إتحاف ذوي المعالي في تحديد ليلة القدر أفضل الليالي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن ليلة القدر ليلةٌ مباركة لها فضل عظيم، وقد أنزل الله فيها كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنزل فيها قرآنا يتلى إذ يقول سبحانه وتعالى:
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.
وفي هذه الليلة يفرق فيها كل أمر حكيم وهو يكون في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال، كما قال سبحانه وتعالى:
{ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ.فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}[الدخان: 3، 4].
وهي ليلة من حُرِم خيرها فقد حُرِم الخير كلَّه، ولا يُحرَم خيرها إلا محروم.
ولذا حث الشرع على قيام هذه الليلة العظيمة، ورغب في ذلك في أحاديث كثيرة، ومن ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه”متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ورغب أمته صلى الله عليه وسلم  بتحريها في ألفاظ متعددة مثل: تحينوا،  تحروا، التمسوها، اطلبوها، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر الأواخر شد مئزره وأيقظ أهله وهذا يدلنا على الحرص على مداومة القيام في العشر الأواخر.
ولقد كان من اعتناء أئمتنا في أمر ليلة القدر أن صنف العلماء فيها مؤلفات مستقلة ومنها للحافظ العراقي – رحمه  الله – تصنيف باسم “شرح الصدر بذكر ليلة القدر”، كما اعتنى الحافظ البيهقي – رحمه  الله – بها في كتابه “فضائل الأوقات”.
وليس هناك نص قاطع بوقت ليلة القدر تحديدا، والعلة من إخفائها والله أعلم أن في ذلك خيرًا للأمة إذ هو أدعى للاعتناء بقيام كل الشهر والاعتناء أكثر بالعشر الأواخر منها، وبالوتر على وجه الخصوص، بخلاف ما لو عُرِفَت بعينها، لحصل الاتكال بقيام هذه الليلة  ذاتها فقط، وهذا ما قد يشعرنا به قوله صلى الله عليه وسلم عندما أراد إخبار الصحابة عنها فرفعت بسبب الصحابة (وعسى أن يكون خيرًا لكم) أي عسى أن يكون  إخفاؤها خير لكم للحثّ على الاجتهاد والجدِّ في القيام والعبادة.

وأما أقوال أهل العلم في تحديدها  فهي على سبعة وأربعين قولاً  ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في فتح الباري، وأرجحها كما تدل عليه الأدلة كونها في شهر رمضان وفي العشر الأواخر منه، وفي  ليالي الوتر منه أو الشفع منه، لأنه من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحث على التماسها في العشر الأواخر.
روى مسلم في صحيحه عن أبى سعيد الخدرى – رضى الله عنه – قال اعتكف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له فلما انقضين أمر بالبناء فقوض ثم أبينت له أنها فى العشر الأواخر فأمر بالبناء فأعيد ثم خرج على الناس فقال:
« يا أيها الناس إنها كانت أبينت لى ليلة القدر وإنى خرجت لأخبركم بها فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان فنسيتها فالتمسوها فى العشر الأواخر من رمضان التمسوها فى التاسعة والسابعة والخامسة ».
وقال أيضا كما روى البخاري عن ابن عمر رضى الله عنهما، أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر”.
وفي “مسند الطيالسي” عن أبي بكرة أما أنا فلست ملتمسها إلا في العشر الأواخر بعد حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول : « التمسوها في العشر الأواخر لتاسعة تبقى أو سابعة تبقى أو خامسة تبقى أو ثالثة تبقى أو آخر ليلة » فكان أبو بكرة يصلي في عشرين من رمضان كما كان يصلي في سائر السنة فإذا دخل العشر اجتهد.
وقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ:” وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لِتَاسِعَةٍ أَيْ لَيْلَةِ.
ولذا قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى الكبرى (2/ 476):
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {هي في العشر الأواخر من رمضان} “وتكون في الوتر منها، لكن الوتر يكون باعتبار الماضي، فتطلب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين.
ويكون باعتبار ما بقي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لتاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى}“.
فعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الأشفاع، وتكون الاثنين وعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى، وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح، وهكذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم في الشهر، وإن كان الشهر تسعا وعشرين، كان التاريخ بالباقي كالتاريخ الماضي.
وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تحروها في العشر الأواخر”، وتكون في السبع الأواخر أكثر، وأكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين كما كان أبي بن كعب يحلف أنها ليلة سبع وعشرين. انتهى كلامه رحمه الله.
أخيرا: أذكر نفسي وإخواني المسلمين بما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم زوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من الدعاء في هذه الليلة المباركة بأن تقول:  ”اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”
جعلني الله وإياكم من الذين لا يحرمون  خير هذه الليلة، وأجر قيامها، وممن يوفق لها.
وأن يجمع الله قلوب المسلمين  في أنحاء المعمورة على كلمة التوحيد، وعلى  ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، من القول والعمل والاعتقاد، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويخذل أعداءه.
والحمد لله رب العالمين.

كتبه / الشيخ الدكتور عاصم القريوتي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *