المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسة في الحديث الشاذ



د. ماهر الفحل
19-06-2007, 08:39 AM
إن الاختلافات الواردة في المتن أو الإسناد تتفرع أنواعاً متعددة ، لكل نوع اسمه الخاص به ، ومن تلك الاختلافات هو أن يخالف الثقة ثقات آخرين ، مثل هذه المخالفة تختلف ، ربما تكون من ثقة يخالف ثقة آخر ، أو من ثقة يخالف عدداً من الثقات ، وإذا كان المخالف واحداً وليس جمعاً فيشترط فيه أن يكون أوثق ممن حصل فيه الاختلاف ، وهذا النوع من المخالفة يطلق عليه عند علماء المصطلح الشاذ ، وهو: أن يخالف الثقة من هو أوثق منه عدداً أو حفظاً .
وهذا التعريف مأخوذ من تعريف الشافعي للشاذ ، فقد روي عن يونس بن عبد الأعلى ، قال: قال لي الشافعي -رحمه الله-: (( ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره ، إنما الشاذ : أن يروي الثقة حديثاً يخالف ما روى الناس )) .
والشاذ في اللغة : المنفرد ، يقال : شذّ يَشُذُّ ويشِذُّ – بضم الشين وكسرها – أي : انفرد عن الجمهور ، وشذَّ الرجلُ: إذا انفرد عن أصحابه. وكذلك كل شيء منفرد فهو شاذ . ومنه : هو شاذ من القياس ، وهذا مما يشذ عن الأصول ، وكلمة شاذة…وهكذا .
إذن : الشذوذ هو مخالفة الثقة للأوثق حفظاً أو عدداً ، وهذا هو الذي استقر عليه الاصطلاح (وإنما قلنا هكذا ؛ لأن للشاذ تعريفين آخرين ، أولهما : وهو ما ذكر الحاكم النيسابوري – أن الشاذ هو الحديث الذي ينفرد به ثقة من الثقات ، وليس له أصل متابع لذلك الثقة . معرفة علوم الحديث : 119 .
وثانيهما : وهو ما حكاه الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني من أن الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة ، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل ، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به . الإرشاد 1/176-177 ) .
قال الحافظ ابن حجر : (( يختار في تفسير الشاذ أنه الذي يخالف رواية من هو أرجح منه )) .
ثم إن مخالفة الثقة لغيره من الثقات أمر طبيعي إذ إن الرواة يختلفون في مقدار حفظهم وتيقظهم وتثبتهم من حين تحملهم الأحاديث عن شيوخهم إلى حين أدائها . وهذه التفاوتات الواردة في الحفظ تجعل الناقد البصير يميز بين الروايات ، ويميز الرواية المختلف فيها من غير المختلف فيها ، والشاذة من المحفوظة ، والمعروفة من المنكرة .
ومن أمثلة الشاذ ما رواه عبد الواحد بن زياد قال : حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه )) فقد أخطأ عبد الواحد بن زياد وشذّ حينما جعل الحديث من قول النبي صلى الله عليه وسلم والصواب أنه من فعله صلى الله عليه وسلم هكذا رواه سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه عند ابن ماجه ( 1199 )، والنسائي في الكبرى ( 1456 )، وكذا رواه محمد بن إبراهيم ، عن أبي صالح عند البيهقي 3/45 .
وقد صرح جمع من الأئمة بشذوذ رواية عبد الواحد بن زياد منهم البيهقي في السنن الكبرى 3/45 فقال عن رواية الفعل: (( وهذا أولى أن يكون محفوظاً لموافقته سائر الروايات عن عائشة وابن عباس )) ، وكذا نقل الحكم بالشذوذ ابن القيم عن شيخه ابن تيمية في زاد المعاد 1/308 فقال : (( هذا باطل وليس بصحيح ، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها ، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه )) . وبنحو هذا قال الذهبي في الميزان 2/672 .
وهذا الشذوذ في جميع المتن ، وهناك شذوذ ببعض المتن كزيادة التسمية في حديث أنس في الوضوء ؛ فقد روى معمر بن راشد ، عن ثابت وقتادة ، عن أنس ، قال: نظر بعض أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم وضوءاً فلم يجده ، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : هاهنا ماء ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده في الإناء الذي فيه الماء ، ثم قال : توضئوا بسم الله ، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ، والقوم يتوضئون ، حتى توضئوا من عند آخرهم .
فمعمر بن راشد ثقة ثبت فاضل ، وشيخاه في هذا الحديث ثابت بن أسلم البناني ، وهو ثقة عابد ، وقتادة بن دعامة السدوسي ، وهو ثقة ثبت . إلا أنَّ معمر بن راشد قد أخطأ بذكر زيادة : (( بسم الله )) في الحديث ؛ إذ إنَّ الجمع من الرواة عن ثابت وقتادة لم يذكروا هذه الزيادة التي تفرد بها معمر مما يدل على خطئه ووهمه بها ؛ وذلك أنَّ سليمان بن المغيرة الثقة ، وحمّاد بن زيد الثقة وحمّاد بن سلمة الذي هو أثبت الناس في ثابت ، ثلاثتهم رووه عن ثابت ، عن أنس ، به ، ولم يذكروا زيادة (( بسم الله )) .
وكذلك روى الحديث عن قتادة جماعة لم يذكروا الزيادة ؛ فقد رواه سعيد بن أبي عروبة – وهو أثبت الناس في قتادة – وهمّام بن يحيى الثقة ، وهشام الدَّستوائي الثقة الثبت ، وشعبة بن الحجّاج الثقة الحافظ المتقن ، أربعتهم رووه عن قتادة ، عن أنس ، به ، ولم يذكروا هذه الزيادة ؛ إذن فليس من المعقول أن يغفل جميع الرواة من أصحاب ثابت و قتادة ، فيغيب عنهم حفظ هذه الزيادة ، ثم يحفظها معمر بن راشد .
ثمّ إنَّ ثابتاً و قتادة قد توبعا على رواية الحديث ، وليس فيه ذكر الزيادة ، تابعهما عليه إسحاق بن عبد الله – وهو ثقة حجّة - ، وحميد الطويل ، وهو ثقة ، والحسن البصري الثقة الفاضل .
فغياب زيادة : (( بسم الله )) عند هذه الكثرة يسلط الضوء على أنَّ الوهم في ذكرها من معمر ، والله أعلم .
ومن الأمثلة لحديث ثقة خالف في ذلك حديث ثقة أوثق منه :
ما رواه معمر بن راشد ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قال : (( خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ، فأحرم أصحابي ولم أحرم ، فرأيت حماراً فحملت عليه ، فاصطدته ، فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكرت أني لم أكن أحرمت ، وأني إنما اصطدته لك ؟ فأمر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه فأكلوا ، وَلَمْ يأكل مِنْهُ حِيْنَ أخبرته أني اصطدته لَهُ )) .
فهذا الحديث يتبادر إلى ذهن الناظر فيه أول وهلة أنه حديث صحيح، إلا أنه بعد البحث تبين أن معمر بن راشد – وهو ثقة – قد شذ في هذا الحديث فقوله : (( إنما اصطدته لك )) ، وقوله : (( ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له )). جملتان شاذتان شذ بهما معمر بن راشد عن بقية الرواة .
قال ابن خزيمة : (( هذه الزيادة : (( إنما اصطدته لك )) ، وقوله : (( ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته لك )) ، لا أعلم أحداً ذكره في خبر أبي قتادة غير معمر في هذا الإسناد ، فإن صحت هذه اللفظة فيشبه أن يكون صلى الله عليه وسلم أكل من لحم ذلك الحمار قبل [أن] يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله، فلما أعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله امتنع من أكله بعد إعلامه إياه أنه اصطاده من أجله ؛ لأنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قد أكل من لحم ذلك الحمار )) .
هكذا جزم الحافظ ابن خزيمة بتفرد معمر بن راشد بهاتين اللفظتين ، وهو مصيب في هذا ، إلا أنه لا داعي للتأويل الأخير لجزمنا بعدم صحة هاتين اللفظتين – كما سيأتي التدليل عليه - .
وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري - شيخ الدارقطني - : (( قوله : " اصطدته لك " ، وقوله : " ولم يأكل منه " ، لا أعلم أحداً ذكره في هذا الحديث غير معمر )) .
وقال البيهقي: (( هذه لفظة غريبة لم نكتبها إلا من هذا الوجه ، وقد روينا عن أبي حازم بن دينار ، عن عبد الله بن أبي قتادة في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منها ، وتلك الرواية أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما دون رواية معمر وإن كان الإسنادان صحيحين )) .
وقال ابن حزم : (( لا يخلو العمل في هذا من ثلاثة أوجه . إما أن تغلب رواية الجماعة على رواية معمر لا سيما وفيهم من يذكر سماع يحيى من أبي قتادة ، ولم يذكر معمراً ، أو تسقط رواية يحيى بن أبي كثير جملة ؛ لأنه اضطرب عليه ، ويؤخذ برواية أبي حازم وأبي محمد وابن موهب الذين لم يضطرب عليهم؛ لأنه لا يشك ذو حسٍّ أن إحدى الروايتين وهم ، إذ لا يجوز أن تصح الرواية في أنه عليه السلام أكل منه ، وتصح الرواية في أنه عليه السلام لم يأكل منه ، وهي قصة واحدة في وقت واحد في مكان واحد في صيد واحد ))
وسأشرح الآن شذوذ رواية معمر ، فأقول :
خالف معمر رواية الجمع عن يحيى ، فقد رواه هشام الدستوائي – وهو ثقة ثبت -، وعلي بن المبارك - وهو ثقة - ، ومعاوية بن سلام -وهو ثقة -، وشيبان بن عبد الرحمان -وهو ثقة -، فهؤلاء أربعتهم رووه عن يحيى بن أبي كثير ، ولم يذكروا هاتين اللفظتين .
كما أن الحديث ورد من طريق عبد الله بن أبي قتادة من غير طريق يحيى بن أبي كثير ، ولم تذكر فيه اللفظتان مما يؤكد ذلك شذوذ رواية معمر بتلك الزيادة ؛ فَقَدْ رَوَاهُ عثمان بن عَبْد الله بن موهب – وَهُوَ ثقة - ، وأبو حازم سلمة بن دينار - وهو ثقة - ، وعبد العزيز بن رفيع –وهو ثقة - ، وصالح بن أبي حسان – وهو صدوق - ؛ فهؤلاء أربعتهم رووه عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، ولم يذكروا هاتين اللفظتين ، كما أن هذا الحديث روي من طرق أخرى عن أبي قتادة ، وليس فيه هاتان اللفظتان : فقد رواه نافع مولى أبي قتادة -وهو ثقة -، وعطاء بن يسار - وهو ثقة - ، ومعبد بن كعب بن مالك - وهو ثقة - ، وأبو صالح مولى التوأمة - وهو مقبول - فهؤلاء أربعتهم رووه دون ذكر اللفظتين اللتين ذكرهما معمر ، وهذه الفردية الشديدة مع المخالفة تؤكد شذوذ رواية معمر لعدم وجودها عند أحدٍ من أهل الطبقات الثلاث .
والذي يبدو لي أن السبب في شذوذ رواية معمر بن راشد دخول حديث في حديث آخر ؛ فلعله توهم بما رواه هو عن الزهري، عن عروة، عن يحيى بن عبد الرحمان بن حاطب، عن أبيه أنه اعتمر مع عثمان في ركب ، فأهدي له طائر ، فأمرهم بأكله ، وأبى أن يأكل ، فقال له عمرو بن العاص : أنأكل مما لست منه آكلاً ، فقال : إني لست في ذاكم مثله ، إنما اصطيد لي وأميت باسمي .
فربما اشتبه عليه هذا الحديث بالحديث السابق ، والله أعلم .

للفائدة ينظر في الشاذ :
معرفة علوم الحديث : 119 ، ومعرفة أنواع علم الحديث : 163 ، وجامع الأصول 1/177 ، والإرشاد 1/213 ، والتقريب : 67 ، والاقتراح : 211 ، ورسوم التحديث : 75 ، والمنهل الروي : 50 ، والخلاصة : 69 ، والموقظة : 42 ، ونظم الفرائد : 361 ، واختصار علوم الحديث 1/179 ، وبتحقيقي : 136 ، والشذا الفياح 1/180 ، والمقنع 1/165 ، ومحاسن الاصطلاح : 82 ، وشرح التبصرة والتذكرة 1/245 ، وتنقيح الأنظار : 150 ، ونزهة النظر : 84 ، والمختصر : 124 ، وفتح المغيث 1/ 185 ، وألفية السيوطي : 39 ، وشرح السيوطي على ألفية العراقي : 87 ، وفتح الباقي 1/232 ، وتوضيح الأفكار 1/377 ، وظفر الأماني : 356 ، وشرح شرح نخبة الفكر : 330 ، واليواقيت والدرر 1/420 ، وقواعد التحديث : 130 ، ولمحات في أصول الحديث : 253 ، وأثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء : 455 .

خالد الجزمي
19-06-2007, 01:48 PM
جزاكم الله خيراً يا شيخ ماهر ونفع بك .
ومن الأمثلة على ( الشاذ ) ما أخرجه الامام مسلم في صحيحه قال:
حدثنا سعيد بن منصور. حدثنا هشيم. أخبرنا حصين بن عبدالرحمن؛ قال:
كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة. ولكني لدغت. قال: فماذا صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. فقال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن حصيب الأسلمي؛ أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرضت علي الأمم. فرأيت النبي ومعه الرهيط.......... " الحديث . وفيه زيادة ( لا يرقون ) !
وعد العلماء هذه الزيادة خطأً من سعيد بن منصور !
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه قال :
حدثنا عمران بن ميسرة حدثنا ابن فضيل حدثنا حصين . ح . وحدثني أسيد بن زيد حدثنا هشيم عن حصين قال : كنت عند سعيد بن جبير فقال :" حدثنا ابن عباس ... فذكره دون لفظة ( لا يرقون ) !
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :وقد روى فيه " لا يرقون " وهوغلط ،فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة . اهـ الفتاوى 1 /182
وقال في موضع آخر : ورواية من روى في هذا " لا يرقون " ضعيفٌة غلط . 1 /328
قال ابن حجر – رحمه الله – معلقاً على كلام شيخ الإسلام : وأجاب غيره بأن الزيادة من الثقة مقبولة وسعيد بن منصور حافظ وقد اعتمده البخاري ومسلم واعتمد مسلم على روايته هذه وبأن تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار اليه . اهـ فتح الباري
قال الشيخ الألباني – رحمه الله - : وأما ما وقع من الزيادة في رواية مسلم :" هم الذين ( لا يرقون ) ولا يسترقون ..... " فهي زيادة شاذة ، ولا مجال لتفصيل القول في ذلك الآن من الناحية الحديثية ، وحسبك أنها تنافي ما دل عليه هذا الحديث من استحباب الرقية ، وبالله التوفيق .
الصحيحة حديث رقم 472
وهنا مسألةٌ مهمة وهي الفرق بين ( الشاذ ) وبين ( زيادة الثقة ) !
ولعل قول ابن حجر الآنف الذكر يوضح أن الأمر مُشكل من حيث الحكم على الزيادة .
والله أعلم

د. ماهر الفحل
19-06-2007, 04:40 PM
جزاكم الله خيراً على هذه الفوائد والعوائد ، ونفع الله بكم