هو المتعدِّي والظَّالمُ، ولكن بشرطِ الدَّفعِ بالَّتي هي أحسنُ، أي: لا يكونُ الدَّافعُ متعدِّيًا في دفعِه، فمن أمكن دفعُه بالتهديدِ فلا يُضْرَبُ، ومن أمكن دفعُه بالضَّربِ فلا يجوزُ دفعُه بالقتلِ؛ لقولِه تعالى: (ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [فصلت: 34]، فإن تعَدَّى في الدِّفاعِ فهو ضامنٌ.
وأما إن كان المُتْلَفُ -بفتحِ اللاَّمِ- غيرَ الصَّائلِ فيجبُ ضَمانُه، وهذا ما عبَّر عنه الحافظُ ابنُ رجبٍ بقولِه: (مَن أَتْلَف شيئًا لدفعِ أذاه لم يَضْمَنْه، ومَن أتلفه لدفعِ أذًى به ضمِنه) وهذا أقربُ إلى المسائلِ الفقهيَّةِ منه إلى القواعدِ.
(32) شرَع النَّاظمُ -رحِمه اللهُ- في بيانِ بعضِ الألفاظِ التي يُستفادُ منها العمومُ لُغةً، وهي مسائلُ لُغويَّةٌ في الأصلِ، ذكَرها الأصوليُّون وغيرُهم لتوقُّفِ الاستدلالِ بالنُّصوصِ على معرفِتها.
فمنها: أداةُ التعريفِ (أل) على مذهبِ الخليلِ بنِ أحمدَ، أمَّا لو مشَيْنا على مذهبِ الجُمهورِ، فنقولُ: (لامُ التعريفِ)؛ لأن التَّعريفَ عندَهم حاصلٌ باللاَّمِ وحدَها، والألفُ للوَصْلِ بدليلٍ سقوطها في دَرَجِ الكلامِ، ولو كانت للقطعِ لَثبَتَت فيه.
قال ابنُ مالكٍ:
(ألْ) حرفُ تعريفٍ أو اللاَّمُ فَقَطْ *** فـنـَمطٌ عـرَّفْتَ قُلْ فـيه النَّمـَطْ
(الكلَّ): (كلّ)، لفظٌ يَدُلُّ على الشُّمولِ والاستغراقِ، ولفظُه واحدٌ، ومعناه جمعٌ، ولهذا يجوزُ أن يعودَ الضَّميرُ على اللَّفظِ تارةَ، وعلى المعنى تارةً أخري.
ودخولُ (أل) على (كلّ وبعض) أجازه بعضُ النُّحاةِ على أنه عِوَضٌ عن المضافِ إليه المحذوفِ، إلا أنه لم يَرِدْ في كلامِ القُدماءِ مِن أهلِ العربيَّةِ، ولذا أنكر الأصْمَعيُّ قولَ ابنِ المُقَفَّعِ: (العِلْمُ كثيرٌ، ولكنْ أخْذُ البعضِ خيرٌ مِن تركِ الكلِّ)، وذكر أن (كل وبعض) مَعْرِفتان، أي: لا يُسْتَعْملان إلا مضافًا لفظًا أو تقديرًا، فلا تدخلُهما الألفُ واللاَّمُ.
(العمومُ): هو شمولُ اللفظِ لجميعِ أفرادِه دَفْعةً بلا حصرٍ.
والمعنى: أن (أل) تفيدُ العمومَ مثلُ (كل)، سواءٌ دخَلت على جمعٍ أم على مفردٍ، ومَحَلُّ ذلك إذا لم تكنْ للعهدِ.
مثالُ الجمعِ: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ).
فإنَّه يَعُمُّ كلَّ مشركٍ إلا ما خصَّه الدَّليلُ.
ومثالُ المفردِ: (إنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فإنَّ (أل) إذا دخَلت على أسماءِ اللهِ وصفاتهِ، أفادت جميعَ ذلك المعنى واسْتَغْرَقَتْه، فمعنى العليمِ: الذي له العلمُ الكاملُ الشَّاملُ لكلِّ معلومٍ.
ودليلُ إفادتِه العمومَ صحَّةُ الاستثناءِ منه، كقولِه تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ....) [العصر: 3، 2] والاستثناءُ مِعيارُ العمومِ إلا في العددِ.
وقد نصَّ على ذلك أهلُ اللُّغةِ، وكلامُهم حجَّةٌ في المسائلِ اللُّغويَّةِ.
(33) (النَّكِراتُ): جمعُ نكرةٍ، وهي اسمٌ وُضِع لشيءٍ لا بعينِه، ويَقْبَلُ دخولَ (أل) التَّعريفيَّةَ حقيقةً أو حكمًا، كرجلٍ وفرسٍ، كما قال ابنُ مالكٍ:
نــكــرةٌ قــابــلُ أل مــُؤَثِّرَا *** أو واقعٌ موقعَ ما قد ذُكِرَا
والنُّفيُ ضدُّ الإثباتِ، والنُّهيُ ضدُّ الأمرِ.
والمعنى: أن النَّكرةَ إذا وقَعَت بعدَ النَّفيِ أو النَّهيِ فإنها تفيدُ العمومَ.
مثالُ النَّكرةِ بعدَ النَّفيِ: قولُه تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ) [النحل: 53]، فيشْمَلُ كلَّ نعمةٍ، وقولُه تعالى: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا) [الانفطار: 19]، يَعُمُّ كلَّ نفسٍ، وكلَّ شيءٍ.
ومثالُ النَّكرةِ بعدَ النَّهيِ: قولُه تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا) [الجن: 18]، يَعُمُّ كلَّ أحدٍ غيرَ اللهِ تعالى.
والدَّليلُ على إفادتِها العمومَ في هذا الموضعِ أن مَن قال: (لا إلهَ إلا اللهُ) فقد صار مؤمنًا موحِّدًا، لأنه نفَى الأُلوهيَّةَ عن كلِّ أحدٍ، وأثْبتها للهِ تعالى، ولو لم تُفِدِ العمومَ لمَا كان موحِّدًا،
والنَّهيُ في حكمِ النَّفيِ، يَجْرِيان مِن وادٍ واحدٍ، كما يقولُ علماءُ العربيَّةِ.
(34) (مَن): سواءٌ كانت شرطيةً أم موصولةً.
والغالبُ أن تُسْتَعْمَلَ في العقلاءِ، ومِن غيرِ الغالبِ قولُه تعالى: (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) [النور: 45].
(ما) : سواءٌ كانت شرطيَّةً أم موصولةً.
والغالبُ أن تُسْتَعْمَلَ في غيرِ العقلاءِ، ومِن غيرِ الغالبِ قولُه تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * ونَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) [الشمس، 5-7] وقولُه تعالى: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) [الكافرون: 3].
(معًا): اسمٌ منصوبٌ على الحاليَّةِ أو الظَّرْفِيَّةِ، وهو اسمٌ مقطوعٌ عن الإضافةِ يفيدُ الاجتماعَ، كقولِ مُتَمِّمِ بنِ نُوَيْرةَ:
فـلـمَّا تـفــَرَّقْنا كأنِّي ومـالـكًا *** لطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً مَعَا
والمرادُ أن كلاًّ منهما يفيدُ العمومَ بمفردِه، وليس المرادُ أنهما يفيدان العمومَ عندَ اجتماعِهما، كما هو الظاهرُ.
(يا أُخَيَّ): تصغيرُ (أَخِي) وفائدتُه التَّحبُّبُ وتقريبُ المنزلةِ، وهذا مِن تواضعِ النَّاظمِ وحسنِ أخلاقِه، حيث جعَل الطالبَ المخاطَبَ بمنزلةِ الأخِ الصَّغيرِ.
والتَّصغيرُ يأتي لفوائدَ أخرى كالتَّقليلِ في الكَمِّيَّةِ نحوَ: (له عندي دُرَيْهِماتٌ)، وتقريبِ الزمانِ، نحوَ (قُبَيْلَ الفجرِ)، وللتَّحقيرِ نحوَ: (رأيْتُ رُجَيْلاً فاسقًا).
والمعنى: أن (مَن) و(ما) من الصِّيغِ التي تُفيدُ العمومَ والاستغراقَ.
مثالُ (مَن) الشَّرطيَّةِ: قولُه تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَيَحْتَسِبُ) [الطلاق: 3، 2] .
ومثالُ الموصولةِ: قولُه تعالى: (أَلاَ إِنَّ للهِ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ) [يونس، 66].
ومثالُ (ما) الشَّرطيَّةِ:
قولُه تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ) [البقرة: 197].
وقولُه: (مَا نَنْسَخْ مِن آيةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: 106].
ومثالُ (ما) الموصولةِ:
قولُه تعالى: (وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيِجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) [النجم، 31].
وقولُه: (اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) [الرعد: 8]. وقولُه: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ) [النحل 96].
(35) (المفردُ): الاسمُ الدالُّ على الواحدِ، ويقابلُه المثنَّى والجمعُ.
(الرُّشد): الهِدايةُ وفعلُ الصوابِ، وضدُّه الغَيُّ والضَّلالُ، كما قال تعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ) [البقرة: 256]، وفرَّق بعضُ أهلِ اللُّغةِ بينَه وبينَ الرَّشَدِ -بفتحِ الراءِ والشِّينِ- بأن الأوَّلَ يقالُ في الأمورِ الدُّنيويَّةِ والأُخْرويَّةِ، أمَّا الثَّاني فيقالُ في الأمورِ الأُخْرويَّةِ فقط، ذكَره الراغبُ.
والمعنى: أن المفردَ المضافَ إلى معرفةٍ يفيدُ العمومَ مثلَ (أل)، فلا يُسْتَثْنَى منه شيءٌ إلا بدليلٍ.
وذلك كقولِه تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا) [النحل: 18]، فيَعُمُّ كلَّ نِعْمةٍ دِينيَّةٍ أو دُنْيويَّةٍ، ظاهرةٍ أو باطنةٍ.
وكقولِه تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) [النور: 63] فيَعُمُّ كلَّ أمرٍ.
وكذلك الجمعُ المضافُ إلى معرفةٍ يفيدُ العمومَ، فلا يُسْتَثْنَى منه شيءٌ إلا بدليلٍ، كقولِه تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) [النساء، 11]، فيَعُمُّ جميعَ الأولادِ، ذكورًا وإناثًا، صغارًا وكِبارًا.
وبهذا العمومِ احتجَّت فاطمةُ رضِي اللهُ عنها لميراثِها مِن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يُخالِفْها الصَّحابةُ في الاستدلالِ بالآيةِ، ولكنهم احتجُّوا عليها بدليلِ التَّخصيصِ، وهو قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة).
فأخرَج أولادَ الأنبياءِ من عمومِ الآيةِ.
(36) (الشُّروطُ): جمعُ شَرْطٍ، وأما الشَّرَطُ -بفتحِ الِّشينِ والرَّاءِ- فجمعُه أشراطٌ، ومنه أشراطُ الساعةِ، أي: عَلاماتُها، وقد سبَق بيانُ معنى (الشَّرْطِ).
(الموانعُ): جمعُ مانعٍ، وهو: ما يَلْزَمُ مِن وجودِه العَدَمُ، ولا يَلْزَمُ مِن عدمِه وجودٌ ولا عدمٌ لذاتِه، كالحيضِ مانعٌ مِن صحَّةِ الصَّلاةِ، فيَلْزَمُ مِن وجودِه عدمُ صحَّةِ الصَّلاةِ، ولكن لا يلزمُ من عدمِه وجودُ صحَّةِ الصَّلاةِ ولا عدمُها.
والمعنى: أن الحكمَ لا يثبُتُ، ولا تَتَرتَّبُ عليه آثارُه حتى تثبُتَ شروطُه وتنتفيَ موانعُه، فإذا تخلَّف شرطٌ، أو وُجِد مانعٌ، لم يثبتِ الحكمُ.
- فالوضوءُ لا يحكمُ عليه بالصِّحَّةِ حتى تتوَفَّرِ شروطُه، وتنتفيَ موانعُه.
- والصَّلاةُ لا تصحُّ حتى تتوفَّرَ شروطُها، وتنتفيَ موانعُها.
- والميراثُ لا يثبتُ حتى تثبتَ شروطُه، وتنتفيَ موانعُه.
- والحكمُ على المُعَيَّنِ بالكفرِ لا يثبتُ إلا بعدَ توفُّرِ الشُّروطِ، وانتفاءِ الموانعِ.
- وهكذا الدُّعاءُ لا يُستجابُ إلا بتوفُّرِ شروطِه وانتفاءِ موانعِه.
- وكذلك التَّوحيدُ لا يُثْمِرُ ثَمَراتِه إلا بتوفُّرِ شروطِه كالصِّدقِ والإخلاصِ، وانتفاءِ موانعِه كالشِّركِ والبدعةِ والمعصيةِ.
وهذه قاعدةٌ نافعةٌ عامةٌ في كلِّ المسائلِ والأبوابِ الفقهيَّةِ.
(37) (استحقَّ): أي: اسْتَوْجَب الأجرَ، وصار أحقَّ مِن غيرِه.
والمعنى: أن الشخصَ إذا أدَّى العملَ الواجبَ عليه، وأتـمَّه، فإنه يستحقُّ الأجرَ الذي جُعِل له.
مثالُ ذلك: المجعولُ له لا يستحقُّ الجُعْلَ المسمَّى إلا إذا عمِل العملَ وأكْمَله.
والنَّاظرُ لا يستحقُّ الأُجْرةَ إلا إذا قام بأعمالِ النَّاظرِ كاملةً.
وكذلك الأجيرُ على عملٍ لا يستحقُّ الأجرةَ إلا إذا أدَّى العملَ كاملاً، ما لم ينقطعْ عن العملِ لعذرٍ، أو تلفِ العينِ المستأْجَرةِ، فإنه يستحقُّ من الأجرةِ بمقدارِ عملِه.
وهذا هو الصَّوابُ في معنى البيتِ المذكورِ، وقد ذكَره النَّاظمُ في كتابِه: (القواعدُ والأصولُ الجامعةُ) تحتَ القاعدةِ الرَّابعةِ والأربعين بقولِه:
(إذا أدَّى ما عليه وجَب له ما جُعِل له عليه) ثم شرَحها، وذكر أمثلتَها.
وبهذا تعلمُ خطأَ الشَّرحِ المذكورِ في الطبعةِ السَّعيديَّةِ وغيرِها.
(40) العلَّة في اللُّغةِ: ما يَتَغَيَّر به حالُ المحلِّ، ومنه سُمِّي المرضُ علةً؛ لأنه بحلولِه يتغيَّرُ حالُ الشَّخصِ مِن القوَّةِ إلى الضَّعفِ.
وفي الاصطلاحِ عرَّفه النَّاظمُ: بأنَّها (ما شُرِع الحكمُ لأجلِه).
وهذا التَّعريفُ يَصْدُقُ على الحكمةِ أيضًا، فالأَوْلَى أن يقال:
العلَّةُ هي: الوصفُ الظَّاهرُ المُنْضَبِطُ الذي عُلِّق عليه الحكمُ، وذلك كالإسكارِ في الخمرِ، والسَّرقةِ في القطعِ.
وأما الحكمةُ فهي: المصلحةُ المقصودةُ من تشريعِ الحكمِ، كحفظِ العقلِ في تحريمِ الخمرِ، وحفظِ المالِ في إيجابِ الحدِّ على السَّارقِ، ودفعِ المشقَّةِ في جوازِ القصرِ والجمعِ للمسافرِ، والنَّاظمُ لم يُفَرِّقْ بينَهما في شرحِه.
(لشرعتِه): أي: لتشريعِ الحكمِ، وفي النُّسخِ المطبوعةِ (لشرعيَّتِه) بزيادةِ الياءِ المشدَّدةِ، وهو خطأٌ لا يستقيمُ به الوزنُ إلا بحذفِ اللاَّمِ، وإبدالِ (مع) بواوِ المعيَّةِ، فيُقْرَأُ البيتُ:
وكل حكمٍ دائرٌ وعلَّتَهْ *** وهي الَّتي قد أوجبَت شرعيَّتَهْ
والأولُ أَوْلَى؛ لأن واوَ المعيَّةِ لابدَّ أن يتقدَّمَها نفيٌ أو طلبٌ.
والمعنى: أن الحكمَ يدورُ مع علَّتِه وجودًا وعدمًا، فإذا وُجِدَت العلَّةُ وُجِد الحكمُ، وإذا انتفت العلَّةُ انتفى الحكمُ، ويسمَّى هذا عندَ الأُصوليِّين بالدَّورانِ، والطَّرْدِ والعكسِ، كما أن وجودَ الوصفِ دونَ الحكمِ يسمَّى عندَهم بالنَّقْضِ.
مثالُ ذلك: الشَّرابُ إذا صار مُسْكِرًا حرُم شربُه وسُمِّي خمرًا، فإذا زال عنه الإسكارُ وتخلَّلت الخمرُ جاز شربُه.
والأصلُ في الأحكامِ التَّعليلُ، بمعنى أن تكونَ لها عللٌ معروفةٌ، ولكنَّ بعضَ الأحكامِ لم يُدْرِكِ العلماءُ العلَّةَ فيها، وتسمَّى أحكامًا تعبُّديةً، وهي قليلةٌ.
والشرعُ قد يَنُصُّ على العلَّةِ أحيانًا، كما جاء في الحديثِ عن الهرَّةِ: (إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ).
فعلَّل الحكمَ بطَهارتِها بكثرةِ طَوافِها وتردُّدِها على النَّاسِ.
وقد يَتْرُكُ الشرعُ استنباطَ العلَّةِ للعلماءِ، وهذا هو الغالبُ، كما في علَّةِ جَريانِ الرِّبا في الأصنافِ السِّتَّةِ.
(41-42) (لازم): أي: يَلْزَمُ الوفاءُ به.
(للعاقدِ): الفاعلِ للعقدِ، والعقدُ لُغةً: الجمعُ بين أطرافِ الشَّيءِ، ويُسْتَعْمَلُ في الأجسامِ كعقدِ الحبلِ، وفي المعاني كعقدِ البيعِ، ومنه قولُه تعالى: (وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) [البقرة: 235]، وقولُه تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1].
والمرادُ بالعقودِ كلُّ ما يُتَّفَقُ عليه مِن الأفعالِ.
(البيعُ): هو إعطاءُ المُثَمَّنِ وأخْذُ الثَّمنِ، والشِّراءُ هو إعطاءُ الثَّمنِ وأخذُ المُثَمَّنِ، وقد يُطْلَقُ أحدُهما على الآخرِ، ولكنَّ الأصلَ هو الأوَّلُ.
(النِّكاحُ): هو في الأصلِ العقدُ، ويُطْلَقُ على الجِماعِ كِنايةً.
قال الراغبُ: (ومُحالٌ أن يكونَ في الأصل للجِماعِ، ثم اسْتُعِير للعقدِ؛ لأن أسماءَ الجماعِ كلَّها كِناياتٌ؛ لاستقباحِهم ذكرَه، كاستقباحِ تَعاطيه، ومحالٌ أن يَسْتَعِيرَ مَن لا يَقْصِدُ فُحْشًا اسمَ ما يَسْتَفْظِعونه لما يِسْتَحْسِنونه).
والنِّكاحُ شرعًا: عقدٌ على استباحةِ البُضْعِ قصدًا بوجهٍ شرعيٍّ.
وقولُهم: (قصدًا). لإخراجِ استباحةِ البُضْعِ بملكِ اليمينِ، فإنَّ المقصودَ الأصليَّ هو ملكُ الرَّقبةِ.
وقولُهم: (بوجهٍ شرعيٍّ) لإخراجِ الزِّنا الحاصل بِاتِّفاقِ الطَّرفين.
والمعنى: أن الأصلَ في الشُّروطِ والعقودِ اللُّزومُ، فكلُّ شرطٍ وعقدٍ فيه مصلحةٌ للطَّرفين أو لأحدِهما، فإنه يكونُ صحيحًا، ويَلْزَمُ الطَّرفين الوفاءُ به، ما لم يكنْ مخالفًا للشرعِ بتحليلِ الحرامِ أو تحريمِ الحلالِ، فإنه يُحْكَمُ عليه بالبُطلانِ.
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم:(الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً)، وقولُ عمرَ رضِي اللهُ عنه: (مَقاطِعُ الحقوقِ عندَ الشُّروط) .
فهذا يدلُّ على أن الأصلَ في الشُّروطِ الصِّحَّةُ ولزومُ الوفاءِ بها، ما لم تُخالِفِ الشَّريعةَ.
وأهمُّ الشُّروطِ التي يلزمُ الوفاءُ بها شروطُ النِّكاحِ، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
(إِنَّ أَحَقَّ مَا أَوْفَيْتُمْ بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ).
(43) (القُرْعةُ): والاقتراعُ هو الاستهامُ، يقالُ: تقارَع القومُ، واقترعوا أي: ضرَبوا القِداحَ ونحوَها لتعيينِ الحقِّ أو صاحبِه.
(المُبْهَمِ): المجهولُ غيرُ المعيَّنِ.
(الحقوق): جمعُ حقٍّ، والمرادُ به عندَ الفقهاءِ: كلُّ ما يثبتُ للشَّخصِ مِن منافعَ ومميِّزاتٍ، وقد يكونُ مجرَّدَ أمرٍ اعتباريٍّ كحقِّ الطَّلاقِ والوَلايةِ.
والمعنى: أن القُرعةَ تُسْتَعْمَلُ شرعًا عندَ جَهالةِ الشَّخصِ المستحِقِّ، أو التَّزاحُمِ بينَ المتساوِيَّين في عملٍ مِن الأعمالِ، فمَن خرَجَت له القرعةُ استحقَّ الحقَّ، ولا يختصُّ أحدُهم بشيءٍ دونَ قرعةٍ؛ لأن القاعدةَ ألاَّ يُقَدَّمَ في التَّزاحُمِ أحدٌ بدونِ مُرَجِّحٍ.
مثالُ ذلك: لو تَشاحَّ اثنان في إمامةٍ أو أذانٍ أو سبْقٍ إلى مباحٍ، ولم يكنْ لأحدِهما مُرَجِّحٌ، أُقْرِع بينَهما، فمَن خرَجت له القرعةُ قُدِّمَ على الآخرِ.
وكذلك إذا تَداعيا عينًا ليست بيدِ أحدِهما، ولا بيدِ مِن يَدَّعِيها لنفسِه، أُقْرِع بينَهما.
وكذلك الأولياءُ المستحقُّون للوَلايةِ، إذا تساوَوْا وتَشاحُّوا، فإنه يُقْرَعُ بينهم، فمن خرَجت له القرعةُ قُدِّم على غيرِه.
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه تعالى: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مَنَ المُدْحَضِينَ) [الصافات: 141]، وقولُه تعالى: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) [آل عمران، 44]، وشرْعُ مَن قبلَنا شرعٌ لنا ما لم يَرِدْ شرعُنا بخلافِه.
وثبت في شرعِنا أن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا خرَج في سفرٍ أقْرع بينَ نسائِه، فمَن خرَج سهمُها خرَجَت معه.
قال ابنُ القيِّمِ رحِمه اللهُ: (وهذا هو سرُّ المسألةِ وفقهُها، فإن التعيينَ إذا لم يكن لنا سبيلٌ إليه بالشَّرعِ، فُوِّض إلى القضاءِ والقدرِ، وصار الحكمُ به شرعيًّا قدريًّا، شرعيًّا في فعلِ القرعةِ، قدريًّا فيما تَخْرُجُ به).
فالمقصودُ من القرعةِ فضُّ المُنازعةِ، وسدُّ بابِ العَداوةِ بالرُّجوعِ إلى قدرِ اللهِ واختيارِه، ومعلومٌ أن أصلَ العَداوةِ هو التَّزاحُمُ على غرضٍ واحدٍ، لذا تجدُ الحسدَ والعداوةَ بينَ الأقرانِ والأمثالِ والمشتركين في غرضٍ واحدٍ غالبًا.
(44) (وفُعِلت إحداهما): في النُّسخِ المطبوعةِ (وفُعِل) ولا يَسْتقيمُ لغةً ولا وزنًا، ومع زيادةِ تاءِ التَّأنيثِ يستقيمُ الوزنُ، ولكن يَبْقَى كونُ (العَمَلان) مثنىًّ مفردُه مذكرٌ، وهو (عَمَل)، والأحسنُ أن يقالَ: (تَداخَلا في واحدٍ فاسْتَمِعا).
والمعنى: إذا اجْتَمع عملان مِن جنسٍ واحدٍ، وكانت صورتُهما متَّفقةً تداخَلا واكْتُفِي بأحدِهما عن الآخرِ، وتُسَمَّى قاعدةَ التداخُلِ، وهذا على ضَرْبَيْن:
1- أن يَحْصُلَ بالفعلِ الواحدِ العبادتان بنيَّتِهما، كما لو دخَل المسجدَ، فصلَّى ركعتين يَنْوِي بهما السُّنَّةَ الراتبةَ وتَحيَّةَ المسجدِ حصَل له فضلُهما.
وكذلك لو اغْتَسل بنيَّةِ غُسْلِ العيدِ وغُسْلِ الجُمُعةِ حصَل له فضلُهما.
وكذلك لو اغتسَلَت المرأةُ للحيضِ وللجنابةِ غُسْلاً واحدًا أجْزأها، وحصَل لها فضلُهما.
2- أن يحصلَ له ثوابُ أحدِهما بالنِّيَّةِ، ويَسْقُطَ الآخرُ.
مثالُ ذلك: إذا دخل المسجدَ، وقد أُقِيمت الصَّلاةُ فصلَّى معهم، سقَطَت عنه التَّحيَّةُ.
وكذلك إذا قدِم المعتمرُ مكة، وطاف للعمرةِ، سقَط عنه طَوافُ القُدومِ.
وكذلك إذا صلَّى الفريضةَ عَقِبَ الطَّوافِ، سقَطَت سُنَّةُ الطَّوافِ في روايةٍ عن أحمدَ؛ لأنَّ المقصودَ أن يقَعَ عَقِبَ الطَّوافِ صلاةٌ، وقد حصَل، وهو المذهبُ عندَ الشَّافعيَّةِ.
وكذلك إذا أخَّر طوافَ الإفاضةِ إلى وقتِ خروجِه فطاف، سقَط عنه طوافُ الوداعِ في روايةٍ عن أحمدَ؛ لأنَّ المقصودَ أن يكونَ آخرَ العهدِ بالبيتِ الطَّوافُ، وقد حصل، خلافًا للشَّافعيَّةِ.
وقولُهم: (مِن جنسٍ واحدٍ).
يخرجُ به ما لو كانا مِن جنسينِ مختلفينِ، فلا يتداخلانِ، فلو دخل المسجدَ الحرامَ، فصلَّى الفريضةَ مع الجماعةِ لم يحصلْ له تحيَّةُ البيتِ، وهو الطَّوافُ؛ لأنَّه ليس من جنسِ الصَّلاةِ، قاله السِّيوطيُّ رحِمه اللهُ.
وقولُهم: (وكانت صورتهما متَّفقة).
يخرجُ به ما لو كانا من جنسٍ واحدٍ، ولكن تختلفُ هيئتُهما فلا تداخُلَ.
وزاد السِّيوطيُّ قيْدَيْن:
الأولُ قولُه: (ولم يَخْتَلِفْ مقصودُهما).
فلو اختلَف المقصودُ بهما فلا تداخُلَ، كما لو وطِىء بِكْرًا بشُبْهةٍ، وجَب المهرُ في مقابلِ الاستمتاعِ، ووجَب أَرْشُ البَكارةِ في مقابلِ الجِنايةِ والإتلافِ، ولا تداخُلَ لاختلافِ المقصودِ.
والثَّاني قولُه: (غالبًا).
بمعنى أنها ليست مُطَّردةً.
قال الأهدلُ:
إن يَجْتَمِعْ أمران مِن جنسٍ عُرِفْ *** فردٍ ومـقصودُهما لـم يختلـف
دخَل فردٌ مـنهـما فـي الآخرِ *** أي غـالبًا علـى خـلافٍ ظاهرِ
وقال بعضُ المالكيَّةِ:
إن يَتَعَدَّدْ سببٌ والموجِبُ *** مـُتَّحـِدٌ كـفَى لهن مـُوجِبُ
(45) (المشغولُ): ضدُّ الفارغِ.
(المرهونُ): مِن الرَّهنِ، وهو: توثيقُ دَيْنِ بعَيْنٍ.
(المُسَبَّلُ): أي: الموقوفُ، مأخوذٌ من الوقْفِ، وهو: تحبيسُ الأصلِ، وتسبيلُ الثَّمرةِ.
والمعنى: أن كلَّ مشغولٍ بحقٍّ، لا يُشَغَّلُ بحقٍّ آخرَ حتَّى يَفْرُغَ الأوَّلُ منه.
وهذا معنى قولِ الفقهاءِ: (المشغولُ لا يُشَغَّلُ).
مثالُ ذلك: المرهونُ لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُرْهَنُ لحقٍّ آخرَ حتَّى يَنْفَكَّ الرَّهنُ، أو يَأْذَنَ الرَّاهنُ.
وكذلك الموقوفُ لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُرْهَنُ؛ لانشغالِه بالوقْفِ.
وكذلك لا يَصِحُّ إيرادُ عقدين على عينٍ واحدةٍ، لأن الثَّانيَ إن كان إيرادُه قبلَ لزومِ الأوَّلِ فهو إبطالٌ له، ويَنْعَقِدُ الثَّاني، وإن كان بعدَه فالثَّاني لم يُصادِفُ معقودًا عليه فلا يَصِحُّ.
وكذلك الأجيرُ الخاصُّ إذا اسْتُؤْجِر على زمنٍ معيَّنٍ، فلا يجوزُ استئْجارُه لآخرَ في ذلك الزَّمنِ المعيَّنِ إلا بإذنِ المستأْجِرِ الأوَّلِ، لأن زمانَه المعيَّنَ مشغولٌ بحقِّ غيرِه.
وكذلك المرأةُ المتزوِّجةُ لا يجوزُ تزويجُها لآخرَ؛ لأنها مشغولةٌ بزوجِها.
(46) الدِّيونُ نوعان:
1- دِيونٌ تحتاجُ إلى نيَّةٍ في الأداءِ، كالزَّكَواتِ والكفَّاراتِ، فلا يَصِحُّ أن يُؤَدِّيَ أحدٌ عن أحدٍ مثلَ هذه الدِّيونِ إلا بإذنِه؛ لأن الأداءَ هنا لا يُبْرِىءُ ذمَّةَ صاحبِه، لاحتياجِه إلى نيَّتِه.
2- ديونٌ لا تحتاجُ إلى نيَّةٍ في الأداءِ، كالقَرْضِ والسَّلَمِ ونفقةِ الأولادِ والزَّوجاتِ وأُجْرةِ الرَّضاعِ.
فهذه الدِّيونُ يصحُّ فيها الأداءُ بدونِ إذنِ صاحبِها؛ لأنَّها مِن بابِ الحُظوظِ المَحْضَةِ، الَّتي لا يَتَوَقَّفُ حصولُ المقصودِ منها على النِّيَّةِ.
فمثلُ هذه الدِّيونِ إذا أدَّاها الشَّخصُ عن آخرَ فله الرُّجوعُ إذا نوَى المطالبةَ بها عند الأداءِ، أمَّا إذا نوَى التَّبرُّعَ، أو لم يَنْوِ شيئًا لم يَرْجِعْ؛ لأنَّه لم يُوَكِّلْه، ولم يَأْذَنْ له، وأجرُه على اللهِ تعالى.
والوقتُ المعتبرُ للنِّيَّةِ هو وقتُ الأداءِ، فإن نوَى التَّبرُّعَ عندَه، ثم نوَى المطالبةَ بعدَه، فلا يستحقُّ شيئًا، لأنَّ الساقطَ لا يعودُ.
وهذا النَّوعُ الثَّاني من الدُّيونِ هو المرادُ بالبيتِ المذكورِ.
ومعناه: أن مَن أدَّى عن أخيه دَيْنًا واجبًا عليه فله الرُّجوعُ عليه إن نواه، وإلا فلا رجوعَ له، وهذا أشبهُ بالمسائلِ الجُزْئيَّةِ من القواعدِ الفقهيَّةِ.
(47) (الوازعُ): هو المانعُ وزنًا ومعنًى، تقولُ: وزَعْتُه عن الأمرِ، أي: منَعْتُه وكفَفْتُه عنه، ومنه قولُه تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) [النمل، 17]، أي: يُمْنَعون ويُحْبَسُ أوَّلُهم على آخرِهم، ويقالُ في الأمثالِ: (لابدَّ للسُّلطانِ مِن وَزَعةٍ). أي: رجالٍ يَمْنَعون شرَّ النَّاسِ عنه.
(الطَّبْعي): المنسوبُ إلى الطَّبعِ، وهو الجِبِلَّةُ الَّتي خُلِق الإنسانُ عليهاُ، ويقال لها: الطَّبيعةُ والغَريزةُ والفِطْرةُ.
(العصيانِ): الخروجُ عن الطَّاعةِ، وأصلُه أن يَتَمَنَّعَ بعَصاه، كما قال الرَّاغبُ.
والمعنى: أن الشَّارعَ الحكيمَ يَجْعَلُ الوازعَ الطَّبْعيَّ عن المنهيَّاتِ كالوازعِ الشَّرعيِّ، فيَكْتفي بالأوَّلِ عن الثَّاني، وإذا شرَع فيها عقوبةً جعَلها مناسِبةً لذلك الفعلِ.
مثالُ ذلك: أكلُ النَّجاساتِ والقاذوراتِ، لم يُحَدِّدِ الشَّارعُ فيه عقوباتٍ كالحدودِ؛ اكتفاءً بالوازعِ الطَّبْعيِّ، وإنما فيه التَّعزيرُ.
وكذلك العدالةُ شرطٌ في كلِّ وَلايةٍ؛ لتكونَ العدالةُ وازعةً عن التَّقصيرِ في جلبِ المصالحِ ودفعِ المفاسدِ.
ولا تشترطُ في وَلايةِ النِّكاحِ على الأصحِّ؛ لأن الوازعَ الطَّبْعيَّ يَزَعُ عن ذلك.
وكذلك لا تشترطُ العدالةُ في قبولِ الإقرارِ؛ لأن الطَّبعَ يَزَعُ عن الكذبِ فيما يَضُرُّ بنفسِه أو مالِه.
أمَّا إذا انعدم الوازعُ الطَّبْعيُّ، أو كان ضعيفاً غيرَ كافٍ للمنعِ، فيُؤْتَي بالوازعِ الشَّرعيِّ، كما في الزِّنا والسَّرقةِ، ولهذا جاء الشَّرعُ فيهما بتشديدِ الخطابِ وتحديدِ العقابِ.
وكذلك الشَّأنُ في المأموراتِ والمباحاتِ، فإنَّ الشَّارعَ الحكيمَ يَكْتَفِي بالدَّافعِ الطَّبْعيِّ عن الدَّافعِ الشَّرعيِّ.
مثالُ ذلك: النَّومُ والأكلُ والشُّربُ والنِّكاحُ وكسبُ المالِ، لم يُشَدِّدِ الشَّرْعُ الخطابَ فيه، ولم يتوعَّدِ التَّاركَ لها، اكتفاءً بالدَّافعِ الطَّبْعيِّ، فالنَّاسُ يَميلون إليها بالطَّبعِ والغَريزةِ، فلا حاجةَ إلى الدَّافعِ الشَّرعيِّ.
أما إذا انعدم الدَّافعُ الطَّبْعيُّ، أو ضعُف تأثيرُه، فإن الشَّرعَ الحكيمَ يأتي بالدَّافعِ الشرعيِّ، فيُشَدِّدُ الخطابَ، ويتَوَعَّدُ بالعقابِ؛ حملاً للنَّاسِ على الفعلِ، وذلك كالشَّأنِ في الصَّلاةِ والجِهادِ والزَّكاةِ.
وهذا الأمرُ ملحوظٌ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، وهو دليلٌ على حكمةِ الشَّارعِ، وعلمِه بطبائعِ النُّفوسِ، وأسرارِ الخلقِ، (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14].
(48-49) (التَّابعُ): والتَّابعيُّ هو (مَن لقِي الصَّحابيَّ مؤمناً بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومات على ذلك، ولو تخَلَّلَته رِدَّةٌ على الأصحِّ) كقيسِ بنِ أبي حازمٍ، وسعيدِ بنِ المسيَّب، واشترط الخطيبُ البَغداديُّ الصُّحبةَ العُرْفيةَ، وهي الملازمةُ، والأوَّلُ أصحُّ، لحديثِ:
(طُوبِى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، وَطُوبَى لَمَنْ رَأَى مَن رَآنِي....)
فاكْتَفَي بمجرَّدِ الرُّؤيةِ، وعليه عملُ الأكْثرين، وهو اختيارُ المحقِّقين، كابنِ الصَّلاحِ والنَّوويِّ والعراقيِّ وابنِ حجرٍ.
قال ابنُ الصَّلاحِ: (مطلقُ التَّابعيِّ مخصوصٌ بالتَّابعِ بإحسانٍ). قلتُ: هذا مِن جهةِ الفضلِ والأجرِ، لا من جهةِ الاسمِ؛ لأن المصنِّفين في الطَّبقاتِ أدْخَلوا فيها الثِّقاتِ وغيرَهم.
ومعرفةُ التَّابعيِّ مِن علومِ الحديثِ المهمَّةِ الَّتي يُعْرَفُ بها المرسَلُ مِن الرِّواياتِ.
ومعنى الأبياتِ: أن النَّاظمَ يَحْمَدُ اللهَ تعالى الذي وفَّقه لإتمامِ هذا النَّظمِ، ويقولُ: كما بدَأْنا هذا النَّظمَ بالثَّناءِ على اللهِ تعالى، نَخْتِمُه أيضاً بذلك على سبيلِ الدَّوامِ، مصحوباً بالصَّلاةِ والسَّلامِ على النَّبيِّ وأصحابِه والتَّابعين لهم بإحسانٍ.
انتهى التعليقُ على هذا النَّظمِ، في آخرِ ليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ المبارَكِ عام 1418هـ بالمدينةِ النَّبويَّةِ، على ساكِنها أفضلُ الصَّلاةِ وأزْكى السَّلامِ.
وكمـَلـَت بـطـِيبـةَ الـمـيمـونهْ *** فبرَزَت مِن خِدْرِها مَصُونهْ
والحمدُ للهِ الَّذِي بنعمتِه تتمُّ الصَّالحاتُ.
مقدِّمةٌ
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أفضلِ الخلقِ أجْمعينَ، وعلى آلِه وصحبِه الطَّاهرينَ، وبعدُ:
فهذا شرحٌ مختصرٌ، وتعليقٌ وَجيزٌ، على منظومةِ القواعدِ الفقهيَّةِ، للشَّيخِ/ عبدِ الرَّحمنِ السَّعديِّ، يَحُلُّ ألفاظَها، ويَكشِفُ فوائدَها، ويُبْرِزُ فرائدَها.
وما أمليْتُه ليكونَ عن شرحِ النَّاظمِ بَديلاً، بل ليكونَ له رَديفاً، وللسَّاري عندَ المشكلاتِ مِصْباحاً، وللرَّاغبِ في العلمِ جَناحاً، وللشَّادي عيناً أخرى، وما أجملَ قولَ القائلِ:
وهْوَ بسَبْقٍ حائزٌ تَفْضِيلا َ مُسْتَوْجِبٌ ثَنائيَ الجميلاَ
واللهُُ يَقْضِي بهِباتٍ وافِرَهْ لي وله في درجاتِ الآخِرَهْ
وحسبي شرفًا أن أكونَ خادمًا لتراثِ هذا العالمِ المُحَقِّقِ، والفقيهِ المُدَقِّقِ.
المؤلف
ترجمةٌ مُوجَزةٌ للنَّاظم:
هو الشَّيخُ عبدُ الرحمنِ بنُ ناصرِ بنِ عبدِ اللهِ السَّعديُّ، يَرْجِعُ نَسَبُه إلى قبيلةِ تميمٍ المعروفةِ، التي كان أكثرُ بطونِها يَسْكُنون نَجْدًا وما حولهَا.
والسَّعديُّ -بفتحِ السِّينِ- نسبةً إلى سعدِ بنِ زيدِ مَناةَ بنِ تَميمٍ، وبعضُ تلامذةِ الشَّيخِ يَرْجِعُ نسبُه إلى عمرِو بنِ زيدِ مَناةَ، وقد يَنْطِقون السينَ مكسورةً.
وبنو سعدٍ هم كعبٌ وعمرٌو -ويُدْعَوْن البُطونَ- والحارثُ وعوافةُ وجُشَمُ ومالكٌ وعبشمس، ويُدْعَوْنَ الأبناءَ.
وفي ذُرِّيَّاتِهم صحابةٌ ورجالٌ مشاهيرُ، منهم:
- الأسودُ بنُ سريعٍ، وله صحبةٌ.
- وقيسُ بنُ عاصمِ بنِ سِنانٍ، ولاَّه رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم صدقاتِ قومِه.
- والأخفشُ بنُ قيسِ بنِ معاويةَ المشهورُ بالحِلْمِ والعقلِ.
- والزِّبْرِقانُ واسمُه الحُصَيْنُ بنُ بدرٍ، وله وِفادةٌ.
- وعُرقُوبُ بنُ صَخْرٍ، الذي يقالُ فيه: (مواعيدُ عُرقُوبٍ).
- ومية بنتُ مُقاتِلِ بنِ طلبةَ، صاحبةُ ذي الرُّمَّةِ.
- وعمرُو بنُ الأَهْتَمِ، مِن الخطباءِ المشاهيرِ.
- وأبو بكرٍ الأبْهُريُّ المالكيُّ المشهورُ.
- والسُّلَيْكُ بنُ السُّلْكةِ، نُسِب إلى أمِّه.
- وعبدُ الله بن إباضٍ الخارجيُّ، رئيسُ الإباضيَّةِ.
- وجعفرُ بنُ قريعِ بنِ عوفٍ، المعروفُ بأنفِ النَّاقةِ، لُقِّب بذلك؛ لأن أباه نحرَ ناقةً، فقسَمَها بين نسائِه، وأعْطَى جعفراً رأسَ النَّاقةِ، فأخَذَها بأنفِها، فقيل له، ما هذا؟ فقال، (أنفُ النَّاقةِ)، فلُقِّب بذلك، فكان ولدُه يَغْضَبون مِن ذلك، إلى أن مدَحهم الحُطَيئةُ بقولِه:
قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرُهم ومن يُساوِي بأنفِ النَّاقةِ الذَّنَبَا
فصار مدحاً لهم، يَفْتَخِرون به.
ومنهم أميرُ أفريقيةَ من قِبَلِ الشِّيعةِ زيادةُ اللهِ بنُ الأغلبِ، وغيرُهم كثيرٌ ممَّن ذكَرهم علماءُ الأنسابِ كابنِ حزمٍ وغيرِه.
ولادتُه ونشأتُه:
وُلِد بمدينةِ عُنَيْزةَ بالقَصيمِ عام 1307 ه، مات أبَوَاه وهو صغيرٌ، فنشَأ يتيماً عندَ زوجةِ والدِه.
وكانت مَخايلُ الذَّكاءِ تَلوحُ فيه، فتوَجَّه إلى حفظِ القرآنِ، وطلَبَ العلمَ، واجْتَهد في تحصيلِه، ودرَس علوماً متنوعةً على أيدي العلماءِ منهم:
1- الشَّيخُ إبراهيمُ بنُ حَمَدِ بنِ جاسرٍ، ت عام 1338 ه بالكويتِ.
2- الشَّيخُ محمدُ بنُ عبدِ الكريمِ الشِّبْلُ، ت عام 1343 ه بعُنَيْزة.َ
3- الشَّيخُ صالحُ بنُ عثمانَ القاضي، ت عام 1351 ه.
4- الشَّيخُ محمدُ عبدِ العزيزِ المانعُ، ت عام 1385 ه.
5- الشَّيخُ محمدُ الأمينُ محمودٌ الشِّنْقِيطيُّ، نَزيلُ الزُّبَيْرِ.
وجلَس للتدريسِ، وعُمرُه ثلاثةٌ وعشرون عاماً.
ويَذْكُرُ الزِّرِكْليُّ أنه أولُ مَن أنشأ مكتبةً في عنيزةَ بالقصيمِ سنةَ1358 ه.
مؤلَّفاتُه:
كان الشَّيخُ عارفًا بعلومٍ كثيرةٍ، أشهرُها الفقهُ والتَّفسيرُ، وذكَر الزِّرِكْليُّ أن له نحواً مِن ثلاثين كتاباً، منها:
1. (تيسيرُ الكريمِ الرَّحمنِ في تفسيرِ القرآنِ).
2. (القواعدُ الحِسانُ في تفسيرِ القرآنِ)، وذكَر فيها سبعين قاعدةً.
3. (طريقُ الوصولِ إلى العلمِ المأمولِ مِن الأصولِ)، وهو عبارةٌ عن مختاراتٍ مِن كتبِ الإمامِ ابنِ تيميَّةَ وتلميذِه ابنِ القيِّمِ، وكان المؤلِّفُ - رحِمه اللهُ - شديدَ التَّأثُّرِ بكتبِ هذين الإمامين كما يَظْهَرُ هذا في سائرِ كتبِه.
4. (التوضيحُ والبيانُ لشجرةِ الإيمانِ).
5. (الدُّرَّةُ البَهِيَّةُ في شرحِ التَّائيَّةِ لابنِ تيميَّةَ).
6. (توضيحُ الكافِيَةِ الشَّافيةِ لابنِ القيِّمِ).
7. (الوسائلُ المفيدةُ للحياةِ السَّعيدةِ).
8. (القواعدُ والأصولُ الجامعةُ في القواعدِ الفقهيَّةِ).
وقد قسَم كتابَه هذا إلى قسمين:
الأولُ: في القواعدِ، وأوْرَد فيه ستين قاعدةً وضابطاً.
الثَّاني: في الفروقِ والتَّقاسيمِ.
9. منظومةٌ في القواعدِ الفقهيَّةِ، وشرَحَها.
10. منظومةٌ في السَّيرِ إلى اللهِ تعالى والدارِ الآخرةِ، وشرَحها.
11. منظومةٌ في الفقهِ، نظَم فيها أهمَّ الأحكامِ الفقهيَّةِ على الأبوابِ.
12. رسالةٌ في آدابِ المعلِّمينَ والمتعلِّمينَ.
13. الفتاوَى السَّعديَّةُ، وهي مجموعةٌ مِن الرَّسائلِ والفتاوى للشَّيخِ، جمَعَها بعضُ طُلاَّبِه بعدَ وفاتِه.
وكان يَنْظِمُ الشِّعرَ، وله قصائدُ في أغراضٍ متعدِّدةٍ، وكثيرٌ منها - كما يُقالُ (شعرُ فقيهٍ)، وقصائدُه التي نظَمها متأخِّرًا أجملُ من قصائِده الأولى.
وفاته:
تُوُفِّي الشَّيخُ -رحِمه اللهُ- في جُمادَى الآخرةِ عام 1376ه، بعد مرضٍ لازَمه قُرابةَ خمسِ سنواتٍ، وهو مرضُ ضغطِ الدَّمِ وضِيقُ الشَّرايينِ، ودُفِن بمدينةِ عُنَيزةَ بالقَصيمِ.
المنظوماتُ في القواعدِ الفقهيِّةِ:
لقد نظَم بعضُ العلماءِ جملةً مِن القواعدِ الفقهيَّةِ، وصاغوها في قالبٍ شِعريٍّ، رغبةً في تسهيلِ حفظِها، وتيسيرِ دراستِها، وذلك لأن الأسلوبَ الشِّعريَّ أسرعُ عُلوقاً بالذِّهنِ، وأطولُ بقاءً في الذَّاكرةِ، وذلك بسببِ الوزنِ والقافيةِ، والإيجازِ الذي تَتَّصِفُ به هذه المنظوماتُ.
فهو مِن النَّثرِ لفَهْمٍ أسبقُ ومُقْتضاه بالنفوسِ أعْلَقُ
وهذه مِيزةٌ نافعةٌ في التعليمِ، ولا سيَّما في مرحلةِ التَّأسيسِ، وإن كانت هذه المنظوماتُ قليلةَ الفائدةِ في تحريرِ القواعدِ، ومناقشتِها، وذكرِ فروعِها، وذلك بسببِ ضيقِ المجالِ الذي يَفْرِضُه الالتزامُ بالوزنِ والقافيةِ، ولهذا غالباً ما تُذْكَرُ تلك القواعدُ والمسائلُ مجرَّدةً عن أدلتها واعتراضاتِها، عاريَةً عن مداركِها وفروعِها.
ولكنَّ هذا النَّقصَ يمكنُ أن يُغَطَّى عندَ الشرحِ، ويُزالَ عندَ الدراسةِ مِن قِبَلِ الشَّارحِ، مع العلمِ بأن الطالبَ في مرحلةِ التَّأسيسِ، وبدايةِ الطّلبِ، لا تَنْفَعُه كثرةُ الاستدلالِ، ولا يفيدُه تفصيلُ المناقشاتِ.
ومن آثارِ الالتزامِ بالوزنِ والقافيةِ أن قواعدَ العلومِ لا تُذْكَرُ في المنظوماتِ غالباً بصِيَغِها المعهودةِ، والمتداولةِ بينَ أهلِ الاختصاصِ، وهي صيغٌ دقيقةٌ، وعباراتٌ مُحْكَمةٌ في الغالبِ.
وعلمُ القواعدِ الفقهيَّةِ مِن العلومِ التي نظَمها العلماءُ، وإن كان النَّظمُ فيها أقلَّ مِن النَّثرِ، لحاجةِ هذا العلمِ إلى الاستدلالِ، وذكرِ الفروعِ الفقهيَّةِ معها.
ومن المنظوماتِ في هذا العلمِ:
1. منظومةُ (الفرائدِ البَهِيَّةِ) لأبي بكرِ بنِ أبي القاسمِ بنِ أحمدَ الأهْدَلِ الحُسَيْنيِّ اليَمَنيِّ ت 1035 ه، صاحبِ كتابِ (نَفْحةِ المَنْدَلِ بذكرِ بني الأهْدَلِ)، وله نظمُ التَّحريرِ في الفقهِ، ونظمُ الورقاتِ، ونظمُ النُّخْبةِ.
وهذه المنظومةُ مكوَّنةٌ من (525) بيتاً، اختصَرَ فيها الأشباهَ والنَّظائرَ للسُّيوطيِّ، ونظَم فيها أشهرَ القواعدِ، كما قال:
فلْيَكُ هذا آخرَ الفوائدِ حاويةً لأشهرِ القواعدِ
وذلك بإشارةٍ من شيخِه أحمدَ بنِ عبدِ الرحمنِ النَّاشريِّ.
ولهذه المنظومةِ شروحٌ منها:
• المواهبُ العَلِيَّةُ للشَّيخِ يوسُفَ بنِ محمدٍ البطاحِ الأهدلِ الزَّبِيديِّ.
• الأقمارُ المضيئةُ للشَّيخِ عبدِ الهادي بنِ إبراهيمَ الأهدلِ.
• المواهبُ السَّنيَّةُ للشَّيخِ عبدِ اللهِ بنِ سليمانَ الجرهزيِّ ت 1201 ه، وعليها حاشيةٌ للشَّيخِ ياسِينٍ الفادانيِّ ت 1410 ه.
2. نظمُ الأشباهِ والنَّظائرِ لابنِ قضيب البان ت 1098 ه، نظَم فيه الأشباهَ والنَّظائرَ لابنِ نُجيمٍ الحنفيِّ.
3. منظومةُ (المنهجِ المنتخبِ) في قواعدِ المالكيَّةِ لأبي القاسمِ الزَّقَّاقِ المالكيِّ ت 912 ه، بلَغ عددُ أبياتِها 433 بيتاً.
وزاد عليها أبو عبدِ اللهِ ميّارةُ المالكيُّ أبياتاً سمّاها (بُسْتانَ الفكرِ)، واشْتَهرت بالتَّكميلِ، وقد بَلغَت تكملتهُ 671 بيتاً، اعْتَمد فيها على شرحِ المنجورِ الفاسيِّ غالباً.
4. منظومةُ الونْشِرِيسيِّ في القواعدِ الفقهيَّةِ، شرَحها أحمدُ بنُ عليٍّ المَنْجورُ الفاسيُّ.
5. منظومةٌ في قواعدِ الإِمامِ مالكٍ لمحمدِ بنِ عبدِ الرَّحمن المِكْناسيِّ، وعددُ أبياتِها 83 بيتاً، ولها نسخةٌ في الخَزانةِ العامَّةِ بالرّباطِ.
6. اليواقيتُ الثَّمينةُ في نظائرِ عالمِ المدينةِ لأبي الحسنِ السجلماسي، ت 1057 ه، ذكَره صاحبُ الفكرِ السَّامي.
7. منظومةُ المجازِ الواضحِ لمحمد يحيي الولاتي ت 1330 ه، سار فيها على وفقِ المنهجِ المنتخبِ للزَّقَّاقِ مع زياداتٍ.
8. منظومةُ القواعدِ الفقهيَّةِ للشَّيخِ عبدِ الرحمنِ السَّعْديِّ، وهي المشروحةُ في هذا الكتابِ، وسأتكلَّمُ عنها بعدَ قليلٍ.
والمنظوماتُ في هذا العلمِ متفاوتةٌ في حجمِها، ففيها المختصرةُ، وفيها المتوسِّطةُ وفيها المطوَّلةُ، وبعضُها يكونُ مرتبطاً بكتابٍ معيَّنٍ في القواعدِ، وبعضُها يكونُ مستقلاًّ، بناه النَّاظمُ على اختياراتِه ومعلوماتِه.
منظومةُ القواعدِ الفقهيَّةِ للشَّيخِ السَّعديِّ:
هي منظومةٌ مُوجَزةٌ تتكوَّنُ مِن 47 بيتاً على بحرِ الرَّجَزِ، ولم يقصِدِ النَّاظمُ فيها التَّوسُّعَ والتَّفصيلَ، وإنما أراد الإيجازَ والتَّسهيلَ، لتكونَ مقدِّمةً لهذا العلمِ، وسلَّماً يَرْتَقِي به الطالبُ إلى ما فوقَه مِن المتونِ المتوسِّطةِ والمطوَّلةِ، ومِفْتاحاً يَفْتَحُ به بعضَ خَزائنِ هذا العلمِ.
والمنظومةُ تمثِّلُ جملةً مِن اختياراتِ النَّاظمِ، ومعلوماتِه، التي لا ترتبطُ بكتابٍ معيَّنٍ، فهو لم يُحاوِلْ نظمَ متنٍ مخصوصٍ.
وقد ذكَر فيها جملةً مِن القواعدِ الفقهيَّةِ -وهي غالبُ المنظومةِ- وبعضَ الضوابطِ الفقهيَّةِ، كقولِهم، (يجبُ الضَّمانُ مع الإتلافِ)، وبعضَ القواعدِ الأصوليَّةِ كاقتضاءِ النهيِ الفسادَ، وكونِ الحكمِ يدورُ مع علَّتهِ وجودًا وعدمًا، وبعضِ المسائلِ الفقهيَّةِ، وهي قليلةٌ أشرْتُ إليها في مواضعِها.
وقد أطال في المقدِّمةِ قليلاً، فإنها مكوَّنةٌ مِن عشرةِ أبياتٍ في فضلِ العلمِ النَّافعِ وضابطِه، وأهميةِ القواعدِ وثَمراتِها، وهذه العشرةُ تُعَدُّ طويلةً إذا نظَرْنا إلى عددِ أبياتِ المنظومةِ، وإذا أخْرَجْنا الخاتمةَ -وهي بيتان- فالباقي 35 بيتاً في القواعدِ.
وضيقُ المجالِ في الشعرِ أوْقَعه في بعضِ الَّتساهُلاتِ اللُّغَويَّةِ، والضَّروراتِ الشِّعريَّةِ المتعلِّقةِ بالوزنِ وضبطِ الكلمةِ، كما سيأتي بيانُها في مواضعِها من الشَّرحِ، ولعلها أخطاءٌ مطبعيةٌ أخْفَت الوجهَ الصحيحَ في قرائتِها.
شرحُ النَّاظمِ:
هذه المنظومةُ على رغمِ وجازتِها، فإنها بحاجةٍ إلى شرحِ ألفاظِها، وبيانِ معانيها، ولهذا علَّق الناظمُ عليها تعليقًا لطيفًا، وشرَحها شرحًا مفيدًا، يَتَناسَبُ مع عددِ أبياتِها.
قال رِحمه اللهُ: (ولكنها تَحتاجُ إلى تعليقٍ يوضِّحُها، ويكشِفُ بعضَ معانيها، وأمثلتُها تُنَبِّهُ اللَّبيبَ الفَطِنَ على ما وراءَ ذلك، فوضَعْتُ عليها هذا الشَّرحَ اللَّطيفَ، تيسيراً لفهمِها).
إلا أن المؤلِّفُ -رحِمه اللهُ- لم يَعْتَنِ بشرحِ الكلماتِ، وحلِّ العباراتِ، وإنما انصرَفَت عنايتُه لبيانِ المعنى، وتوضيحِ المقصودِ، على طريقتِه في تفسيرِ القرآنِ، التي وضَّحها بقولِه، (ولم يكنْ قصدي في ذلك، إلا أن يكونَ المعنى هو المقصودَ، ولم أشتغلْ في حلِّ الألفاظِ والعقودِ).
وهذه الطَّريقةُ -وإن كانت مفيدةً لكثيرٍ مِن الناسِ- في تفسيرِ القرآنِ، إلا أن العلومَ الأخرى دخَلَتها الاصطلاحاتُ، فيحتاجُ الطالبُ إلى معرفتِها، وحلِّ ألفاظِها، وإدراكِ العَلاقةِ بينَ المعاني اللُّغَويَّةِ والاصْطلاحيَّةِ.
كما وقَع انتقالُ نظرٍ، أو خطأٌ مطبعيٌّ، في شرحِ بعضِ الأبياتِ، كما هو الحالُ في شرحِ البيتِ السابعِ والثلاثين.
وبعضُ القواعدِ التي ذكَرها تَحتاجُ إلى ذكرِ قيودِها وشروطِها على سبيلِ الإجمالِ حتى لا تُفْهَمَ على إطلاقِها، كما أن بعضَها يحتاجُ إلى تفصيلٍ، وبيانٍ للموضعِ الذي يجري فيه كلامُ النَّاظمِ، رحِمه اللهُ، واللهُ أعلمُ.
شرح أ.د.مصطفى كرامة مخدوم:
الحمـدُ للهِ العَلِيِّ الأرْفَقِ وجامعِ الأشياءِ والمفرِّق(1)
ذي النِّعمِ الواسعةِ الغَزيرهْ والحِكَمِ الباهرةِ الكثيرهْ(2)
ثم الصَّلاةُ مع سلامٍ دائمِ على الرَّسولِ القرشيِّ الخاتِمِ(3)
وآلـه وصحبه الأبـرارِ الحائِزِي مراتبِ الفخارِ(4)
اعلمْ هدِيتَ أن أفضلَ المِنَنْ علمٌ يُزِيلُ الشَّكَّ عنك والدَّرنْ(5)
ويكشِفُ الحق لذي القلوبِ ويُوصِلُ العبدَ إلى المطلوبِ(6)
فاحرِصْ على فهمِك للقواعدِ جامعةِ المسائلِ الشَّواردِ(7)
فتَرْتقي في العلمِ خيرَ مُرْتقى وتقتفِي سُبْلَ الذي قد وُفِّقا(8)
وهـذه قواعـدٌ نظمـتها من كتبِ أهلِ العلمِ قد حصَّلْتها(9)
جزاهم الموْلى عظيـمَ الأجرِ والعفوَ مع غفرانه والبِرِّ(10)
(1) الحمدُ هو: الثناءُ.
و(اللهُ) عَلَمٌ على المعبودِ بحقٍّ، وهو الاسمُ الجامعُ الذي تَرْجِعُ إليه جميعُ الأسماءِ، كما قال سبحانه: (وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف: 180] وعدَّه جُمهورُ العلماءِ الاسمَ الأعظمَ الذي إن سُئِل به أَعْطَى، وإن دُعِي به أجاب.
وقد بدَأ النَّظمَ بالحَمْدلةِ اتِّباعاً للقرآنِ، وعملاً بالسُّنَّةِ.
أما الأولُ: فقد بدَأ اللهُ تعالى كتابَه بسورةِ الحمدِ.
وأما الثاني: فواردٌ مِن قولِه وفعلِه صلَّى الله عليه وسلَّم.
أما القولُ: فحديثُ: (كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ فَهُوَ أَبْتَر ُ)’ رواه أبو داودَ وابنُ ماجه والنَّسائيُّ في (عملِ اليومِ والليلةِ) وأحمدُ والدارَقُطْنيُّ، وصحَّحه أبو عَوانةَ وابنُ حبَّانَ، وحسَّنه النَّوويُّ وابنُ الصَّلاحِ وابنُ حجَرٍ.
وأما الفعلُ: فقد كان صلَّى الله عليه وسلَّم يَفْتَتِحُ مواعظَه وخُطَبَه بالْحَمْدلةِ، كما يُؤْخَذُ مِن مجموعِ الرِّواياتِ.
ويقومُ مقامَ الحمدلةِ كلُّ ما فيه ثناءٌ للهِ تعالى، كالبسملةِ ونحوِها.
قولُه: (العَلِيِّ)، أي: المتَّصفِ بالعُلُوِّ المطلقِ، فيَشْمَلُ:
- عُلُوَّ الذاتِ: بمعنى أنه مُسْتَوٍ على عرشِه، عالٍ على خلْقِه، ويشملُ:
- عُلُوَّ القَهْرِ: بمعنى أن كلَّ شيءٍ تحتَ سلطانِه وقدرتِه، فهو الذي قهَر الأشياءَ بجلالهِ وعظمتِه.
وقد جمَع اللهُ بينهما في قولِه: (وَهَوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) [الأنعام، 18].
ويشْملُ:
- عُلُوَّ القَدْرِ والمكانةِ والشَّأْنِ: كما قال الحَكَميُّ رحِمه اللهُ:
عُلُوَّ قَهْرٍ وعُلُوَّ الشانِ *** جَلَّ عن الأضْدادِ والأعْوانِ
كذا له العُلُوُّ والفَْوقيَّهْ *** على عبادِه بلا كَيْفيَّهْ
و(العَلِيُّ) مِن أسماءِ اللهِ تعالى الحُسْنى، كما قال سبحانه: (وَهُوَ العَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة: 255]، بل ثبَت ما هو الأبلغُ، كما في قولِه: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) [الأعلى:1]
(الأَرْفَقُ) صيغةُ تفضيلٍ مِن الرِّفقِ، وهو الليِّنُ، وضدُّه العنفُ، والرِّفقُ مِن صفاتِه سبحانَه، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم :(إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ).
(جامعِ الأشياءِ والمفرِّقِ) يعني أنه سبحانَه يَجْمَعُ بينَ الأشياءِ في بعضِ المعاني والصفاتِ، ويُفَرِّقُ بينَها في البعضِ الآخرِ.
فالنَّاسُ يشتركون في أصلِ الرِّزقِ، فكلُّ مخلوقٍ مرزوقٌ (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) [هود:6]، ولكنَّهم يتفاوتون في مقدارِ الرِّزقِ ونوعِه على حسبِ الحكمةِ الإلهيَّةِ، كما قال سبحانَه: (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا في الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إنه بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) [الشورى:27].
والنَّاسُ يَجْتَمِعون في أصلِ الخلقِ، فكلُّهم مخلوقٌ للهِ تعالى، ولكنَّهم يَتَمايَزون في الهيئةِ والصُّورةِ والألوانِ.
وإطلاقُ هذا اللفظِ -أعْني: (وجامعِ الأشياءِ والمفرِّقِ)- على (اللهِ تعالى) من بابِ الإخبارِ، وليس مِن بابِ التَّسميةِ، فيَصِحُّ الإخبارُ عن اللهِ تعالى بكلِّ ما صحَّ من حيث المعنى، ولكن لا يُسَمَّى إلا بما ورَدَت تسميتُه به.
وتعبيرُ النَّاظمِ بقولِه: (وجامعِ الأشياءِ والمفرِّقِ) فيه بَراعةُ اسْتِهلالٍ، كما يسَمِّيه البلاغيُّون، والمرادُ بها: دَلالهُ مطلَعِ الكلامِ على مضمونِه، فهذا التَّعبيرُ يدلُّ على أن هذا النَّظمَ في القواعدِ الَّتي من شأنِها الجمعُ لكثيرٍ من الفروعِ، والتَّفريقُ بينَ بعضِها.
(2) (النِّعمُ): جمعُ نعمةٍ -بكسرِ النُّونِ- وهي: المنفعةُ المفعولةُ على جهةِ الإحسانِ إلى الغيرِ.
فخرَجَت المضرَّةُ، والمنفعةُ المفعولةُ على جهةِ الإساءةِ، فلا تسمَّى نعمةً.
وأما النَّعمةُ -بفتحِ النُّونِ- فهي التنعُّمُ.
(الواسعةُ): من الّسَّعةِ، وهي ضدُّ الضَّيقِ.
(الغزيرهْ): من الغَزارةِ، وهي الكثرةُ ضدُّ القلَّةِ.
ونعمُ اللهِ تعالى موصوفةٌ بهاتين الصِّفتين: (وَإِنْ تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا) [النحل:18] أي: لسَعتِها وكثرتِها.
(والحِكَمُ): جمعُ حكمةٍ، وهي:اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يمنَعُك مِن الوقوعِ في الخطأِ، وإذا قُرِنَت بآياتِ اللهِ وكتابِه فالمرادُ خصوصُ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، كقولِه تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِن آيَاتِ الِله وَالْحِكْمَةِ) [الأحزاب: 34].
(الباهرةِ): أي: المُدْهِشةِ للعقولِ لعظمتِها ودقَّتِها.
وهذه الحكمُ الكائنةُ في مخلوقاتِه وأحكامِه قد نُدْرِكُها لوضوحِها، وقد لا ندركُها لخفائِها، وقلَّةِ علومِنا، وضعفِ عقولِنا، فيكونُ خفاؤُها دليلاً على قصورِ العقلِ البشريِّ.
(3) (الصَّلاةُ): هي ثناءُ اللهِ على العبدِ في الملأِ الأعلى، وقيل: الرحمةُ، وهذا تفسيرُ باللازمِ، والأوَّلُ أصحُّ، لأنَّ اللهَ تعالى جمعَ بينَهما في قولِه تعالى: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) [البقرة:157]، والأصلُ في العطفِ إفادةُ المُغايَرةِ بينَ المعطوفِ والمعطوفِ عليه.
وهذا الأصحُّ رواه البخاريُّ تعليقاً، عن أبي العاليةِ رُفَيْعِ بنِ مِهْرانَ الرِّيَاحيِّ.
(والسَّلامُ): بمعني التَّسليمِ، وهو التَّحيَّةُ، أو المرادُ السَّلامةُ مِن النَّقائصِ. والأفضلُ عندَ ذكرِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُجْمَعَ بينَ الصَّلاةِ والسَّلامِ؛ لظاهرِ قولِه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56] حيث أمَرنا بالفعلَيْن.
(الرَّسول) أي: المُرْسَلُ إلى غيرِه، وهو شرعًا أخصُّ من النَّبيِّ.
وذهَب بعضُ العلماءِ إلى عدمِ التَّفريقِ بينَهما؛ لأنَّ اللهَ تعالى أثْبت لهما معنى الإرسالِ، فقال سبحانَه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ) [الحج، 52].
والصوابُ وجودُ الفرقِ بينَهما، بدليلِ العطفِ في الآيةِ السَّابقةِ، فإنه يقتضي المغايرةَ بينَهما في الأصلِ، وهذا قولُ الجُمهورِ.
ثم اختَلفوا في تحديدِ الفرقِ بينَهما:
فقيل: هو الأمرُ بالتَّبليغِ، فإن أُمِر بالتَّبليغِ فهو رسولٌ، وإن لم يُؤْمَرْ فهو نبيٌّ.
وقيل: هو في الشَّريعةِ المرسَلِ بها، فإن أُرْسِل بشريعةٍ جديدةٍ فهو رسولٌ، وإن أُرْسِل بشريعةٍ سابقةٍ فهو نبيٌّ.
(القرشيِّ) أي: المنسوبِ إلى قريشٍ، وهم بنو النَّضْرِ بنِ كِنانةَ، فكلُّ مَن كان مِن ولدِه فهو قرشيٌّ، وهذا الراجحُ من أقوالِ أهلِ النَّسَبِ، لقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: (نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لا نَقْفُو أُمَّنَا، وَلاَ نَنْتَفِي مِن أَبِينَا) رواه ابنُ ماجه، وحسَّنه الحافظُ ابنُ كثيرٍ في (الفصولِ).
وقولُه: (لاَ نَقْفُو أُمَّنَا). أي، لا نَتَّبِعُ أُمَّنا في النَّسبِ، لأنًَّ الولدَ يُنْسَبُ لأبيه دونَ أمِّه.
(الخاتَمِ). أي: الذي خُتِم به الأنبياءُ والمرسَلون، كما قال تعالى: (وَلَكنْ رَسُولَ اللهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب:40].
وفي الحديثِ الصحيحِ: (لاَ نَبِيَّ بَعْدِي)، وقد أجْمَع العلماءُ على ذلك.
(4) إضافةُ (الآلِ) إلى المُضْمَرِ هو مذهبُ جمهورِ أهلِ العربيَّةِ، وفي مقدِّمتِهم أبو العباسِ الْمَبرّدُ، خلافاً للكِسائيِّ وأبي جعفرٍ النَّحَّاسِ.
ومن شواهدِ الجمهورِ قولُ عبدِ المطَّلِبِ:
لا همَّ إنَّ المرءَ يَمْنَعُ رحلَه *** فامنعْ رِحالَكْ
وانصُرْ على آلِ الصَّليبِ *** وعابدِيه اليومَ آلكْ
والغالبُ في (الآلِ) أنه لا يُضافُ إلا إلى ما فيه شرفٌ، فلا يقالُ: آلُ الزَّبَّالِ، وآلُ الحَجَّامِ، ونحوُ ذلك.
وآلُه صلَّى الله عليه وسلَّم هم أقاربُه المؤمنون.
وقيل: أتباعُه إلى يومِ الدِّينِ، ويُقَوِّي الأولَ عطفُ (الصَّحبِ) عليه، فلو كان المرادُ الأتباعَ لاكْتُفِى به عن ذكرِ الصُّحبةِ.
والصَّحبُ: اسمُ جمعٍ لصاحبٍ.
والصَّحابيُّ هو: كلُّ من لقِي النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مؤمناً به، ومات على ذلك، ولو تخلَّلَته ردَّةٌ على الأصحِّ، كما قال الحافظُ ابنُ حجرٍ.
(الأبرارِ): جمعُ بَرٍّ، وهو الصَّادقُ والكثيرُ البِرِّ. والبَرَرةُ: جمعُ بارٍّ.
(الحائزي): أصلُه مِن الحَوْزِ، وهو الجمعُ والضَّمُّ.
(مراتبِ): جمعُ مرتبةٍ، وهي الدَّرجةُ والمنزلةُ.
(الفَخارِ): أي: الشَّرفِ.
وشَرَفُ الصُّحْبةِ لا يَعْدِلُه شرفٌ، فالصَّحابةُ هم أفضلُ طبقاتِ الأُمَّةِ بشهادةِ القرآنِ والسُّنَّةِ.
(5) (هُديتَ): دعاءٌ له بالهدايةِ، وهي التَّوفيقُ.
والدُّعاءُ لطالبِ العلمِ بالتَّوفيقِ والخيرِ فيه تأليفٌ لقلوبِ الطُّلابِ على مشقَّةِ العلمِ والصَّبرِ على تحصيلِه، وهو من أخلاقِ العلماءِ، والأصلُ فيه قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم لابنِ عبَّاسٍ، رضِي اللهُ عنه: (للَّهُمَّ فَقِّهْهُ ِفي الدِّين وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ).
ودعاءُ العالمِ الصالحِ مِن مَظانِّ الإجابةِ.
(أفضلَ المِنَنْ): أي: أحسنَ النِّعمِ التي وهَبها اللهُ للعبدِ بعدَ نعمةِ الإيمانِ.
(علمٌ يُزِيلُ الشَّكَّ عنك والدَّرَنْ):
العلمُ هو: إدراكُ الشَّيءِ على ما هو عليه في الواقعِ.
والشَّكُّ: هو التَّردُّدُ، ضدُّه اليقينُ، والمرادُ به مرضُ الشُّبُهاتِ.
والدَّرَنُ: هو القَذَرُ وَزْناً ومعنًى، والمرادُ به هنا مرضُ الشَّهَواتِ.
والمرضُ قسمان:
- حسيٌّ.
- ومعنويٌّ.
أما الحسيُّ: فهو اعتلالُ البدنِ، ومنه قولُه تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة:184].
والمعنويُّ نوعان:
1-مرضُ الشُّبُهاتِ: وهي الأباطيلُ التي تُشْبِه الحقَّ، سُمِّيت بذلك لشبهِها بالحقِّ، ومنه قولُه تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) [الأحزاب:12].
2-مرضُ الشَّهواتِ: وهي الغرائزُ المحرَّمةُ كالزِّنا.
ومنه قولُه تعالى: (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِه مَرَضٌ) [الأحزاب: 32].
وقد يَجْتَمِعان في العبدِ، وقد يَنْفَرِدُ أحدُهما.
ومرضُ الشُّبهاتِ: يُعالَجُ باليقينِ.
ومرضُ الشَّهواتِ: يُعالَجُ بالصَّبرِ، وبهما تُنالُ الإمامةُ في الدِّينِ (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24]، وجمعَ اللهُ بينَهما في قولِه: (إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر، 3]، فالحقُّ يَدْفَعُ الشُّبُهاتِ، والصَّبرُ يَكُفُّ عن الشَّهواتِ.
فضابطُ العلمِ النَّافعِ: هو العلمُ الذي يُزِيُل عن صاحبِه الشُّبهاتِ والشَّهواتِ.
(6) (يكشف): أي: يُظْهِرُ ويُبْرِزُ.
(الحقَّ): هو الثَّابتُ واللاَّزمُ، وضدُّه الباطلُ، وهو الزَّائلُ.
(لذي القلوبِ): الأصلُ أن يقالَ: (لذَوِي القلوبِ) بالجمعِ، لكن مراعاةُ الوزنِ يُوقِعُ في هذه المضايقِ.
والمرادُ بذَوِي القلوبِ: أصحابُ العقولِ، والقلبُ يُطْلَقُ على العقلِ، كقولِه تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لَمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) [ق:37] أي: عقلٌ؛ لأن القلبَ مَحَلُّ الفهمِ والإدراكِ، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كثيراً مِن الجنِّ والإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا) [الأعراف: 179]، فأضاف كلَّ عملٍ إلى آلتِه وأداتِه.
وسُمِّي القلبُ قلبًا لتقلُّبِه كثيرًا، كما قال الشاعرُ:
ما سمِّي القلبُ إلا من تقلبِه *** فاحْذَرْ لقلبِك مِن قلْبٍ وتَحْويلِ
وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ في دعائِه: (اللُّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ).
(ويُوصِلُ العبدَ): أي، يُبْلِغُه.
والعبدُ يطلقُ على ثلاثةِ معانٍ، كما ذكَره الرَّاغبُ الأصْفَهانيُّ:
1-عبدٌ بحكمِ الشرعِ، وهو الإنسانُ الذي يصحُّ بيعُه، ويقابلُه الحرُّ، ومنه قولُه تعالى: (وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ) [البقرة:178].
2-عبدٌ بالإيجادِ، وهو كلُّ مَن أوْجَده اللهُ تعالى، فيشملُ المخلوقاتِ جميعاً، كما قال تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً) [مريم، 93].
3- عبدٌ بالطَّاعةِ والعبادةِ، وهو نوعان:
أ- عبدٌ للهِ تعالى، وهذه عبوديةُ شرفٍ، ومنه قولُه: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) [الفرقان:63].
ب- عبدٌ لغيرِ اللهِ تعالى، وهذه عبوديةُ ذِلَّةٍ ومَهانةٍ، ومنه الحديثُ:
(تَعِس عبدُ الدِّينارِ، تَعِس عبدُ الدِّرهمِ).
والعبدُ في البيتِ المذكورِ من الإطلاقِ الثاني، وهو العبدُ بالإيجادِ الشَّاملِ للمعاني الأخرى.
وأصلُ مادةِ (عبد) يدلُّ على التَّذليلِ، كما تقولُ العربُ: طريقٌ مُعَبَّدٌ أي: مُذلَّلٌ، وتقولُ: عبَّدْتُ فلاناً، أي: ذلَّلَتُه واتَّخَذْتُه عبداً، ومنه قولُه تعالى: (أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الشعراء:22].
(المطلوبُ): أي: المقصودُ، ففي هذا إشارةٌ إلى أن العلمَ ليس مقصوداً لذاتِه، وإنما يُطْلَبُ للوصولِ به إلى العملِ ورِضْوان اللهِ تعالى، كما قيل: (هتَف العلمُ بالعملِ فإن أجابه وإلا ارْتَحل).
(7) الحرصُ: هو شدةُ الطَّلبِ والعنايةِ.
والفهمُ: الإدراكُ للشَّيءِ.
والقواعدُ: جمعُ قاعدةٍ، وهي في اللُّغةِ: الأساسُ، ومنه قولُه تعالى: (فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) [النحل،26].
وفي الاصطلاحِ: حكمٌ كُلِّيٌّ تَدْخُلُ فيه جزئيَّاتٌ كثيرةٌ.
وتُطْلَقُ القواعدُ على القواعدِ الأصوليَّةِ والقواعدِ الفقهيَّةِ، والمرادُ هنا الثَّاني، بقرينةِ قولِه: (جامعةِ المسائلِ الشَّواردِ)، وكونُ النَّظمِ في علمِ القواعدِ الفقهيَّة، ولكنَّه باعتبارِ الغالبِ؛ لأنه ذكَر بعضَ القواعدِ الأصوليَّةِ أيضاً.
والفرقُ بينَهما مِن وجوهِ:
أ - مِن جهةِ الموضوعِ، فإن موضوعَ علمِ القواعدِ الفقهيَّةِ أفعالُ المكلَّفين، وموضوعَ علمِ القواعدِ الأصوليَّةِ الأدلةُ والأحكامُ.
ب- أن القواعدَ الأصوليَّةَ أدلَّةٌ إجماليَّةٌ، والقواعدَ الفقهيَّةَ أحكامٌ كُلِّيَّةٌ، كما ذكَره الإمامُ ابنُ تيميَّةَ.
بالإضافةِ إلى فروقٍ أخري تُذْكَرُ في المطوَّلاتِ.
(المسائلِ): هي الوقائعُ التي يُسْأَلُ عنها.
(الشَّواردِ)، جمعُ شاردةٍ، وهي النَّافرةُ وغيرُ المجموعةِ.
فمن شأنِ القواعدِ الفقهيَّةِ أنها تَجْمَعُ المسائلَ المتناثرةَ تحتَ حكمٍ كُلِّيٍّ، فيَسْهُلُ على الإنسانِ معرفةُ أحكامِ الجزئيَّاتِ، ودراسةُ الفقهِ، لأن دراسةَ الفقهِ عن طريقِ القواعدِ أسهلُ وأشملُ، كما أن دراستَه عن طريقِ الجزئيَّاتِ أدَقُّ وأحكمُ.
والجزئيَّاتُ الفقهيَّةُ لا تَتَناهَى، ويَسْتَجِدُّ في كلِّ زمانٍ من المسائلِ ما لم يكنْ معروفاً قبلَ ذلك، قال الأهدلُ عن الفقهِ:
وهو فنٌّ واسعٌ منتَشِرُ *** فروعه بالعدِّ لا تَنْحَصِرُ
وإنما تضبطُ بالقواعدِ *** فحفظُها مِن أعظمِ الفوائدِ
والحفظُ وحدَه لا يَكفِي، ولابدَّ من الفهمِ، كما ذكَر النَّاظمُ.
(8) (ترتقي): أي تَعْلُو وتَصْعَدُ.
والمرتقَى هو: الشَّيءُ الذي يَحْصُلُ به الارتقاءُ، كالدَّرَجِ والسُّلَّمِ.
والاقتفاءُ: اتِّباعُ الأَثَرِ.
والسُّبلُ: جمعُ سبيلٍ، وهو الطَّريقُ وزناً ومعنًى، ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.
وباءُ السُّبلِ في النَّظمِ ساكنةٌ، مُراعاةً للوزنِ.
والمعنى: أنك لو فهِمْت هذه القواعدَ وحفِظْتَها، فإنك تعلو بذلك في منازلِ العلمِ، وتكونُ بذلك مُتَّبِعاً لآثارِ العلماءِ الموفَّقين لطريقِ الحقِّ.
(9) (قواعدٌ): بالتنوينِ مراعاةً للوزنِ، والأصلُ بدونِ التَّنوينِ، لأنه ممنوعٌ مِن الصَّرفِ، ولكنَّ الاضطرارَ مبيحٌ لذلك باتفاقٍ، قال ابنُ مالكٍ:
ولاضطرارٍ وتناسبٍ صرِفْ *** ذو المنعِ والمصروفُ قد لا يَنْصَرِفْ
(نظَمْتُها): أي، جعَلْتُها في نظمٍ، والنَّظمُ: عقدُ المنثورِ، كما أن الحلَّ هو نثرُ المنظومِ، وأصلُ النَّظمِ في اللُّغةِ جمعُ اللُّؤلؤ في سلكٍ، وإنما اختار النَّظمَ -مع ضيقِه- لسهولةِ حفظهِ وطولِ بقائِه في الذِّهنِ، كما قال ابنُ عاصمٍ الأنْدَلُسيُّ:
والنظمُ مُدْنٍ منه كلَّ ما قَصَى مُذَلِّلٌ مِن مُمْتَطاه ما اعْتَصَى
فهو مِن النَّثرِ لفهمٍ أسبقُ ومُقْتَضاه بالنفوسِ أعْلَق
ثم ذكَر النَّاظمُ أن هذه القواعدَ ليست مِن بناتِ أفكارِه، ونتائجِ اختراعاتِه، ولكنها مستفادةٌ مِن كتبِ العلماءِ.
وهذا مِن أدبِ النَّاظمِ، وحسنِ أخلاقِه، فإن مِن بَرَكةِ العلمِ أن يُنْسَبَ إلى صاحبِه، كما يقالُ.
وأما الذي يَنْسِبُ الفوائدَ لنفسِه، مع علمِه أنها لغيرِه فهو داخلٌ في قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم :(المُتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابسِ ثَوْبَيْ زُورٍ).
(10) (جزاهم): أي: أثابهم.
(المولى): لفظٌ مشتركٌ، يُطْلَقُ على المُعْتَقِ، والمُعْتِقِ والمالكِ، والنَّاصرِ، والجارِ، وابنِ العمِّ، والصَّاحبِ، والقريبِ، والحليفِ.
والمرادُ هنا: المالكُ والنَّاصرُ، وهو اللهُ تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد:11].
(عظيمَ الأجرِ): من بابِ إضافةِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ، والمرادُ: أجراً عظيماً.
(والعفوَ مع غُفرانِه): العفوُ والغُفرانُ:بمعنى التَّجاوُزِ عن الذَّنْبِ، والأوَّلُ أبلغُ؛ لأنه يفيدُ محوَ الشَّيءِ وإزالتَه، بخلافِ الغُفرانِ فإنه يدلُّ على التَّغطيةِ، وهذا لا يفيدُ الإزالةَ.
والدُّعاءُ لأهلِ العلمِ مِن حسنِ الأدبِ، وجميلِ الأفعالِ، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا) [الحشر: 10].
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَن آتَى إِلَيْكُمْ مَعْروفاً فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوْا فَادْعُوْا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ )
ومعروفُ العلمِ أعظمُ مِن معروفِ المالِ.
ولهذا تَسْتَغْفِرُ النَّمْلُ في جُحْرِها والحيتانُ في بحرِها لمعلِّمِ النَّاسِ الخيرَ.
(11) (النِّيَّةُ): العزمُ والقصدُ، فمَن قصَد شيئاً، وعزَم على فعلِه فقد نواه.
وبدأ النَّاظمُ بما يتعلَّقُ بالنِّيَّةِ تنبيهاً للقارئِ إلى استحضارِها وتخليصِها قبلَ البدءِ بهذه القواعدِ.
وقد استحبَّ جماعةٌ من السَّلفِ بَدْءَ المصنَّفاتِ بحديثِ النِّيَّاتِ لهذا المعني، كما فعَله الإمامُ البخاريُّ في (صحيحِه).
(شرطٌ) الشَّرطُ: ما يَلْزَمُ مِن عدمِه العدمُ، ولا يلزمُ من وجودِه وجودٌ، ولا عدمٌ لذاتِه.
مثالُ ذلك: الطَّهارةُ شرطٌ في صحةِ الصَّلاةِ، فلا يلزمُ من وجودِ الطَّهارةِ وجودُ صحةِ الصَّلاةِ ولا عدمُها، ويلزمُ مِن عدمِ الطَّهارةِ عدمُ صحةِ الصَّلاةِ.
فالنِّيَّةُ شرطٌ.
وقيل: ركنٌ، والأولُ هو الصَّحيحُ المشهورُ؛ لأنها ليست جزءاً من العملِ.
والشَّرطُ والرُّكنُ:
يَجْتَمعان في انعدامِ صحةِ العملِ عندَ عدمِهما.
ويفترقان في أن الرُّكنَ جزءٌ مِن حقيقةِ الفعلِ وماهيَّتِه.
كالرُّكوعِ من الصَّلاةِ، وأما الشَّرطُ فإنه خارجٌ عن حقيقةِ الفعلِ وماهيَّتِه، كاستقبالِ القبلةِ أثناءَ الصَّلاةِ، قال بعضُ العلماءِ:
الرُّكنُ ما في ذاتِ شيءٍ ولجا *** والشَّرطُ عن ماهيَّةٍ قد خرَجَا
لكن كلاهما إذا ما انْعَدَما *** انعدَمت حقيقةٌ معهما
(سائر العمل): لفظُ (سائر) يأتي في اللُّغةِ، بمعنى (كلِّ) باتفاقٍ، ويأتي بمعنى (الباقي) على خلافٍ فيه بينَ أهلِ اللُّغةِ.
وعلامةُ الأوَّلِ: ألا يتقدَّمَه ذكرُ شيءٍ معيَّنٍ يُعْتَبَرُ فرداً من أفرادِ ما بعدهَ، كقولِهم: سائرُ الطُّلابِ مجتهدون.
وعلامةُ الثَّاني: أن يتقدَّمَه ذكرُ شيءٍ معيَّنٍ هو فردٌ من أفرادِ ما بعدهَ، كقولِهم: (زيدٌ مجتهدٌ وسائرُ الطُّلابِ كُسالَى).
والمرادُ هنا الأوَّلُ، فيكونُ المعنى، (النِّيَّةُ شرطٌ لكلِّ الأعمالِ) وبها يُحْكَمُ على العملِ بالصَّلاحِ أو الفسادِ.
ويُسْتَثْنَى من هذا العمومِ أمران:
1- التُّروكُ، كتركِ الزنا وتركِ القتلِ، وتركِ سائرِ المعاصي، فهذه التُّروكُ داخلةٌ في الأعمالِ مِن جهةِ اللَّفظِ، لأن التَّركَ نوعٌ مِن أنواعِ الفعلِ، كما قال تعالى: (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 79] وأنْشَدَ بعضُ الصَّحابةِ:
لئِنْ قعَدْنا والنَّبيُّ يَعْمَلُ***لَذاك منا العملُ المضَلِّلُ
فالنِّيَّةُ ليست شرطاً في صحةِ التُّروكِ، فكلُّ مَن ترك المعاصيَ فذِمَّتُه بريئةٌ مِن الإثمِ، ولكن لا ثوابَ له على التَّركِ إلا بنيَّةِ الامتثالِ.
2- الأعمالُ الدُّنْيَويَّةُ المَحْضَةُ التي يَحْصُلُ المقصودُ منها بمجردِ الفعلِ، ولا يتوقَّفُ على النِّيَّةِ، كردِّ المغصوباتِ والدِّيونِ والأماناتِ إلى أهلِها، فإن المقصودَ هو رجوعُ المالِ إلى صاحبِه، وهذا يحصلُ بمجردِ الردِّ، ولا يتوقَّفُ على النِّيَّةِ.
وكذلك النَّفقةُ على الزَّوجةِ والأولادِ يُقْصَدُ بها سدُّ حاجتِهم، وهذا حاصلٌ بمجرَّدِ الفعلِ دونَ توقُّفٍ على نيَّةِ الامتثالِ، ولكن لا ثوابَ إلا بنيَّةٍ.
وهذا الاستثناءُ واردٌ على قولِ مَن عمَّم الأعمالَ في حديثِ: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ )تمسُّكاً بظاهرِ اللَّفظِ، وهو مذهبُ البخاريِّ رحِمه اللهُ.
وأما مَن خصَّ الأعمالَ في الحديثِ بالعباداتِ فلا يَرِدُ الاستثناءُ عليه.
والنَّاظمُ في هذا البيتِ يشيرُ إلى القاعدةِ الكُلِّيَّةِ الكبرى، وهي (الأمورُ بمقاصدِها) بمعنى أن تصرفاتِ المكلَّفِ تختلفُ أحكامُها باختلافِ مقصودِ الشَّخصِ ونيَّتِه فيها.
مثالُ ذلك: من وجَد مالاً مفقوداً، فإن أخَذَه بنيَّةِ التملُّكِ لنفسِه يكونُ غاصباً، ويلزمُه الضَّمانُ عند التَّلفِ، وأما إن أخَذه بنيَّةِ الحفظِ، وقصدِ التَّعريفِ، فإنه يكون أميناً، ولا يَضْمَنُ المالَ عند التَّلفِ إلا بالتَّفريطِ.
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه صلي الله عليه وسلَّم، (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ )متَّفقٌ عليه.
(12) (الدِّينُ) في اللُّغةِ: الطَّاعةُ والجزاءُ.
فمِن الأوَّلِ قولُ الشَّاعرِ:
وأيَّامٍ لنا غرٍّ طوالٍ *** عصَيْنا الملْكَ فيها أن نَدِينا
ومِن الثَّاني قولهمُ: (كما تَدِينُ تُدانُ) ومنه: (يومُ الدِّينِ)،أي: الجزاءِ.
وأُطْلِق على الشَّريعةِ لفظُ الدِّين لقيامِها على معنى الطَّاعةِ والجزاءِ.
(المصالح): جمعُ مصلحةٍ، وهي المنفعةُ وزناً ومعنًى.
(القبائح): هي المفاسدُ، جمعُ مفسدةٍ، وهي المضرَّةُ.
والمعنى أن الشَّريعةَ مبناها على جلبِ المصالحِ، ودرءِ المفاسدِ، فما أمَر الشرعُ بفعلٍ إلا وفيه مصلحةٌ راجحةٌ، وما نهَى عن فعلٍ إلا وفيه مفسدةٌ راجحةٌ.
وهذه هي القاعدةُ العامَّةُ التي تَرْجِعُ إليها أصولُ الشَّريعةِ وفروعُها، وسائرُ القواعدِ الفقهيَّةِ، كما قال الأهدلُ:
بل بعضُهم قد رجَّع الفقهَ إلى *** قاعدةٍ واحدةٍ مكمِّلا
وهي اعتبارُ الجلبِ للمصالحِ *** والدَّرءِ للمفاسدِ القبائحِ
بـــل قــال قد يرْجــعُ كــله إلى *** أولِ جزْئيْ هذه وقبلا
يعني: أن بعضَ العلماءِ وهو العزُّ بنُ عبدِ السَّلامِ -أرْجَع الفقهَ كلَّه إلى قاعدةٍ واحدةٍ، وهي: (جلبُ المصالحِ ودرءُ المفاسدِ).
وقال ابنُ السُّبْكيِّ: بل يَرْجِعُ الفقهُ كلُّه إلى الجزءِ الأوَّلِ مِن القاعدةِ، وهي: (جلبُ المصالحِ)؛ لأن درءَ المفاسدِ نوعٌ مِن جلبِ المصالحِ.
والدليلُ لهذه القاعدةِ: العمومُ والاستقراءُ.
أما العمومُ فمنه: قولُه تعالى: (إنَّ اللهَ يأًمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) (النحل:90).
قال ابنُ مسعودٍ رضِي اللهُ عنه: (هذه أجمعُ آيةٍ للخيرِ والشَّرِّ). يعني: أن كلَّ خيرٍ يدخلُ في الأمرِ المذكورِ في الآيةِ، وكلَّ شرٍّ يدخلُ في النَّهيِ المذكورِ فيها.
وأما الاستقراءُ -وهو تتبُّعُ الجزئيَّاتِ للوصولِ إلى حكمٍ كلِّيٍّ-: فهو واضحٌ من تتبُّعِ الأحكامِ، والنَّظرِ في عللِها وحِكَمِها.
(13) (التَّزاحُمُ): هو التَّعارُضُ بينَ أمرين بحيث لا يمكنُ الجمعُ بينَهما.
والمعنى: أن المصلحتَيْن إذا تعارَضَتا بحيث لم يمكنِ الجمعُ بينَهما بفعلِ الجميعِ، فيُؤْخَذُ بأعلاهما، ولو أدَّى إلى تفويتِ أدْناهما.
فإذا تعارَض واجبان، ولم يمكنِ الإتيانُ بهما فيُعْمَلُ بأوجبِهما، كمثلِ الزَّوجةِ إذا تعارَض في حقِّها أمرُ زوجِها وأمرُ أبويها، فتَعْملُ بأمرِ الزَّوجِ؛ لأن طاعتَه آكَدُ وأوجبُ.
وإذا تعارَض واجبٌ ومندوبٌ، ولم يمكنِ القيامُ بهما جميعاً، فيُؤْخَذُ بالواجبِ، ولو أدَّى إلى تفويتِ المندوبِ، كما لو أُقِيمت الصَّلاةُ المفروضةُ فلا يَشْرَعُ في النَّافلةِ، أو ضاق الوقتُ عن أداءِ الفريضةِ والنَّافلةِ فتُؤَدَّي الفريضةُ.
وإذا تعارَضت سنَّتان، فيُؤْخَذُ بالأوكدِ منهما.
وإذا تعارَضَت مصلحتان عامَّةٌ وخاصَّةٌ، فتقدَّمُ المصلحةُ العامَّةُ؛ لأنها آكَدُ.
(14) يعني: أن المفاسدَ إذا تعارَضَت بحيث لابدَّ من وقوعِ المكلَّفِ في بعضِها، فيرتكبُ المكلَّفُ أدنى المفاسدِ وأقلَّها، ويدفعُ أعلاها وأقْواها.
مثالُ ذلك: أن يتعارَضَ محرَّمٌ ومكروهٌ، فيفعلُ المضطرُّ المكروهَ، ولا يفعلُ المحرَّمَ، كما لو اضْطُرَّ إلى أكلِ الرِّبا أو المالِ المُشْتَبَهِ فيه، فيأكُلُ من المُشْتَبَهِ فيه.
ولو تعارض محرَّمان، أحدُهما متَّفقٌ على تحريمِه، والآخرُ مختلَفٌ فيه، فيرتكبُ المضطرُّ الثانيَ دونَ الأوَّلِ.
ولو تعارض مكروهان، فيرتكبُ المضطرُّ أدناهما كراهةً، وعلى هذا فقِسْ.
ويدلُّ لذلك قصةُ الخَضِرِ عليه السَّلامِ والسَّفينة، فقد تعارَضَت مفسدتان؛ أخْذُ الملكِ للسَّفينِة، أو خَرْقُها مع بقائِها في يدِ المساكينِ، فاختار خرقَ السَّفينِة؛ لأنه أهونُ ضررًا، وأقلُّ مفسدةً.
وكذلك النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُقِمْ حدَّ القَذْفِ على عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ بنِ سَلُولَ في حادثةِ الإفْكِ، مع أنه الذي توَلَّي كِبْرَها، وهذا مفسدةٌ، ولكنَّها كانت أقلَّ ضررًا، وأدنى مفسدةً من مفسدةِ الفتنةِ العظيمةِ التي كان يمكنُ أن تَقَعَ بالمدينةِ عندَ إقامةِ الحدِّ عليه؛ لأنه كان رجلاً متبوعاً، وله شوكةٌ.
وهذا أمرٌ مركوزٌ عندَ العقلاءِ، كما قيل:
إنَّ اللبيبَ إذا بدا مِن جسمِه *** مرضان مختلفان داوَى الأخْطَرَا
وبِقيَت صورةٌ ثالثةٌ لم يَذْكُرْها النَّاظمُ، وهي تعارُضُ المصالحِ بالمفاسدِ، والحكمُ فيها أن المعتبرَ هو الأرجحُ منهما، فإن كانت المصلحةُ هي الأرجحَ فيُباشِرُ الفعلَ، وإن كانت المفسدةُ هي الأرجحَ فيتركُ الفعلَ.
ويشهدُ لهذا الحديثُ الصحيحُ: (لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ وَلَبَنَيْتُهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ) .فبناءُ الكعبةِ على قواعدِ إبراهيم مصلحةٌ، ولكنَّ افتتانَ الضُّعفاءِ وتشهيرَ الأعداءِ مفسدةٌ راجحةٌ على تلك المصلحةِ، فترَكه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
وأما إذا تساوَت المصلحةُ والمفسدةُ، ولم تَرْجَحْ إحداهما، فدرءُ المفاسدِ مقدَّمٌ على جلبِ المصالحِ؛ لأن عنايةَ الشارعِ بتركِ المنهياتِ آكَدُ من عنايتِه بفعلِ المأموراتِ، كما في الحديثِ: (إذا أمَرْتُكم بشيءِ فأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُم، وإذا نهَيْتُكم عن شيءٍ فاجْتَنِبوه) .
ودرءُ المفسدةِ كرأسِ المالِ، وجلبُ المصلحةِ كالرِّبحِ، والمحافظةُ على رأسِ المالِ أولى من المحافظةِ على الربحِ.
(15) في النُّسخِ المُتداولةِ: (الشَّريعة) بدلُ (شرعِنا)، ولا يُقْرَأُ البيتُ بها إلا بتكلُّفٍ، فالأحسنُ قراءتُها (شرعِنا).
والشَّرعُ والشَّريعةُ في أصلِ اللُّغةِ: (موردُ الماءِ)، وأُطْلقِ على ما شرَعه اللهُ لعبادِه مِن الأحكامِ، تشبيهاً بشَريعةِ الماءِ؛ لأنَّ بها تحصلُ حياةُ القلوبِ، ويتحَقَّقُ الرِّيُّ المعنويُّ، كما أن الماءَ تحصلُ به حياةُ الأبدانِ، ويتحقَّقُ الرِّيُّ الحسِّيُّ.
وقد جاء الرِّيُّ المعنويُّ في قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: (إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِيِني).
وفي قولِ أبي الفتحِ البُسْتيِّ:
يا أيُّها العالِمُ المرضيُّ سيرتُه *** أبشِرْ فأنت بغيرِ الماءِ رَيَّانُ
ومعنى البيتِ: أنَّ من قواعدِ الشَّريعةِ، (المشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيسيرَ) بمعنى أنَّ الصُّعوبةَ والمشقَّةَ تكونُ سبباً للتَّخفيفِ في الحكمِ الشَّرعيِّ.
فالأصلُ أن اللهَ تعالى لا يُكَلِّفُ العبدَ بعملٍ فيه مشقَّةٌ زائدةٌ، ولكن إذا وقَعت عليه هذه المشقَّةُ لأمرٍ خارجيٍّ فإنَّ الشَّارعَ يخفِّفُ عنه الحكمَ ويُرَخِّصُ له، كما قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج:78].
ولكن ليس كلُّ مشقَّةٍ تكونُ سبباً للرُّخصةِ، وإنما المرادُ المشقَّةُ الزائدةُ غيرُ المعتادةِ، وهي التي تؤدِّي إلى هلاكِ المكلَّفِ أو مرضِه أو انقطاعِه عن العملِ، كالرَّجلِ إذا أجْنَب في ليلةٍ باردةٍ، وخشِي إن اغْتَسل أن يَمْرَضَ أو يَهْلِكَ، فيُرَخَّصُ له في التيمُّمِ وتركِ الغُسْلِ.
(16) الواجبُ: هو ما طَلب الشَّارعُ فعلَه على وجهِ اللِّزومِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ.
والمحرَّمُ: هو ما طلَب الشَّارعُ تركَه على وجهِ اللِّزومِ كالرِّبا والكذبِ.
ومعنى الشَّرطِ الأوَّلِ أنه لا واجبَ مع العجزِ، فإذا عجَز المكلَّفُ عن القيامِ بالواجبِ فلا يكونُ واجباً في حقِّه، كالأعْمَى والأعرجِ لا يَجِبُ عليهما الجهادُ لعجزِهما عنه.
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه تعالى: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16] .
وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
ومعنى الشَّرطِ الثَّاني، أنه لا محرَّمَ مع الضَّرورةِ، فالمكلَّفُ إذا اضْطُرَّ إلى فعلِ المحرَّمِ فإنه لا يكونُ محرَّماً عليه، ولا يكونُ آثِماً عندَ ذلك، كالمنقطعِ في الصَّحْراءِ يَضْطَرُّ إلى أكلِ الميتةِ فلا حرَجَ عليه في ذلك.
وهذا معني قولِ الفقهاءِ: (الضَّروراتُ تُبِيحُ المحظوراتِ).
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه تعالى: (وَقَدْ فَصَّلْ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) [الأنعام:119] ، فأخْبر أن المضْطرَّ إليه مُسْتَثْنًى مِن المحرَّماتِ.
(17) المحظورُ: المحرَّمُ والممنوعُ.
والمعنى أن المضطرَّ إلى المحرَّمِ يَجِبُ عليه أن يقتصرَ على المقدارِ الذي تَنْدفعُ به الضَّرورةُ.
وهذا معنى قولِ الفقهاءِ: (الضَّرورةُ تُقَدَّرُ بقدرِها)، وهي قيدٌ لقاعدةِ: (الضَّروراتُ تُبيحُ المحظوراتِ).
فالمضطرُّ إلى أكلِ الميتةِ يأْكلُ منها بقدرِ ما يدفَعُ به الهلاكَ عن نفسِه.
والمرأةُ المضطرَّةُ إلى الكشفِ عندَ طبيبٍ أجنبيٍّ تكشِفُ بمقدارِ ما يحتاجُ إليه العلاجُ دونَ زيادةٍ.
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة:173] ، فقيَّد نفيَ الإثمِ عن المضطرِّ بعدمِ البغيِ والعُدْوانِ.
والبغيُ: أن يأخذَ الإنسانُ بحكمِ الضَّرورةِ، وهو غيرُ مضطرٍّ.
والعدوانُ: هو تجاوُزُ مقدارِ الضَّرورةِ.
(18) (الأحكامُ): جمعُ حكمٍ، وهو: إثباتُ أمرٍ لآخرَ، أو نفيُه عنه، ويَنْقَسِمُ إلى:
حكمٍ عقليٍّ وشرعيٍّ ولُغَويٍّ وعاديٍّ.
والحكمُ الشرعيُّ هو: مدلولُ خطابِ اللهِ المتعلِّقِ بأفعالِ العبادِ طلباً أو تخييراً أو وضْعاً.
واليقينُ هو: الإدراكُ الجازمُ الذي لا تردُّدَ فيه.
والشَّكُّ: يُطْلَقُ على مطلقِ التَّردُّدِ، ويُطْلَقُ على الاحتمالِ المتساوِي الطَّرفَيْن.
والمعنى أن الإنسانَ إذا تحقَّق مِن وجودِ الشَّيءِ، ثم طَرأ عليه الشَّكُّ في زَوالِه، فيَرْجِعُ إلى الأصلِ المتيقَّنِ، وهو بقاؤُه واستمرارُه، ولا يَلْتَفِتُ إلى زَوالِه المشكوكِ فيه.
مثالُ ذلك: أن يتوضَّأَ المسلمُ لصلاةِ الظُّهرِ مثلاً، ثم يشكُّ في زوالِ الطَّهارةِ عندَ صلاةِ العصرِ، فإنه يَعْتَبِرُ نفسَه متوضِّئاً، ويبني على ذلك، لأنه الأصلُ المتيقَّنُ.
وكذلك: من شكَّ في طلاقِ امرأتِه، فإنه يبني على الأصلِ المتيقَّنِ، وهو بقاءُ الزَّوجيَّةِ.
وكذلك: من شكَّ في حصولِ الرَّضاع بينَه وبينَ امرأةٍ أجنبيَّةٍ، فيبني على الأصلِ المتيقَّنِ، وهو كونُها أجنبيَّةً عنه.
والأصلُ في هذه القاعدة قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه، ولم يَدْرِ كم صلَّى، ثلاثًا أم أربعًا؟ فلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، ولْيَبْنِ على ما استَيْقَن)
وكذلك لمَّا شُكِي إليه الرجلُ يُخَيَّلُ إليه أنه يَجِدُ الشيءَ في الصَّلاةِ، قال صلَّى الله عليه :(لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحا) .
وهذا الحكمُ صحيحٌ مُتَّجِهٌ إن كان المعارِضُ للأصلِ المتيقَّنِ هو الشَّكَّ بمعنى الاحتمالِ المتساوِي الطَّرفَيْن، فيُرَجَّحُ احتمالُ البقاءِ على احتمالِ الزَّوالِ بموافقةِ الأوَّلِ للحالةِ الأولى.
وأما إن كان المعارِضُ للأصلِ المتيقَّنِ هو الظنَّ بمعنى الاحتمالِ الراجحِ، فيَجْرِي فيه الخلافُ المعروفُ في تعارُضِ الأصلِ والغالبِ.
والأقربُ ترجيحُ الغالبِ بدليلِ وجوبِ العملِ بالبيِّنةِ الظَّنِّيَّةِ كشهادةِ الرجلين مع أن الأصلَ براءةُ الذِّممِ.
وبدليلِ عملِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بخبرِ المرأةِ السوداءِ في الرَّضاعِ مع كونِه خبرَ واحدٍ لا يفيدُ إلا الظَّنَّ، فترَك به الأصلَ، وهو عدمُ الرَّضاعِ.
والأصلُ والغالبُ إن تعارَضا *** فـقدِّمِ الغالبَ وهْو المرْتَضَى
وهذا من بابِ ترجيحِ القياسِ على التمسُّكِ بالبراءةِ الأصليةِ، كما هو مذهبُ الجُمهورِ؛ لأن الظَّنَّ المستفادَ مِن القياسِ الصحيحِ أقوى من الظَّنِّ المستفادِ مِن الاسْتِصْحابِ، والحكمُ المُسْتَصْحَبُ، وإن كان يقينيًّا في أصلِه إلا أنه ظَنِّيٌّ مِن جهةِ بقائِه واستمرارِه، فرجَعَت المسألةُ إلى تعارُضِ الظُّنونِ.
وإن كانت هناك فروعٌ مُسْتَثْناةٌ مِن القاعدةِ، تُذْكَرُ في المطوَّلاتِ (كقواعدِ) ابنِ رجبٍ، (وأشباهِ) السِّيوطيِّ.
(19) لمَّا ذكَر النَّاظمُ -رحِمه اللهُ- أن الواجبَ هو التَّمسُّكُ بالأصلِ المتيقَّنِ حتى يَثْبُتَ زوالُه، شرَع في بيانِ بعضِ الأصولِ التي يَجِبُ التَّمسُّكُ بها عندَ وُرودِ الشَّكِّ، وهي أصولٌ تابعةٌ لقاعدةِ: (اليقينُ لا يَزولُ بالشَّكِّ) وتُمَثِّلُ جانبَ اليقينِ منها، ولذا ذكَرها النَّاظمُ عَقِبَ القاعدةِ.
(والأصلُ): يُطْلَقُ الأصلُ على معانٍ متعدِّدةٍ، كالدَّليلِ، والرَّاجحِ، والقاعدةِ المستمرَّةِ، والحالةِ الأولى المُسْتَصْحَبةِ، والمرادُ هنا الأخيرُ.
(مياهنا): المياهُ جمعُ ماءٍ، وهو السائلُ المعروفُ الذي تحصلُ به الحياةُ.
فالأصلُ في هذه الأمورِ الأربعةِ الطَّهارةُ، فمتى وقَع الشَّكُّ في حصولِ النَّجاسةِ بها، فالواجبُ اعتبارُ الطَّهارةِ؛ لأنها الأصلُ المتيقَّنُ.
وذكْرُ الأشياءِ الأربعةِ لا يرادُ به التَّخصيصُ، بل المرادُ التَّمثيلُ، وإلا فالأصلُ في سائرِ الأشياءِ الطَّهارةُ حتى يثبتَ خلافُ ذلك بالدَّليلِ.
(20-21) (الأبضاعُ): جمعٌ مفردُه بُضْعٌ -بضمِّ الباءِ- ويُطْلَقُ على الفرجِ والجِماعِ والتَّزويجِ، والمرادُ هنا الأولُ، وقيل: الثَّاني، وبينَهما تلازمٌ.
(الأموال): جمعُ مالٍ، وهو كلُّ ما يُنتفعُ به، سمِّي مالاً؛ لأن النُّفوسَ تَميلُ إليه طَبْعًا.
(المعصوم): هو المسلمُ والذِّمِّيُّ، أُطْلِق عليهما لفظُ (المعصوم) لعِصمةِ دمِهما وأموالهِما شرعًا، وفي هذا التعبيرِ إشارةٌ على أن مَناطَ الحكمِ هو العصمةُ، فالمرتدُّ والكافرُ الحربيُّ تَحِلُّ دماؤُهم؛ لأنه لا عصمةَ لهما.
(ما يمل): أيْ: ما يُمْلَى عليك.
فأفاد النَّاظمُ أن الأصلَ في الفروجِ التَّحريمُ، فلا تُسْتَحَلُّ إلا ببيِّنةٍ واضحةٍ، فمن شكَّ في امرأةٍ هل هي زوجتُه، أو أجنبيَّةٌ عنه، فلا تَحِلُّ له شرعًا حتى تقومَ البيِّنةُ على الزَّوجيَّةِ.
وبهذا الأصلِ استدلَّ بعضُ العلماءِ على عدمِ جوازِ نكاحِ الإنْسيِّ للجِنِّيَّةِ والعكسِ، وتَأَيَّد هذا الأصلُ بقولِه تعالى: (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) [الروم،21].
فامْتَنَّ علينا بكونِ أزواجِنا منا، لا مِن غيرِنا، وأخْبَر أنه جعَلهن من أنفسِنا لأمرٍ مقصودٍ، وهو حصولُ السَّكَنِ والطِّمأنينةِ، وهذا غيرُ حاصلٍ في زواجِ الجِنِّيِّ بالإنْسيَّةِ، والعكسِ.
وكذلك الأصلُ في النُّفوسِ والأموالِ تحريمُها، فلا يجوزُ قتلُ المسلمِ أو الذِّمِّيِّ أو مصادرةُ أموالهِما إلا ببُرهانٍ شرعيٍّ واضحٍ، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (كلُّ المُسلِمِ على المُسلِمِ حَرَامٌ دمُه ومالُه وعِرْضُه) .
وأما اللحوم فقد ذكرالنَّاظمُ -رحِمه اللهُ- أن الأصلَ فيها التحريمُ، وهذا يحتاجُ إلى تفصيلٍ.
فالشكُّ إما أن يكونَ في إباحةِ جنسِ اللُّحومِ أو نوعِها، فيُتَمَسَّكُ بالأصلِ، وهو الإباحةُ، كما ذكَر البَهُوتيُّ وابنُ حزمٍ والشَّوكانيُّ وغيرُهم.
ودليلُ ذلك قولُه تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة 29].
وقولُه تعالى: (كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا) [البقرة:168].
وفي الحديثِ: (الْحَلالُ مَا أَحَلَّهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ، والْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا لَكُمْ) رواه التِّرمذيُّ وابنُ ماجه.
وإما أن يكونَ الشَّكُّ في توفُّرِ شروطِ الإباحةِ كالتَّسميَّةِ، فهنا قال بعضُ العلماءِ بأن الأصلَ التَّحريمُ فلا يَحِلُّ الأكلُ منها حتى تثبتَ شروطُ الإباحةِ، وقالوا: (الشُّكُّ في الشَّرطِ مانعٌ من ترتُّبِ المشروطِ)، لأن اللهَ تعالى لم يُحِلَّ لنا الأكلَ منها إلا بشروطٍ، فلابدَّ من ثبوتِها، والأصلُ عدمُها.
والأقربُ إباحةُ الأكلِ في هذه الصُّورةِ؛ لما رواه البخاريُّ، عن عائشةَ رضِي اللهُ عنها: (أنَّ أُناسًا قالوا،يا رسولَ اللهِ، إنَّ قومًا حَدِيثي عهدٍ بشركٍ، يأتوننا بلحمٍ، لا ندري أذَكَروا اسمَ اللهِ عليه، أو لم يَذْكُروا؟ قال: سَمُّوا أَنْتُمْ وكُلُوا) .
فلم يَعْتَبِرِ الشَّكَّ في وجودِ الشَّرطِ، وهكذا بقيةُ الشُّروطِ لعدمِ الفرقِ، وإن كان الأصلُ في الشُّروطِ عدمَ وجودِها إلا أن هذا الأصلَ عارَضه أصلٌ آخرُ، وهو كونُ الأصلِ في أفعالِ المسلمين الصِّحَّةَ، ووقوعَها على الوجهِ الشَّرعيِّ.
بالإضافةِ إلى معارضةِ الغالبِ، وهو وجودُ الشَّرطِ صحيحًا.
ويُسْتَثْنَى من ذلك بابُ الصَّيدِ، فإذا وقَع الشَّكُّ في المُبيحِ، وهو توفُّرُ الشُّروطِ، فلا يَحِلُّ الأكل منه لحديث :(إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وَسَمَّيْتَ فَكُلْ)، قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟ فَقَالَ: (لا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الآخَرِ)، مُتَّفقٌ عليه.
فمنَع من الأكلِ عندَ وجودِ الشَّكِّ في قاتلِه.
وكذلك في حديثِ عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، رضِي اللهُ عنه قال صلى الله عليه وسلم :(إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلْ فَكُلْ إِلا أَنْ تَجِدَهُ وَقَعَ فِي مَاءٍ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ) متَّفقٌ عليه.
فمنَع من الأكلِ مع الشَّكِّ في شرطِه، فلو كان الأصلُ الإباحةَ لمَا منَع مِن ذلك.
والفرقُ بينَ بابِ الصَّيدِ وبابِ الأطعمةِ والذَّبائحِ مِن وجهين:
1- أن الأصلَ، وهو عدمُ وجودِ الشَّرطِ، عارَضه الغالبُ وأصلٌ آخرُ في بابِ الأطعمةِ والذَّبائحِ، بِخلافِ بابِ الصَّيدِ.
2- أن بابَ الأطعمةِ والذَّبائحِ تتَعَلَّقُ به الحاجةُ العامَّةُ، بخلافِ الصَّيدِ، فليست الحاجةُ فيه كالحاجةِ في بابِ الأطعمةِ.
(22-23) (مذكورْ): بسكونِ الرَّاءِ، ويمكنُ كسرُها مع كسرِ الرَّاءِ في الشَّطرِ الأوَّلِ من بابِ الجرِّ بالمُجاورةِ كقولهِم: (جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ)، وكقولِ امرِيءِ القيسِ:
كأنَّ ثَبِيرًا في عَرانينِ وَدْقِه *** كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
والأصل: (مزملُ) بالرفعِ، والأوَّلُ أحسنُ.
وأفعالُ العبادِ تنقسمُ إلى قسمين:
عاداتٌ وعباداتٌ:
فالعاداتُ: ما يعتادُه النَّاسُ في أمورِ حياتِهِم كالمأكلِ والمشربِ والملبسِ والبيعِ والشِّراءِ، وسائرِ العقودِ والشُّروطِ.
والعباداتُ: هي: القُرُباتُ والطَّاعاتُ التي تعَبَّدنا الشَّرعُ بها، كالصَّلاةِ والصِّيامِ.
والفرقُ بينهما من وجوهٍ، منها:
1-أن العاداتِ معلومةُ المعنى على وجهِ التَّفصيلِ، بخلافِ العباداتِ، فإنَّها غيرُ معلومةِ المعنى على وجهِ التَّفصيلِ.
2-أن المقصودَ مِن العاداتِ هو جلبُ المصالحِ الدُّنْيَويَّةِ، والمقصودَ مِن العباداتِ التَّقرُّبُ بها إلى اللهِ تعالى.
فالأصلُ في العاداتِ والمعاملاتِ الإباحةُ، فلا يَحْرُمُ منها شيءٌ إلا مادلَّ عليه الدليلُ من الكتابِ أو السُّنَّةِ أو الإجماعِ أو القياسِ الصحيحِ.
وكلُّ مَن حرَّم شيئًا من ذلك طُولِب بالدَّليلِ السَّالمِ مِن المعارِضِ الرَّاجحِ، ولا يُطالَبُ المبيحُ بالدَّليلِ؛ لأنه متمسِّكٌ بالأصلِ.
والأصلُ في هذا قولُه تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة، 29] فامْتَنَّ علينا بإباحةِ الانتفاعِ بما خلَقه.
وقولُه تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف، 32] فأنْكَر اللهُ سبحانَه على مَن حرَّم شيئًا مِن الزِّينةِ والطَّيِّبَاتِ دونَ بُرْهَانٍ منه سبحانَه.
وأمَّا العباداتُ فالأصلُ فيها التَّحريمُ، فلا يُشْرَعُ منها شيءٌ إلا بدليلٍ صحيحٍ، وكلُّ مَن تقَرَّب بعبادةٍ، أو أَذِن فيها طُولِب بالدليلِ الرَّاجحِ، ولا يُطالَبُ المانعُ بإقامةِ الدَّليلِ على تحريمِها، لأنه متمسِّكٌ بالأصلِ.
والأصلُ في هذا قولُه تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ) [الشورى، 21] فأنكَر تشريعَ شيءٍ من القُرُباتِ دونَ إِذنٍ منه سبحانَه. وكذلك قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَنْ عَمِلَ عملاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) رواه مسلمٌ.
فقولُه: (فليس مشروعًا من الأمور) أي: الأمورِ العِباديَّةِ.
ولفظُ البيتِ يَحْتَمِلُ أن تُرادَ به مسألةٌ أصوليَّةٌ، وهي، (شرعُ مَن قبلَنا) فيكونُ المعنى أن شرعَ مَن قبلَنا ليس شرعًا لنا، وهو مذهبُ الشَّافعيِّ.
والجُمهورُ على أن شرعَ مَن قبلَنا شرعٌ لنا ما لم يَرِدْ شرعُنا بالنَّهيِ عنه، وهو الصَّحيحُ؛ لقولِه تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام، 90).
ولكنَّ التَّفْسيرَ الأوَّلَ للبيتِ هو الأقربُ.
24- (وسائلُ الأمورِ كالمقاصدِ *** واحْكُمْ بهذا الحكمِ للزَّوائدِ)
(24) تنقسمُ الأفعالُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
1- مقاصدُ، وهي الأفعالُ المقصودةُ لذاتِها؛ لتضمُّنِها المصلحةَ أو المفسدةَ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ والجهادِ.
2- وسائلُ، وهي الأفعالُ غيرُ المقصودةِ لذاتِها؛ لعدمِ تضمُّنِها المصلحةَ أو المفسدةَ، وإنما تُباشَرُ لِيُتَوَصَّلَ بها إلى المقاصدِ، كالسَّعيِ إلى المسجدِ، والخروجِ إلى الجهادِ.
3- زوائدُ ومتمِّماتٌ: وهي الأفعالُ الواقعةُ بعدَ حصولِ المقصودِ، كالرُّجوعِ مِن المسجدِ، والعودةِ مِن الجهادِ.
والجُمهورُ يجعلون القِسمةَ ثُنائيةً؛ لأن الزوائدَ نوعٌ مِن الوسائلِ، وهو الأقربُ.
والمعنى أن الوسائلَ لها أحكامُ المقاصدِ، فوسائلُ الحرامِ محرَّمةٌ، ووسائلُ المكروهِ مكروهةٌ، ووسائلُ المباحِ مباحةٌ، ووسائلُ الواجبِ واجبةٌ، ووسائلُ المندوبِ مندوبةٌ، سواءٌ توقَّفَت عليها أم لا.
والأصلُ في هذه القاعدةِ: المعنى والاستقراءُ.
أما المعنى: فإن الوسائلَ فرعٌ تابعٌ للمقاصدِ، والفرعُ يأخذُ حكمَ الأصلِ، والتابعُ يُعْطَى حكمَ المتبوعِ.
وأما الاستقراءُ: فواضحٌ مِن التَّأمُّلِ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ.
والصَّحيحُ أن هذه القاعدةَ أغلبيَّةٌ، فوسائلُ المطلوبِ ليست كلُّها مطلوبةً، بل إحداها بدونِ تعيينٍ لتحقُّقِ المطلوبِ بذلك.
وكذلك الزَّوائدُ لها أحكامُ المقاصدِ، والمرادُ مِن جهةِ الأجرِ والثوابِ، فالرُّجوعُ مِن الجهادِ مُثابٌ عليه، والرُّجوعُ مِن عِيادةِ المريضِ مثابٌ عليه.
والأصلُ في هذا قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ). رواه أبو داودَ بسندٍ صحيحٍ.
وهكذا آثارُ العملِ الصَّالحِ التي ليست من فعلِه، كالتَّعبِ والظَّمأِ للمُجاهدِ، والخُلوفِ للصَّائمِ.
أما المعصيةُ فلا عقابَ على توابعِها كالرُّجوعِ من حانةِ الخمرِ، بل على آثارِها النَّاشئةِ عنها، كاختلاطِ الأنسابِ في الزِّنا، وغيابِ العقلِ في شربِ الخمرِ.
(25-26) الخطأُ: مهموزةٌ بفتحتين يُقْصَرُ ويُمَدُّ، ضدُّ الصَّوابِ، وذلك بأن يريدَ الشَّخصُ الصَّوابَ، فيقعَ في غيرِه، فهو غيرُ متعمِّدٍ، أما إن أراد غيرَ الصَّوابِ، فيقالُ: قصدَه وتعمَّدَه.
وقيل: الخطأُ ضدُّ الصَّوابِ في كلِّ شيءٍ، سواءٌ كان عامدًا أم غيرَ عامدٍ.
والإكراهُ: الحملُ على الفعلِ قهرًا، ويقالُ: الكَرْهُ -بفتحِ الكافِ- وضدُّه الطَّوْعُ، كما قال تعالى: (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا)، [فصلت:11].
والنِّسيانُ: زَوالُ المعلومِ، وضدُّه الذِّكْرُ، وهو مرادفٌ للسَّهوِ عندَ الجُمهورِ.
وقيل: النِّسيانُ زَوالُ المعلومِ مِن الذِّهنِ بالكُلِّيَّةِ بحيث إذا ذكَّرْتَه لم يَتَذَكَّرْ.
وأما السَّهوُ فهو زوالُ المعلومِ بحيث لو ذكَّرْتَه لَتذكَّر، كما قال في (المراقي):
زوالُ ما عُلمَ قـُلْ نـِسيانُ *** والعلمُ في السَّهوِ له اكْتنانُ
والإتلافُ: الإهلاكُ، يقال: أتْلف المالَ، أي، أهْلكه.
والبدلُ والبديلُ: العِوَضُ.
والزَّلَلُ: الخطأُ.
والمعنى: أنَّ اللهَ تعالى رفَع الإثمَ عن المكلَّفِ إذا وقَع في المعصيةِ بسببِ الخطأِ أو الإكراهِ أو النِّسيانِ.
والأصلُ في هذا قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنَّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) .
وقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) [البقرة، 286] . (قال اللهُ: قد فَعَلْتُ)، رواه مسلمٌ.
ولكن إذا حصَل معها إتلافٌ لنفسِ معصومٍ أو مالِه، فيجبُ الضَّمانُ والعِوَضُ لوقوعِ سببِه، وهو الإتلافُ، وينتفي الإثمُ لعدمِ القصدِ والاختيارِ، فالإتلافُ يستوي فيه المتعمِّدُ والجاهلُ والنَّاسي، والضَّمانُ ثابتٌ في الجميعِ؛ حِفاظًا على حقوقِ الآدميِّينَ من الضَّياعِ، ولهذا أوجب اللهُ الدِّيَةَ في القتلِ الخطأِ.
أما إذا كان الإتلافُ متعلِّقًا بحقِّ اللهِ تعالى كالمُحْرِمِ إذا قتل الصَّيدَ خطأً، فالجُمهورُ على وجوبِ الجزاءِ والضَّمانِ؛ لأنه من بابِ الإتلافِ، وذهَب بعضُ العلماءِ إلى عدمِ الضَّمانِ؛ لأنه متعلِّقٌ بحقِّ اللهِ تعالى، ولم يكنْ مقصودًا، ويُؤَيِّدُه ظاهرُ الآيةِ: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مَنَ النَّعَمِ) [المائدة:95].
(27) الاستقلالُ: الانفرادُ.
ذكر النَّاظمُ في هذا البيتِ قاعدة: (يجوزُ تبعًا ما لا يجوزُ استقلالاً).
ومعناها: أن العملَ قد يكونُ ممنوعًا حالةَ انفرادِه، وجائزًا حالةَ وقوعِه تَبَعًا لغيرِه.
وهذا كما يقالُ: (الشيءُ مع غيرِه، غيرُه لا مع غيرِه).
ومثالُ ذلك: المعتكِفُ لا يجوزُ له الخروجُ لعيادةِ المريضِ، ولكن لو خرَج لقضاءِ الحاجةِ، ثم عاد مريضًا في طريقِه دونَ تطويلٍ، فهو جائزٌ، كما قالت عائشةُ رضِي اللهُ عنها: (إن كنتُ أدخلُ البيتَ للحاجةِ، والمريضُ فيه، فما أسْأَلُ عنه، إلا وأنا مارَّةٌ) . رواه مسلمٌ.
وكذلك لا يجوزُ لأحدٍ أن يُصَلِّيَ عن أحدٍ، ولكن لو حجَّ عن غيرِه أو اعتمر، فله أن يصليَ ركعتَيِ الطَّوافِ؛ نيابةً عن صاحبِه تبعًا للنِّيابةِ في النُّسُكِ.
(28) العرفُ: ما استمر عليه عملُ الناسِ في أمورِ حياتِهم، كتعارُفِهم على أمرٍ معيَّنٍ في الكلامِ أو اللِّباسِ أو الطَّعامِ ونحوِ ذلك.
وهو بمعنى العادةِ، إلا أن العادةَ لُغةً أعمُّ مِن العرفِ لإطلاقِها على عادةِ الفردِ والجماعةِ، بخلافِ العرفِ فإنه يختصُّ بعادةِ الجماعةِ.
والحدُّ لُغةً: التمييزُ والفصلُ والمنعُ.
فمِن الأولِ قولُهم: حدَدْتُ الدَّارَ حدًّا، أي: ميَّزْتُها عن مُجاوِراتِها بذكرِ نِهاياتِها.
والثاني قريبٌ من هذا، ومنه قولُ الشَّاعرِ:
وجاعل الشمسِ حدًّا لا خَفاءَ به
ومن الثالثِ الحدودُ المقدَّرةُ في الشَّرعِ، لأنها تَمْنَعُ من الإقدامِ، ويسمَّي الحاجبُ حَدَّادًا؛ لأنه يمنعُ من الدخولِ.
ومعنى البيت: أن الحكمَ الشرعيَّ إذا كان يحتاجُ إلى تمييزٍ وتقديرٍ، ولم يَرِدْ في الشَّرعِ، فإنه يُرْجَعُ في تمييزه وتقديرِه إلى العرفِ، أما إذا حدَّه الشَّرعُ وقدَّره كحدِّ الزِّنا والقذفِ، فالمرجِعُ إليه، ولا عبرةَ بغيرِه.
فالشَّارعُ الحكيمُ أمَر ببرِّ الوالدَيْن، ونهَى عن عُقوقِهما، ولم يُحَدِّدِ الأعمالَ التي تُعَدُّ من بابِ البِرِّ، والأعمالَ التي تُعَدُّ مِن بابِ العُقوقِ، فيُرْجَعُ في تحديدِ ذلك إلى العرفِ، فكلُّ ما يُعَدُّ من البرِّ عرفًا يُؤْمَرُ به، وكلُّ ما يُعَدُّ من العقوقِ عرفًا يُنْهَي عنه.
قال بعضُ العلماءِ:
حدُّ العقوقِ ما يُهَيِّجُ الغَضَبْ *** عُرفـًا لأمٍّ كان ذاك أو لأبْ
وهكذا الأمرُ في صلةِ الأرحامِ واللٍّباسِ والنَّفقةِ، والعملِ اليسيرِ الذي لا يُبْطِلُ الصَّلاةَ. والأصلُ في هذه القاعدةِ:
- قولُه تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). [النساء: 19].
- وقولُه تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). [البقرة: 233].
- وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم لهند بنتِ عُتْبةَ -رضِي اللهُ عنها-: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمعروف).
وهذا المعني داخلٌ ضمنَ القاعدةِ الكُلِّيَّةِ: (العادةُ مُحَكَّمةٌ).
واعتبارُ العرفِ شرعًا مشروطٌ بأمورٍ:
1- ألاَّ يُخالِفَ نصوصَ الشَّريعةِ أو قواعدَها، وإلا فهو عرفٌ فاسدٌ:
والعرفُ إن صادَم أمْرَ البَارِي *** لزِم أن يُنـْبَذَ فـي البـَرارِي
2- ألاَّ يُخالِفَ شروطَ المتعاقِدَيْن.
3- أن يكونَ العرفُ مُطَّرِدًا أو غالبًا، فإن كان مُضْطَرِبًا فلا يُرْجَعُ إليه.
(29) (آنِه): آنَ يَئِينُ أَيْنًا، مثلُ: حانَ يَحِينُ حينًا وزنًا ومعنًى، والأَوانُ -بفتحِ الهمزةِ، وكسرُها لُغةٌ- هو الحِيُن.
وأمَّا آنَ في الأمرِ يَئُون أوْنًا، فمعناه: رفَق به.
فالصوابُ لُغةً أن يقالَ: (قبلَ أوانِه)، ولكنه لا يَسْتَقِيمُ وزنًا، أو يقالَ: (قبل أَيْنِه).
(بَاءَ) أي: رجَع، ويقالُ: باء بالذَّنْبِ، أي: ثَقُل به.
والمعني أن مَن تعَجَّل حقًّا مِن حقوقِه، أو تعجَّل أمرًا قبل وقتِه، وتوسَّل لذلك بوسيلةٍ محرَّمةٍ، فإنه يَأْثَمُ لمباشرتِه الوسيلةَ المحرَّمةَ، ويُحْرَمُ من الحقِّ؛ تَعْزيرًا له.
ويُعَبِّرُ الفقهاءُ عن هذا بقولِهم، (مَن تعجَّل شيئًا قبلَ أوانِه عُوقِب بِحرمانِه)، وتُسَمَّى بقاعدةِ:المعاملةُ بنقيضِ المقصودِ.
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (لا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا).
وقاس الفقهاءُ على هذا كلَّ مَن توسَّل بوسيلةٍ ممنوعةٍ؛ استعجالاً لأمرٍ مشروعٍ؛ معاملةً له بنقيضِ مقصودِه.
ولمَّا كان ابنُ حزمٍ مُنْكِرًا للقياسِ قصَر الحكمَ على القاتلِ عملاً بالنَّصِّ، ونفاه عن غيرِه بِناءً على بُطلانِ القياسِ عندَه.
ومن فروعِ القاعدةِ:
- أن أُمَّ الولدِ إذا قتَلَت سيدَها استعجالاً لحرِّيَّتِها، فإنها تُحْرَمُ منها تعزيرًا.
- والغالُّ مِن الغَنيمةِ يُحْرَمُ سهمَه منها تعزيرًا.
- وكذلك المُوصَى له إذا قتَل المُوصِيَ استعجالاً للوصيَّةِ، فإنه يُحْرَمُ منها؛ معاملةً له بنقيضِ مقصودِه.
- ومن تزَوَّج امرأةً في عدَّتِها - مِن غيرِه - تُحَرَّمُ عليه تأبِيدًا عندَ بعضِ الفقهاءِ.
وقد ذكَر جماعةٌ مِن العلماءِ فروعًا تحتَ القاعدةِ لا تدخلُ فيها؛ لأن الوسيلةَ فيها غيرُ ممنوعةٍ، لكنهم ذكَروها تحتَ القاعدةِ لمجردِ المعاملةِ بنقيضِ المقصودِ.
(30) الفسادُ لُغةً: ضدُّ الصَّلاحِ، وهو إلى الحيوانِ أسرعُ منه إلى النَّباتِ، وإلى النَّباتِ أسرعُ منه إلى الجمادِ؛ لأن الرُّطوبةَ في الحيوانِ أكثرُ مِن الرُّطوبةِ في النَّباتِ، والحرارةُ تَدْفعُ العُفونةَ، ومِن هنا قال بعضُ الفقهاءِ: (ويُقَدَّمُ ما يَتَسارعُ إليه الفسادُ فيُبْدَأُ ببيعِ الحيوانِ). ذكَره الفَيُّوميُّ في المِصْباحِ بمعناه.
والفسادُ عندَ الفقهاءِ: عدمُ سقوطِ القضاءِ في العباداتِ، وعدمُ ترتُّبِ أثرِ العقدِ عليه في المعاملاتِ، وهو مرادفٌ للبُطلانِ عندَ جُمهورِ الأصوليِّين.
(وخَلَل): الخللُ على وزنِ جَبَل، يُطْلَقُ على أمرين:
أ- الفُرْجةُ بينَ الشَّيئين.
ب- الاضْطرابُ وعدمُ الانتظامِ، والمرادُ هنا الثاني.
وذكر النَّاظمُ في هذا البيتِ تفصيلاً يتعلَّقُ بمسألةٍ أصوليَّةٍ، وهي: (اقتضاءُ النهيِ الفسادَ).
وبيانُ هذا التفصيلِ أن نَنْظُرَ إلى متعلَّقِ النهيِ ومَرْجِعِه، فإن كان النهيُ متعلِّقًا بذاتِ الفعلِ وراجعًا إلى ركنٍ مِن أركانِه، أو شرطٍ مِن شروطِه، كالنَّهيِ عن بيعِ الخمرِ والخنزيرِ، والنَّهيِ عن الصَّلاةِ بدونِ طَهارةٍ، أو قبلَ دخولِ الوقتِ، فإنه يقتضي فسادَ العملِ.
وأما إن كان النَّهيُ متعلِّقًا بوصفٍ خارجٍ، ولا يَرْجِعُ إلى ذاتِ الفعلِ ولا شرطِه، فإنه لا يقتضي الفسادَ، بل يُحْكَمُ عليه بالصِّحَّةِ؛ لتوفُّرِ شروطِ الفعلِ وأركانِه، ويحكمُ على الفاعلِ بالإثمِ لارتكابِه الفعلَ المنهيَّ عنه.
وذلك كمَن صلَّى، وعليه عِمامةٌ مِن حريرٍ، أو لابسًا خاتمًا مِن ذهبٍ، فصلاتُه صحيحةٌ؛ لتوفُّرِ شروطِها وأركانِها، ولُبْسُه لعمامةِ الحريرِ أو خاتَمِ الذَّهبِ مُحَرَّمٌ.
(31) (مؤذيه): مِن الإيذاءِ، وهو إيصالُ المكروهِ.
والضَّمانُ: التزامُ العِوَضِ وردِّ المِثْلِ.
والمعنى: أن مَن أتْلَف صائلاً لدفعِ أذاه فلا ضَمانَ عليه؛ لأن الصَّائلَ هو المتعدِّي والظَّالمُ، ولكن بشرطِ الدَّفعِ بالَّتي هي أحسنُ، أي: لا يكونُ الدَّافعُ متعدِّيًا في دفعِه، فمن أمكن دفعُه بالتهديدِ فلا يُضْرَبُ، ومن أمكن دفعُه بالضَّربِ فلا يجوزُ دفعُه بالقتلِ؛ لقولِه تعالى: (ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [فصلت: 34]، فإن تعَدَّى في الدِّفاعِ فهو ضامنٌ.
وأما إن كان المُتْلَفُ -بفتحِ اللاَّمِ- غيرَ الصَّائلِ فيجبُ ضَمانُه، وهذا ما عبَّر عنه الحافظُ ابنُ رجبٍ بقولِه: (مَن أَتْلَف شيئًا لدفعِ أذاه لم يَضْمَنْه، ومَن أتلفه لدفعِ أذًى به ضمِنه) وهذا أقربُ إلى المسائلِ الفقهيَّةِ منه إلى القواعدِ.
(32) شرَع النَّاظمُ -رحِمه اللهُ- في بيانِ بعضِ الألفاظِ التي يُستفادُ منها العمومُ لُغةً، وهي مسائلُ لُغويَّةٌ في الأصلِ، ذكَرها الأصوليُّون وغيرُهم لتوقُّفِ الاستدلالِ بالنُّصوصِ على معرفِتها.
فمنها: أداةُ التعريفِ (أل) على مذهبِ الخليلِ بنِ أحمدَ، أمَّا لو مشَيْنا على مذهبِ الجُمهورِ، فنقولُ: (لامُ التعريفِ)؛ لأن التَّعريفَ عندَهم حاصلٌ باللاَّمِ وحدَها، والألفُ للوَصْلِ بدليلٍ سقوطها في دَرَجِ الكلامِ، ولو كانت للقطعِ لَثبَتَت فيه.
قال ابنُ مالكٍ:
(ألْ) حرفُ تعريفٍ أو اللاَّمُ فَقَطْ *** فـنـَمطٌ عـرَّفْتَ قُلْ فـيه النَّمـَطْ
(الكلَّ): (كلّ)، لفظٌ يَدُلُّ على الشُّمولِ والاستغراقِ، ولفظُه واحدٌ، ومعناه جمعٌ، ولهذا يجوزُ أن يعودَ الضَّميرُ على اللَّفظِ تارةَ، وعلى المعنى تارةً أخري.
ودخولُ (أل) على (كلّ وبعض) أجازه بعضُ النُّحاةِ على أنه عِوَضٌ عن المضافِ إليه المحذوفِ، إلا أنه لم يَرِدْ في كلامِ القُدماءِ مِن أهلِ العربيَّةِ، ولذا أنكر الأصْمَعيُّ قولَ ابنِ المُقَفَّعِ: (العِلْمُ كثيرٌ، ولكنْ أخْذُ البعضِ خيرٌ مِن تركِ الكلِّ)، وذكر أن (كل وبعض) مَعْرِفتان، أي: لا يُسْتَعْملان إلا مضافًا لفظًا أو تقديرًا، فلا تدخلُهما الألفُ واللاَّمُ.
(العمومُ): هو شمولُ اللفظِ لجميعِ أفرادِه دَفْعةً بلا حصرٍ.
والمعنى: أن (أل) تفيدُ العمومَ مثلُ (كل)، سواءٌ دخَلت على جمعٍ أم على مفردٍ، ومَحَلُّ ذلك إذا لم تكنْ للعهدِ.
مثالُ الجمعِ: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ).
فإنَّه يَعُمُّ كلَّ مشركٍ إلا ما خصَّه الدَّليلُ.
ومثالُ المفردِ: (إنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فإنَّ (أل) إذا دخَلت على أسماءِ اللهِ وصفاتهِ، أفادت جميعَ ذلك المعنى واسْتَغْرَقَتْه، فمعنى العليمِ: الذي له العلمُ الكاملُ الشَّاملُ لكلِّ معلومٍ.
ودليلُ إفادتِه العمومَ صحَّةُ الاستثناءِ منه، كقولِه تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ....) [العصر: 3، 2] والاستثناءُ مِعيارُ العمومِ إلا في العددِ.
وقد نصَّ على ذلك أهلُ اللُّغةِ، وكلامُهم حجَّةٌ في المسائلِ اللُّغويَّةِ.
(33) (النَّكِراتُ): جمعُ نكرةٍ، وهي اسمٌ وُضِع لشيءٍ لا بعينِه، ويَقْبَلُ دخولَ (أل) التَّعريفيَّةَ حقيقةً أو حكمًا، كرجلٍ وفرسٍ، كما قال ابنُ مالكٍ:
نــكــرةٌ قــابــلُ أل مــُؤَثِّرَا *** أو واقعٌ موقعَ ما قد ذُكِرَا
والنُّفيُ ضدُّ الإثباتِ، والنُّهيُ ضدُّ الأمرِ.
والمعنى: أن النَّكرةَ إذا وقَعَت بعدَ النَّفيِ أو النَّهيِ فإنها تفيدُ العمومَ.
مثالُ النَّكرةِ بعدَ النَّفيِ: قولُه تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ) [النحل: 53]، فيشْمَلُ كلَّ نعمةٍ، وقولُه تعالى: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا) [الانفطار: 19]، يَعُمُّ كلَّ نفسٍ، وكلَّ شيءٍ.
ومثالُ النَّكرةِ بعدَ النَّهيِ: قولُه تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا) [الجن: 18]، يَعُمُّ كلَّ أحدٍ غيرَ اللهِ تعالى.
والدَّليلُ على إفادتِها العمومَ في هذا الموضعِ أن مَن قال: (لا إلهَ إلا اللهُ) فقد صار مؤمنًا موحِّدًا، لأنه نفَى الأُلوهيَّةَ عن كلِّ أحدٍ، وأثْبتها للهِ تعالى، ولو لم تُفِدِ العمومَ لمَا كان موحِّدًا،
والنَّهيُ في حكمِ النَّفيِ، يَجْرِيان مِن وادٍ واحدٍ، كما يقولُ علماءُ العربيَّةِ.
(34) (مَن): سواءٌ كانت شرطيةً أم موصولةً.
والغالبُ أن تُسْتَعْمَلَ في العقلاءِ، ومِن غيرِ الغالبِ قولُه تعالى: (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) [النور: 45].
(ما) : سواءٌ كانت شرطيَّةً أم موصولةً.
والغالبُ أن تُسْتَعْمَلَ في غيرِ العقلاءِ، ومِن غيرِ الغالبِ قولُه تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * ونَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) [الشمس، 5-7] وقولُه تعالى: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) [الكافرون: 3].
(معًا): اسمٌ منصوبٌ على الحاليَّةِ أو الظَّرْفِيَّةِ، وهو اسمٌ مقطوعٌ عن الإضافةِ يفيدُ الاجتماعَ، كقولِ مُتَمِّمِ بنِ نُوَيْرةَ:
فـلـمَّا تـفــَرَّقْنا كأنِّي ومـالـكًا *** لطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً مَعَا
والمرادُ أن كلاًّ منهما يفيدُ العمومَ بمفردِه، وليس المرادُ أنهما يفيدان العمومَ عندَ اجتماعِهما، كما هو الظاهرُ.
(يا أُخَيَّ): تصغيرُ (أَخِي) وفائدتُه التَّحبُّبُ وتقريبُ المنزلةِ، وهذا مِن تواضعِ النَّاظمِ وحسنِ أخلاقِه، حيث جعَل الطالبَ المخاطَبَ بمنزلةِ الأخِ الصَّغيرِ.
والتَّصغيرُ يأتي لفوائدَ أخرى كالتَّقليلِ في الكَمِّيَّةِ نحوَ: (له عندي دُرَيْهِماتٌ)، وتقريبِ الزمانِ، نحوَ (قُبَيْلَ الفجرِ)، وللتَّحقيرِ نحوَ: (رأيْتُ رُجَيْلاً فاسقًا).
والمعنى: أن (مَن) و(ما) من الصِّيغِ التي تُفيدُ العمومَ والاستغراقَ.
مثالُ (مَن) الشَّرطيَّةِ: قولُه تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَيَحْتَسِبُ) [الطلاق: 3، 2] .
ومثالُ الموصولةِ: قولُه تعالى: (أَلاَ إِنَّ للهِ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ) [يونس، 66].
ومثالُ (ما) الشَّرطيَّةِ:
قولُه تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ) [البقرة: 197].
وقولُه: (مَا نَنْسَخْ مِن آيةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: 106].
ومثالُ (ما) الموصولةِ:
قولُه تعالى: (وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيِجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) [النجم، 31].
وقولُه: (اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) [الرعد: 8]. وقولُه: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ) [النحل 96].
(35) (المفردُ): الاسمُ الدالُّ على الواحدِ، ويقابلُه المثنَّى والجمعُ.
(الرُّشد): الهِدايةُ وفعلُ الصوابِ، وضدُّه الغَيُّ والضَّلالُ، كما قال تعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ) [البقرة: 256]، وفرَّق بعضُ أهلِ اللُّغةِ بينَه وبينَ الرَّشَدِ -بفتحِ الراءِ والشِّينِ- بأن الأوَّلَ يقالُ في الأمورِ الدُّنيويَّةِ والأُخْرويَّةِ، أمَّا الثَّاني فيقالُ في الأمورِ الأُخْرويَّةِ فقط، ذكَره الراغبُ.
والمعنى: أن المفردَ المضافَ إلى معرفةٍ يفيدُ العمومَ مثلَ (أل)، فلا يُسْتَثْنَى منه شيءٌ إلا بدليلٍ.
وذلك كقولِه تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا) [النحل: 18]، فيَعُمُّ كلَّ نِعْمةٍ دِينيَّةٍ أو دُنْيويَّةٍ، ظاهرةٍ أو باطنةٍ.
وكقولِه تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) [النور: 63] فيَعُمُّ كلَّ أمرٍ.
وكذلك الجمعُ المضافُ إلى معرفةٍ يفيدُ العمومَ، فلا يُسْتَثْنَى منه شيءٌ إلا بدليلٍ، كقولِه تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) [النساء، 11]، فيَعُمُّ جميعَ الأولادِ، ذكورًا وإناثًا، صغارًا وكِبارًا.
وبهذا العمومِ احتجَّت فاطمةُ رضِي اللهُ عنها لميراثِها مِن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يُخالِفْها الصَّحابةُ في الاستدلالِ بالآيةِ، ولكنهم احتجُّوا عليها بدليلِ التَّخصيصِ، وهو قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة).
فأخرَج أولادَ الأنبياءِ من عمومِ الآيةِ.
(36) (الشُّروطُ): جمعُ شَرْطٍ، وأما الشَّرَطُ -بفتحِ الِّشينِ والرَّاءِ- فجمعُه أشراطٌ، ومنه أشراطُ الساعةِ، أي: عَلاماتُها، وقد سبَق بيانُ معنى (الشَّرْطِ).
(الموانعُ): جمعُ مانعٍ، وهو: ما يَلْزَمُ مِن وجودِه العَدَمُ، ولا يَلْزَمُ مِن عدمِه وجودٌ ولا عدمٌ لذاتِه، كالحيضِ مانعٌ مِن صحَّةِ الصَّلاةِ، فيَلْزَمُ مِن وجودِه عدمُ صحَّةِ الصَّلاةِ، ولكن لا يلزمُ من عدمِه وجودُ صحَّةِ الصَّلاةِ ولا عدمُها.
والمعنى: أن الحكمَ لا يثبُتُ، ولا تَتَرتَّبُ عليه آثارُه حتى تثبُتَ شروطُه وتنتفيَ موانعُه، فإذا تخلَّف شرطٌ، أو وُجِد مانعٌ، لم يثبتِ الحكمُ.
- فالوضوءُ لا يحكمُ عليه بالصِّحَّةِ حتى تتوَفَّرِ شروطُه، وتنتفيَ موانعُه.
- والصَّلاةُ لا تصحُّ حتى تتوفَّرَ شروطُها، وتنتفيَ موانعُها.
- والميراثُ لا يثبتُ حتى تثبتَ شروطُه، وتنتفيَ موانعُه.
- والحكمُ على المُعَيَّنِ بالكفرِ لا يثبتُ إلا بعدَ توفُّرِ الشُّروطِ، وانتفاءِ الموانعِ.
- وهكذا الدُّعاءُ لا يُستجابُ إلا بتوفُّرِ شروطِه وانتفاءِ موانعِه.
- وكذلك التَّوحيدُ لا يُثْمِرُ ثَمَراتِه إلا بتوفُّرِ شروطِه كالصِّدقِ والإخلاصِ، وانتفاءِ موانعِه كالشِّركِ والبدعةِ والمعصيةِ.
وهذه قاعدةٌ نافعةٌ عامةٌ في كلِّ المسائلِ والأبوابِ الفقهيَّةِ.
(37) (استحقَّ): أي: اسْتَوْجَب الأجرَ، وصار أحقَّ مِن غيرِه.
والمعنى: أن الشخصَ إذا أدَّى العملَ الواجبَ عليه، وأتـمَّه، فإنه يستحقُّ الأجرَ الذي جُعِل له.
مثالُ ذلك: المجعولُ له لا يستحقُّ الجُعْلَ المسمَّى إلا إذا عمِل العملَ وأكْمَله.
والنَّاظرُ لا يستحقُّ الأُجْرةَ إلا إذا قام بأعمالِ النَّاظرِ كاملةً.
وكذلك الأجيرُ على عملٍ لا يستحقُّ الأجرةَ إلا إذا أدَّى العملَ كاملاً، ما لم ينقطعْ عن العملِ لعذرٍ، أو تلفِ العينِ المستأْجَرةِ، فإنه يستحقُّ من الأجرةِ بمقدارِ عملِه.
وهذا هو الصَّوابُ في معنى البيتِ المذكورِ، وقد ذكَره النَّاظمُ في كتابِه: (القواعدُ والأصولُ الجامعةُ) تحتَ القاعدةِ الرَّابعةِ والأربعين بقولِه:
(إذا أدَّى ما عليه وجَب له ما جُعِل له عليه) ثم شرَحها، وذكر أمثلتَها.
وبهذا تعلمُ خطأَ الشَّرحِ المذكورِ في الطبعةِ السَّعيديَّةِ وغيرِها.
(40) العلَّة في اللُّغةِ: ما يَتَغَيَّر به حالُ المحلِّ، ومنه سُمِّي المرضُ علةً؛ لأنه بحلولِه يتغيَّرُ حالُ الشَّخصِ مِن القوَّةِ إلى الضَّعفِ.
وفي الاصطلاحِ عرَّفه النَّاظمُ: بأنَّها (ما شُرِع الحكمُ لأجلِه).
وهذا التَّعريفُ يَصْدُقُ على الحكمةِ أيضًا، فالأَوْلَى أن يقال:
العلَّةُ هي: الوصفُ الظَّاهرُ المُنْضَبِطُ الذي عُلِّق عليه الحكمُ، وذلك كالإسكارِ في الخمرِ، والسَّرقةِ في القطعِ.
وأما الحكمةُ فهي: المصلحةُ المقصودةُ من تشريعِ الحكمِ، كحفظِ العقلِ في تحريمِ الخمرِ، وحفظِ المالِ في إيجابِ الحدِّ على السَّارقِ، ودفعِ المشقَّةِ في جوازِ القصرِ والجمعِ للمسافرِ، والنَّاظمُ لم يُفَرِّقْ بينَهما في شرحِه.
(لشرعتِه): أي: لتشريعِ الحكمِ، وفي النُّسخِ المطبوعةِ (لشرعيَّتِه) بزيادةِ الياءِ المشدَّدةِ، وهو خطأٌ لا يستقيمُ به الوزنُ إلا بحذفِ اللاَّمِ، وإبدالِ (مع) بواوِ المعيَّةِ، فيُقْرَأُ البيتُ:
وكل حكمٍ دائرٌ وعلَّتَهْ *** وهي الَّتي قد أوجبَت شرعيَّتَهْ
والأولُ أَوْلَى؛ لأن واوَ المعيَّةِ لابدَّ أن يتقدَّمَها نفيٌ أو طلبٌ.
والمعنى: أن الحكمَ يدورُ مع علَّتِه وجودًا وعدمًا، فإذا وُجِدَت العلَّةُ وُجِد الحكمُ، وإذا انتفت العلَّةُ انتفى الحكمُ، ويسمَّى هذا عندَ الأُصوليِّين بالدَّورانِ، والطَّرْدِ والعكسِ، كما أن وجودَ الوصفِ دونَ الحكمِ يسمَّى عندَهم بالنَّقْضِ.
مثالُ ذلك: الشَّرابُ إذا صار مُسْكِرًا حرُم شربُه وسُمِّي خمرًا، فإذا زال عنه الإسكارُ وتخلَّلت الخمرُ جاز شربُه.
والأصلُ في الأحكامِ التَّعليلُ، بمعنى أن تكونَ لها عللٌ معروفةٌ، ولكنَّ بعضَ الأحكامِ لم يُدْرِكِ العلماءُ العلَّةَ فيها، وتسمَّى أحكامًا تعبُّديةً، وهي قليلةٌ.
والشرعُ قد يَنُصُّ على العلَّةِ أحيانًا، كما جاء في الحديثِ عن الهرَّةِ: (إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ).
فعلَّل الحكمَ بطَهارتِها بكثرةِ طَوافِها وتردُّدِها على النَّاسِ.
وقد يَتْرُكُ الشرعُ استنباطَ العلَّةِ للعلماءِ، وهذا هو الغالبُ، كما في علَّةِ جَريانِ الرِّبا في الأصنافِ السِّتَّةِ.
(41-42) (لازم): أي: يَلْزَمُ الوفاءُ به.
(للعاقدِ): الفاعلِ للعقدِ، والعقدُ لُغةً: الجمعُ بين أطرافِ الشَّيءِ، ويُسْتَعْمَلُ في الأجسامِ كعقدِ الحبلِ، وفي المعاني كعقدِ البيعِ، ومنه قولُه تعالى: (وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) [البقرة: 235]، وقولُه تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1].
والمرادُ بالعقودِ كلُّ ما يُتَّفَقُ عليه مِن الأفعالِ.
(البيعُ): هو إعطاءُ المُثَمَّنِ وأخْذُ الثَّمنِ، والشِّراءُ هو إعطاءُ الثَّمنِ وأخذُ المُثَمَّنِ، وقد يُطْلَقُ أحدُهما على الآخرِ، ولكنَّ الأصلَ هو الأوَّلُ.
(النِّكاحُ): هو في الأصلِ العقدُ، ويُطْلَقُ على الجِماعِ كِنايةً.
قال الراغبُ: (ومُحالٌ أن يكونَ في الأصل للجِماعِ، ثم اسْتُعِير للعقدِ؛ لأن أسماءَ الجماعِ كلَّها كِناياتٌ؛ لاستقباحِهم ذكرَه، كاستقباحِ تَعاطيه، ومحالٌ أن يَسْتَعِيرَ مَن لا يَقْصِدُ فُحْشًا اسمَ ما يَسْتَفْظِعونه لما يِسْتَحْسِنونه).
والنِّكاحُ شرعًا: عقدٌ على استباحةِ البُضْعِ قصدًا بوجهٍ شرعيٍّ.
وقولُهم: (قصدًا). لإخراجِ استباحةِ البُضْعِ بملكِ اليمينِ، فإنَّ المقصودَ الأصليَّ هو ملكُ الرَّقبةِ.
وقولُهم: (بوجهٍ شرعيٍّ) لإخراجِ الزِّنا الحاصل بِاتِّفاقِ الطَّرفين.
والمعنى: أن الأصلَ في الشُّروطِ والعقودِ اللُّزومُ، فكلُّ شرطٍ وعقدٍ فيه مصلحةٌ للطَّرفين أو لأحدِهما، فإنه يكونُ صحيحًا، ويَلْزَمُ الطَّرفين الوفاءُ به، ما لم يكنْ مخالفًا للشرعِ بتحليلِ الحرامِ أو تحريمِ الحلالِ، فإنه يُحْكَمُ عليه بالبُطلانِ.
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم:(الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً)، وقولُ عمرَ رضِي اللهُ عنه: (مَقاطِعُ الحقوقِ عندَ الشُّروط) .
فهذا يدلُّ على أن الأصلَ في الشُّروطِ الصِّحَّةُ ولزومُ الوفاءِ بها، ما لم تُخالِفِ الشَّريعةَ.
وأهمُّ الشُّروطِ التي يلزمُ الوفاءُ بها شروطُ النِّكاحِ، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
(إِنَّ أَحَقَّ مَا أَوْفَيْتُمْ بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ).
(43) (القُرْعةُ): والاقتراعُ هو الاستهامُ، يقالُ: تقارَع القومُ، واقترعوا أي: ضرَبوا القِداحَ ونحوَها لتعيينِ الحقِّ أو صاحبِه.
(المُبْهَمِ): المجهولُ غيرُ المعيَّنِ.
(الحقوق): جمعُ حقٍّ، والمرادُ به عندَ الفقهاءِ: كلُّ ما يثبتُ للشَّخصِ مِن منافعَ ومميِّزاتٍ، وقد يكونُ مجرَّدَ أمرٍ اعتباريٍّ كحقِّ الطَّلاقِ والوَلايةِ.
والمعنى: أن القُرعةَ تُسْتَعْمَلُ شرعًا عندَ جَهالةِ الشَّخصِ المستحِقِّ، أو التَّزاحُمِ بينَ المتساوِيَّين في عملٍ مِن الأعمالِ، فمَن خرَجَت له القرعةُ استحقَّ الحقَّ، ولا يختصُّ أحدُهم بشيءٍ دونَ قرعةٍ؛ لأن القاعدةَ ألاَّ يُقَدَّمَ في التَّزاحُمِ أحدٌ بدونِ مُرَجِّحٍ.
مثالُ ذلك: لو تَشاحَّ اثنان في إمامةٍ أو أذانٍ أو سبْقٍ إلى مباحٍ، ولم يكنْ لأحدِهما مُرَجِّحٌ، أُقْرِع بينَهما، فمَن خرَجت له القرعةُ قُدِّمَ على الآخرِ.
وكذلك إذا تَداعيا عينًا ليست بيدِ أحدِهما، ولا بيدِ مِن يَدَّعِيها لنفسِه، أُقْرِع بينَهما.
وكذلك الأولياءُ المستحقُّون للوَلايةِ، إذا تساوَوْا وتَشاحُّوا، فإنه يُقْرَعُ بينهم، فمن خرَجت له القرعةُ قُدِّم على غيرِه.
والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُه تعالى: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مَنَ المُدْحَضِينَ) [الصافات: 141]، وقولُه تعالى: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) [آل عمران، 44]، وشرْعُ مَن قبلَنا شرعٌ لنا ما لم يَرِدْ شرعُنا بخلافِه.
وثبت في شرعِنا أن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا خرَج في سفرٍ أقْرع بينَ نسائِه، فمَن خرَج سهمُها خرَجَت معه.
قال ابنُ القيِّمِ رحِمه اللهُ: (وهذا هو سرُّ المسألةِ وفقهُها، فإن التعيينَ إذا لم يكن لنا سبيلٌ إليه بالشَّرعِ، فُوِّض إلى القضاءِ والقدرِ، وصار الحكمُ به شرعيًّا قدريًّا، شرعيًّا في فعلِ القرعةِ، قدريًّا فيما تَخْرُجُ به).
فالمقصودُ من القرعةِ فضُّ المُنازعةِ، وسدُّ بابِ العَداوةِ بالرُّجوعِ إلى قدرِ اللهِ واختيارِه، ومعلومٌ أن أصلَ العَداوةِ هو التَّزاحُمُ على غرضٍ واحدٍ، لذا تجدُ الحسدَ والعداوةَ بينَ الأقرانِ والأمثالِ والمشتركين في غرضٍ واحدٍ غالبًا.
(44) (وفُعِلت إحداهما): في النُّسخِ المطبوعةِ (وفُعِل) ولا يَسْتقيمُ لغةً ولا وزنًا، ومع زيادةِ تاءِ التَّأنيثِ يستقيمُ الوزنُ، ولكن يَبْقَى كونُ (العَمَلان) مثنىًّ مفردُه مذكرٌ، وهو (عَمَل)، والأحسنُ أن يقالَ: (تَداخَلا في واحدٍ فاسْتَمِعا).
والمعنى: إذا اجْتَمع عملان مِن جنسٍ واحدٍ، وكانت صورتُهما متَّفقةً تداخَلا واكْتُفِي بأحدِهما عن الآخرِ، وتُسَمَّى قاعدةَ التداخُلِ، وهذا على ضَرْبَيْن:
1- أن يَحْصُلَ بالفعلِ الواحدِ العبادتان بنيَّتِهما، كما لو دخَل المسجدَ، فصلَّى ركعتين يَنْوِي بهما السُّنَّةَ الراتبةَ وتَحيَّةَ المسجدِ حصَل له فضلُهما.
وكذلك لو اغْتَسل بنيَّةِ غُسْلِ العيدِ وغُسْلِ الجُمُعةِ حصَل له فضلُهما.
وكذلك لو اغتسَلَت المرأةُ للحيضِ وللجنابةِ غُسْلاً واحدًا أجْزأها، وحصَل لها فضلُهما.
2- أن يحصلَ له ثوابُ أحدِهما بالنِّيَّةِ، ويَسْقُطَ الآخرُ.
مثالُ ذلك: إذا دخل المسجدَ، وقد أُقِيمت الصَّلاةُ فصلَّى معهم، سقَطَت عنه التَّحيَّةُ.
وكذلك إذا قدِم المعتمرُ مكة، وطاف للعمرةِ، سقَط عنه طَوافُ القُدومِ.
وكذلك إذا صلَّى الفريضةَ عَقِبَ الطَّوافِ، سقَطَت سُنَّةُ الطَّوافِ في روايةٍ عن أحمدَ؛ لأنَّ المقصودَ أن يقَعَ عَقِبَ الطَّوافِ صلاةٌ، وقد حصَل، وهو المذهبُ عندَ الشَّافعيَّةِ.
وكذلك إذا أخَّر طوافَ الإفاضةِ إلى وقتِ خروجِه فطاف، سقَط عنه طوافُ الوداعِ في روايةٍ عن أحمدَ؛ لأنَّ المقصودَ أن يكونَ آخرَ العهدِ بالبيتِ الطَّوافُ، وقد حصل، خلافًا للشَّافعيَّةِ.
وقولُهم: (مِن جنسٍ واحدٍ).
يخرجُ به ما لو كانا مِن جنسينِ مختلفينِ، فلا يتداخلانِ، فلو دخل المسجدَ الحرامَ، فصلَّى الفريضةَ مع الجماعةِ لم يحصلْ له تحيَّةُ البيتِ، وهو الطَّوافُ؛ لأنَّه ليس من جنسِ الصَّلاةِ، قاله السِّيوطيُّ رحِمه اللهُ.
وقولُهم: (وكانت صورتهما متَّفقة).
يخرجُ به ما لو كانا من جنسٍ واحدٍ، ولكن تختلفُ هيئتُهما فلا تداخُلَ.
وزاد السِّيوطيُّ قيْدَيْن:
الأولُ قولُه: (ولم يَخْتَلِفْ مقصودُهما).
فلو اختلَف المقصودُ بهما فلا تداخُلَ، كما لو وطِىء بِكْرًا بشُبْهةٍ، وجَب المهرُ في مقابلِ الاستمتاعِ، ووجَب أَرْشُ البَكارةِ في مقابلِ الجِنايةِ والإتلافِ، ولا تداخُلَ لاختلافِ المقصودِ.
والثَّاني قولُه: (غالبًا).
بمعنى أنها ليست مُطَّردةً.
قال الأهدلُ:
إن يَجْتَمِعْ أمران مِن جنسٍ عُرِفْ *** فردٍ ومـقصودُهما لـم يختلـف
دخَل فردٌ مـنهـما فـي الآخرِ *** أي غـالبًا علـى خـلافٍ ظاهرِ
وقال بعضُ المالكيَّةِ:
إن يَتَعَدَّدْ سببٌ والموجِبُ *** مـُتَّحـِدٌ كـفَى لهن مـُوجِبُ
(45) (المشغولُ): ضدُّ الفارغِ.
(المرهونُ): مِن الرَّهنِ، وهو: توثيقُ دَيْنِ بعَيْنٍ.
(المُسَبَّلُ): أي: الموقوفُ، مأخوذٌ من الوقْفِ، وهو: تحبيسُ الأصلِ، وتسبيلُ الثَّمرةِ.
والمعنى: أن كلَّ مشغولٍ بحقٍّ، لا يُشَغَّلُ بحقٍّ آخرَ حتَّى يَفْرُغَ الأوَّلُ منه.
وهذا معنى قولِ الفقهاءِ: (المشغولُ لا يُشَغَّلُ).
مثالُ ذلك: المرهونُ لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُرْهَنُ لحقٍّ آخرَ حتَّى يَنْفَكَّ الرَّهنُ، أو يَأْذَنَ الرَّاهنُ.
وكذلك الموقوفُ لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُرْهَنُ؛ لانشغالِه بالوقْفِ.
وكذلك لا يَصِحُّ إيرادُ عقدين على عينٍ واحدةٍ، لأن الثَّانيَ إن كان إيرادُه قبلَ لزومِ الأوَّلِ فهو إبطالٌ له، ويَنْعَقِدُ الثَّاني، وإن كان بعدَه فالثَّاني لم يُصادِفُ معقودًا عليه فلا يَصِحُّ.
وكذلك الأجيرُ الخاصُّ إذا اسْتُؤْجِر على زمنٍ معيَّنٍ، فلا يجوزُ استئْجارُه لآخرَ في ذلك الزَّمنِ المعيَّنِ إلا بإذنِ المستأْجِرِ الأوَّلِ، لأن زمانَه المعيَّنَ مشغولٌ بحقِّ غيرِه.
وكذلك المرأةُ المتزوِّجةُ لا يجوزُ تزويجُها لآخرَ؛ لأنها مشغولةٌ بزوجِها.
(46) الدِّيونُ نوعان:
1- دِيونٌ تحتاجُ إلى نيَّةٍ في الأداءِ، كالزَّكَواتِ والكفَّاراتِ، فلا يَصِحُّ أن يُؤَدِّيَ أحدٌ عن أحدٍ مثلَ هذه الدِّيونِ إلا بإذنِه؛ لأن الأداءَ هنا لا يُبْرِىءُ ذمَّةَ صاحبِه، لاحتياجِه إلى نيَّتِه.
2- ديونٌ لا تحتاجُ إلى نيَّةٍ في الأداءِ، كالقَرْضِ والسَّلَمِ ونفقةِ الأولادِ والزَّوجاتِ وأُجْرةِ الرَّضاعِ.
فهذه الدِّيونُ يصحُّ فيها الأداءُ بدونِ إذنِ صاحبِها؛ لأنَّها مِن بابِ الحُظوظِ المَحْضَةِ، الَّتي لا يَتَوَقَّفُ حصولُ المقصودِ منها على النِّيَّةِ.
فمثلُ هذه الدِّيونِ إذا أدَّاها الشَّخصُ عن آخرَ فله الرُّجوعُ إذا نوَى المطالبةَ بها عند الأداءِ، أمَّا إذا نوَى التَّبرُّعَ، أو لم يَنْوِ شيئًا لم يَرْجِعْ؛ لأنَّه لم يُوَكِّلْه، ولم يَأْذَنْ له، وأجرُه على اللهِ تعالى.
والوقتُ المعتبرُ للنِّيَّةِ هو وقتُ الأداءِ، فإن نوَى التَّبرُّعَ عندَه، ثم نوَى المطالبةَ بعدَه، فلا يستحقُّ شيئًا، لأنَّ الساقطَ لا يعودُ.
وهذا النَّوعُ الثَّاني من الدُّيونِ هو المرادُ بالبيتِ المذكورِ.
ومعناه: أن مَن أدَّى عن أخيه دَيْنًا واجبًا عليه فله الرُّجوعُ عليه إن نواه، وإلا فلا رجوعَ له، وهذا أشبهُ بالمسائلِ الجُزْئيَّةِ من القواعدِ الفقهيَّةِ.
(47) (الوازعُ): هو المانعُ وزنًا ومعنًى، تقولُ: وزَعْتُه عن الأمرِ، أي: منَعْتُه وكفَفْتُه عنه، ومنه قولُه تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) [النمل، 17]، أي: يُمْنَعون ويُحْبَسُ أوَّلُهم على آخرِهم، ويقالُ في الأمثالِ: (لابدَّ للسُّلطانِ مِن وَزَعةٍ). أي: رجالٍ يَمْنَعون شرَّ النَّاسِ عنه.
(الطَّبْعي): المنسوبُ إلى الطَّبعِ، وهو الجِبِلَّةُ الَّتي خُلِق الإنسانُ عليهاُ، ويقال لها: الطَّبيعةُ والغَريزةُ والفِطْرةُ.
(العصيانِ): الخروجُ عن الطَّاعةِ، وأصلُه أن يَتَمَنَّعَ بعَصاه، كما قال الرَّاغبُ.
والمعنى: أن الشَّارعَ الحكيمَ يَجْعَلُ الوازعَ الطَّبْعيَّ عن المنهيَّاتِ كالوازعِ الشَّرعيِّ، فيَكْتفي بالأوَّلِ عن الثَّاني، وإذا شرَع فيها عقوبةً جعَلها مناسِبةً لذلك الفعلِ.
مثالُ ذلك: أكلُ النَّجاساتِ والقاذوراتِ، لم يُحَدِّدِ الشَّارعُ فيه عقوباتٍ كالحدودِ؛ اكتفاءً بالوازعِ الطَّبْعيِّ، وإنما فيه التَّعزيرُ.
وكذلك العدالةُ شرطٌ في كلِّ وَلايةٍ؛ لتكونَ العدالةُ وازعةً عن التَّقصيرِ في جلبِ المصالحِ ودفعِ المفاسدِ.
ولا تشترطُ في وَلايةِ النِّكاحِ على الأصحِّ؛ لأن الوازعَ الطَّبْعيَّ يَزَعُ عن ذلك.
وكذلك لا تشترطُ العدالةُ في قبولِ الإقرارِ؛ لأن الطَّبعَ يَزَعُ عن الكذبِ فيما يَضُرُّ بنفسِه أو مالِه.
أمَّا إذا انعدم الوازعُ الطَّبْعيُّ، أو كان ضعيفاً غيرَ كافٍ للمنعِ، فيُؤْتَي بالوازعِ الشَّرعيِّ، كما في الزِّنا والسَّرقةِ، ولهذا جاء الشَّرعُ فيهما بتشديدِ الخطابِ وتحديدِ العقابِ.
وكذلك الشَّأنُ في المأموراتِ والمباحاتِ، فإنَّ الشَّارعَ الحكيمَ يَكْتَفِي بالدَّافعِ الطَّبْعيِّ عن الدَّافعِ الشَّرعيِّ.
مثالُ ذلك: النَّومُ والأكلُ والشُّربُ والنِّكاحُ وكسبُ المالِ، لم يُشَدِّدِ الشَّرْعُ الخطابَ فيه، ولم يتوعَّدِ التَّاركَ لها، اكتفاءً بالدَّافعِ الطَّبْعيِّ، فالنَّاسُ يَميلون إليها بالطَّبعِ والغَريزةِ، فلا حاجةَ إلى الدَّافعِ الشَّرعيِّ.
أما إذا انعدم الدَّافعُ الطَّبْعيُّ، أو ضعُف تأثيرُه، فإن الشَّرعَ الحكيمَ يأتي بالدَّافعِ الشرعيِّ، فيُشَدِّدُ الخطابَ، ويتَوَعَّدُ بالعقابِ؛ حملاً للنَّاسِ على الفعلِ، وذلك كالشَّأنِ في الصَّلاةِ والجِهادِ والزَّكاةِ.
وهذا الأمرُ ملحوظٌ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، وهو دليلٌ على حكمةِ الشَّارعِ، وعلمِه بطبائعِ النُّفوسِ، وأسرارِ الخلقِ، (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14].
(48-49) (التَّابعُ): والتَّابعيُّ هو (مَن لقِي الصَّحابيَّ مؤمناً بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومات على ذلك، ولو تخَلَّلَته رِدَّةٌ على الأصحِّ) كقيسِ بنِ أبي حازمٍ، وسعيدِ بنِ المسيَّب، واشترط الخطيبُ البَغداديُّ الصُّحبةَ العُرْفيةَ، وهي الملازمةُ، والأوَّلُ أصحُّ، لحديثِ:
(طُوبِى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، وَطُوبَى لَمَنْ رَأَى مَن رَآنِي....)
فاكْتَفَي بمجرَّدِ الرُّؤيةِ، وعليه عملُ الأكْثرين، وهو اختيارُ المحقِّقين، كابنِ الصَّلاحِ والنَّوويِّ والعراقيِّ وابنِ حجرٍ.
قال ابنُ الصَّلاحِ: (مطلقُ التَّابعيِّ مخصوصٌ بالتَّابعِ بإحسانٍ). قلتُ: هذا مِن جهةِ الفضلِ والأجرِ، لا من جهةِ الاسمِ؛ لأن المصنِّفين في الطَّبقاتِ أدْخَلوا فيها الثِّقاتِ وغيرَهم.
ومعرفةُ التَّابعيِّ مِن علومِ الحديثِ المهمَّةِ الَّتي يُعْرَفُ بها المرسَلُ مِن الرِّواياتِ.
ومعنى الأبياتِ: أن النَّاظمَ يَحْمَدُ اللهَ تعالى الذي وفَّقه لإتمامِ هذا النَّظمِ، ويقولُ: كما بدَأْنا هذا النَّظمَ بالثَّناءِ على اللهِ تعالى، نَخْتِمُه أيضاً بذلك على سبيلِ الدَّوامِ، مصحوباً بالصَّلاةِ والسَّلامِ على النَّبيِّ وأصحابِه والتَّابعين لهم بإحسانٍ.
انتهى التعليقُ على هذا النَّظمِ، في آخرِ ليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ المبارَكِ عام 1418هـ بالمدينةِ النَّبويَّةِ، على ساكِنها أفضلُ الصَّلاةِ وأزْكى السَّلامِ.
وكمـَلـَت بـطـِيبـةَ الـمـيمـونهْ *** فبرَزَت مِن خِدْرِها مَصُونهْ
والحمدُ للهِ الَّذِي بنعمتِه تتمُّ الصَّالحاتُ.