المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ’’ المكتبة الظاهرية بدمشق ،،، سبعون ألف مخطوطة ومطبوعة ‘‘



أبوالوليد التلمساني
19-06-2007, 09:12 PM
’’ المكتبة الظاهرية بدمشق ،،، سبعون ألف مخطوطة ومطبوعة ‘‘

لم يعرف العرب المدرسة بالمعنى المستقل إلا في العصر الأيوبي، (....) ، وفي العصر المملوكي ازداد شأن هذه المدارس، فكثر انتشارها في كل المدن والأمصار التي وقعت تحت سيطرتهم، وأوقفوا لها الأوقاف الجزيلة·
وفي دمشق لعبت هذه المدارس دوراً بارزاً في إعادة المكانة الثقافية والدينية التي كانت تحتلها عاصمة الأمويين، فاجتذبت عدداً كبيراً من العلماء والأدباء ومشاهير الرجال، الذين تركوا بصمات واضحة في هذه المدارس، وأسهموا في تنشيط حركة العلم وتنوير الناس، بعد عهود طويلة من الظلم والصراع، وقد وصل عددها في دمشق إلى أكثر من تسعين مدرسة تعرض معظمها للدمار الكامل إما بفعل الكوارث الطبيعية، أو بفعل الإهمال والحرق علي يد التتار والمغول، فأعيد بناؤها وترميمها عدة مرات حتى وصلت إلينا محتفظة بالقليل من معالمها الأصلية مع بعض الإضافات في عصور مختلفة فرضتها ضرورات التوسع أو التغيير في الوظيفة·
وتعتبر المدرسة الظاهرية أهم هذه المدارس وأكثرها وضوحاً وانطقها تاريخاً، فهي تحكي لنا عراقة الإنسان العربي وأساليب توظيفه لمضامينه الروحية، في إعجاز تحفة معمارية رائعة لا تزال تقوم بوظيفتها إلى يومنا·

موقع الظاهرية:

تقع المكتبة الظاهرية في حي العمارة بين بابي الفرج والفراديس، في موقع متوسط بين الجامع الأموي وقلعة دمشق وسوق الحميدية وبيوت المعيشة، فضلاً عن الحمام الملاصق لها من جهتها الشمالية، والذي يعرف بحمام السلطان الظاهر، ولعل هذا الموقع ساهم الى حد كبير في تحديد أهميتها، حيث تتفرع منها وإليها كل الأزقة المؤدية إلى كافة نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية، ومما يؤكد هذه المكانة أيضاً هو فخامة البناء واحتوائه على الكثير من عناصر الفن العربي المعماري، المستوحاة بمجملها من ذات المكانة التي يحتلها المسجد الجامع باعتباره الدليل الموضوعي على قوة العصر ونفوذه·

البدايات:

إن المباني التي شيدها الأيوييون والمماليك يتراوح حجمها وفخامتها تبعاً لطبيعة حكم السلطان من حيث استقراره في الحكم، لذلكم قامت الظاهرية على دار من أعظم دور دمشق وأكثرها شهرة، وهي تدعى بدار العقيقي لصاحبها أحمد بن الحسن العقيقي المتوفي المتوفي سنة 378هـ، وعندما حلت الأسرة الأيوبية في دمشق سكن هذه الدار كبير الأسرة نجم الدين أيوب والد السلطان صلاح الدين وأخيه الملك العادل·

وحين دخل صلاح الدين الأيوبي دمشق سنة 569هـ بعد وفاة السطان نور الدين الزنكي نزل بدار والده، وبعد أفول الدولة الأيوبية انتقلت هذه الدار الى الأمير فارس الدين أقطاي، ومن ورثته اشترى الملك السعيد هذه الدار، وبنى فيها القبة لكي يدفن والده الملك الظاهر، وأمر بجعلها مدرسة يؤمها طلاب العلم من كل الأرجاء، ثم عزل الملك السعيد كما عزل أخوه بعده، وأصبح الحاكم في دولة المماليك السلطان قلاوون، الذي أمر باستمرار البناء في المدرسة، وقد انتهى سنة 680هـ، وفي ربيع الأول من ذلك العام وصلت أرملة الظاهر بيبرس ومعها جثمان ابنها السعيد فدفنته الى جانب أبيه، لذلك فإن أغلب المباني التي شيدها الأيوبيون والمماليك وأمراؤهم تضم مقابرهم، كما هو الحال في المدرسة العادلية الكبرى التي تضم ضريح الملك العادل، والمدرسة العزيزية التي تضم ضريح صلاح الدين الأيوبي، فكأنما الداخل الى هذه المدارس إنما يجد الموت، ثم بدخوله الى الباحة الفسيحة تبدو له الحياة رحبة مشبعة بالضوء والخضرة والحياة، وكأنه الفرج بعد الضيق أو الحياة بعد الموت·

حينما تهم بالدخول الى الظاهرية تتوقف متأملاً المشهد، وتضطر للنظر في اتجاهين متعاكسين الأول هو المكتبة الظاهرية، والثاني هو المدرسة العادلية الكبرى، تبتعد بضع خطوات في اتجاه مواز للبناءين، فيذهلك أكثر هذا الانسجام بين الصرحين المتقابلين، وكأنما أراد المصمم أن يؤلف منهما وحدة عمرانية يكمل فيها جمال الأولى وروعة الثانية، فهما رابضتان وجهاً لوجه كعملاقين جبارين تتحديان الزمن والفناء بروعة وجلال، إلا أن واجهة الظاهرية الأجمل من نظيرتها العادلية بل تعتبر أجمل ما بنى المماليك·

تنظر للأعلى عند أول عتبة فتطالعك في الجهة اليمنى عبارة: (المدرسة الظاهرية - مدرسة السلطان بيبرس وتربته، بنيتا سنة 676هـ- 1277م)، وقد بني المدخل الرئيسي بحجارة بيضاء وأخرى وردية اللون، وتعلو الباب ثلاثة صفوف عريضة من الكتابة النسخية المزهرة، ورد في الصفين الأوليين ذكر وقفها وفي الصفين التاليين اسماء بناتها، وفي الزاوية الشمالية اسم مهندسها: إبراهيم بن غانم.
وتجتاز المدخل الرئيسي الى رواق ذي أقواس محمولة علي عمودين حجريين كبيرين، وهذا الرواق مستوحى من بناء المسجد الذي يسبق دخوله محطة تمهيدية (...)
إنك من مدخل المكتبة لا تستطيع أن تتخيل كيف ستكون من الداخل، ولكن بعد اجتياز الرواق تنفتح أمامك الباحة الخارجية فسيحة مربعة، يؤطرها جدران تنسحب الى الأعلى عارية من أية زخارف أو لمسات فنية، لقد عني العرب قديماً بهذه الباحة في منازلهم ومساجدهم وخاناتهم، وزودوها بالأشجار والنوافير والرخام وكل ما من شأنه أن يجد تعويضاً عن ضيق الأزقة وتعرجها وانغلاق المنازل المتلاصقة عليها، فضلاً عما توحيه الباحة بحد ذاتها من برودة منعشة، وإحساس بالابتعاد عن ضجة الطريق وصخبه، ولذلك فقد انفتحت هذه الأماكن على الداخل بشكل واع وبما يحقق الاتصال والانسجام في تنظيم كل العلاقات المرتبطة بها، وبشكل يخدم الوظيفة الترفيهية والاجتماعية التي وجدت من أجلها، والوقوف في باحة الظاهرية لا يتيح لك أن تحدد معالم المكان بدقة، فالغموض يظهر مسيطراً على ما يمكن أن تحتويه الأبواب التي تتوازعها الجدران في داخلها، بعض هذه الأبواب ينفتح على الباحة مباشرة وبعضها ينغلق على أدراج متعرجة تصعد إلى الأعلى لتبنئ عن وجود غرف وقاعات أخرى حديثة البناء·

هناك تشويهات كبيرة في شكل البناء المطل على الباحة، يتمثل بإغلاق القاعة الجنوبية الملاصقة لقاعدة الضريح - بشكل هجين وبدون أن يعبر عن أي ذوق فني - وطلائها باللون الأبيض، وهذه الإضافات تعود للعهد العثماني الذي تميز بإهمال كل ما يعبر عن حضارة وثقافة الشعوب التي حكموها، وفي عهدهم تحول هذا البناء الى مدرسة ابتدائية، فاقتضى هذا التحويل ارتجال هذه الإضافات التي أبقي عليها·

المدرسة الظاهرية:

(...) فتحت أبوابها لأول مرة يوم الأربعاء 13 صفر سنة 677هـ، وكانت مركزاً مهماً لتدريس الفقه على المذهبين الحنفي والشافعي، وألقي فيها الشيخ ’رشيد الفاروقي‘ مدرس الشافعية الدرس الأول في الإيوان الشرقي، أما الشيخ ’صدر الدين سليمان بن أبي العز‘ فقد ألقى الدرس الأول فيها في الإيوان القبلي، وبقيت سنوات على هذه الحال، ثم بدأت المدرسة في نهاية القرن الثالث عشر مرحلة جديدة في تاريخها مع تحويل العثمانيين لها الى مدرسة ابتدائية حملت اسم: مدرسة الملك الظاهر 1294 هـ.

من مدرسة الى مكتبة:

استصدر والي دمشق مدحت باشا قراراً بجمع الكتب في مكتبة عامة مقرها تربة الملك الظاهر، وعين لها محافظين، وشهدت المكتبة نهضتها المتميزة حين تصدى الشيخ طاهر الجزائري مفتش المعارف حينذاك وحامل شعلة التنوير والنهضة الفكرية، مع زميله الشيخ سليم الحجازي للعمل الجاد في جمع المخطوطات الثمينة والمطبوعات القيمة، حرصاً منه على حماية عيون التراث الفكري الذي كان متفرقا بين المكتبات الخاصة والمساجد والبيوت القديمة وبات معرضاً للعبث والضياع، فاتصل بالسلطان العثماني الذي أصدر قراراً بجمع المخطوطات والكتب عام 1295هـ، وقد جمعت المئات منها وكان من أهم مصادرها المكتبات الخاصة بـ :
-عبد الله باشا العظيم
-والملا عثمان الكردي.

ومكتبات: الخياطين والمرادية، والسميساطية والسليمانية، والعمومية والأوقاف، ومكتبة الخطابة بالجامع الأموي، وبلغت المحصلة الأولى: 2453 كتاباً ومخطوطة في سائر ألوان المعرفة، وتم افتتاح قاعة المطالعة سنة 1298هـ، وبدأت أعداد الكتب تتزايد مع الأيام لتصل عام 1980 الى 12 ألف مخطوطة و65 ألف كتاب و45 ألف مجلة·

الظاهرية: نوادر المخطوطات وفرائد التراث:

في شهر حزيران من عام 1919م، ألحقت المكتبة الظاهرية بالمجمع العلمي العربي، وسميت دار الكتب العربية ، وكان المفكر الراحل محمد كرد علي أول رئيس للمجمع والمكتبة، لكنها عادت واستقلت بالبناء بعد نقل المجمع الى بناء جديد خصص له في عام 1980، واليوم تشتمل المكتبة على قاعدة مخصصة للباحثين الذين يعدون رسائلهم الجامعية، وبالذات في تخصص اللغة العربية وآدابها، ودواوين الشعر العربي، وتراجم الأعلام، إضافة الى كتب التفاسير والعلوم الشرعية والمعاجم، وهنالك قاعة كبيرة للمطالعة تحمل اسم العلامة مصطفى الشهابي، إضافة الى ثلاثة مستودعات أولها للمخطوطات والثاني للمطبوعات والثالث للدوريات، وكلها مدرجة في فهارس علمية تيسر لرواد المكتبة الحصول على المصادر بسرعة وسهولة·
شهدت المكتبة الظاهرية ازدهاراً وتطوراً كبيرين تمثلاً في تزايد أعداد المخطوطات النادرة، والمراجع القيمة والكتب المتنوعة والدوريات العربية، ومما هو جدير بالذكر أن المكتبة تحتضن في خزائنها مجموعات من المؤلفات الفائقة الأهمية مثل:

كتاب ’ الكليات‘ لأبي البقاء الكفوي (طبعة عام 1280هـ)
و ’تاريخ الدول الإسلامية في المغرب‘ لابن خلدون (طبع عام 1297هـ)
و ’ لسان العرب‘ لابن منظور (طبعة عام 1300هـ)
و’الأسماء والمصنفات‘ (عام 1313هـ) وحرصاً على تلك المؤلفات من التلف من جانب وتوفر شروط الحماية ووجود قسم متخصص بالترميم في مكتبة الأسد الوطنية الحديثة، فقد تم نقل المخطوطات إليها بالاضافة إلى حوالي خمسة آلاف كتاب قيم·

لقد مر على قيام المكتبة الظاهرية نيف وسبعة قرون، وما يزال هذا الصرح الحضاري يؤدي مهمته الثقافية على وجهه الأكمل، ويلقى العناية من حيث التجديد، والإصلاح، إضافة لتزويده بالجديد مما يصدر من المؤلفات والمراجع، وتبقى قناديلة مضيئة في ركن عريق في دمشق القديمة، يذكر الأجيال بماضي الأمة المجيد، وتراثها الخالد على مر السنين·




بقلم الكاتب: محمد مروان مراد

المصدر : موقع مجلة ’’ الوعي الإسلامي‘‘ ـ الكويت ، العدد رقم: 493

تنبيه : المقال منقول بتصرف

خليفة الكواري
20-06-2007, 07:48 AM
بارك الله فيك

محمد أبو عمر
21-06-2007, 07:16 PM
بارك الله فيك

هذا رابط لمقال في موقعي حول كتاب ( الدارس في تاريخ المدارس )
http://www.sahab.ws/6785/news/6814.html

أبوالوليد التلمساني
22-06-2007, 11:54 PM
جَزَاك الله خيرًا.