علماء الجمعية وانتسابهم للسلفية

كثيرا ما يحرك موضوع السلفية، فكلٌ ذَهب مذهب وأُشرب مشرَب، فمنهم من جعلها منقسمة إلى ثلاث: علمية وجهادية وحركية -زعموا- ومنهم من جعلها مذهبا لصيقً بالمملكة العربية السعودية، وعدها الكثير من أنها حزبا من الأحزاب، والأغرب من ذلك أن هناك من يزعم أن السلفية دخيلة وليست بالأصيلة على الجزائر، وإن كنا نعتقد أن السلفية واحدة لا ثاني لها ولا ثالث، وأنها أصيلة وليست دخيلة، وأن دعوتها دعوة كثير من العلماء الأجلاء في العالم الإسلامي ومنه بلدنا الجزائر.

ديدن السلفية والسلفيين هو التمسك بكتاب الله الذي لا ينطق عن الهوى والإستمساك بسنة خير الورى، وهذان الأصلان يكونا بفهم ومنهج سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين الذين عايشوا التنزيل وسايروا الرسول، وطرح كل البدع الدينية التي لم يعرفها السلف الصالح.

وهذه وصية الشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي للشباب الإسلامي عموما وللشباب الجزائري، خصوصا إذ يقول (( إنّ دينكم شوهته الأضاليل، وإنّ سيرة نبيكم غمرتها الأباطيل، وإن كتابكم ضيعته التآويل، فهل لكم يا شباب الإسلام أن تمحوا بأيديكم الطاهرة الزيف والزيغ عنها، وتكتبوه في نفوس الناس جديداً كما نزل، وكما فهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم))، الآثار: 4/271.

لهذا؛ فإنه من المناسب جدا-ومن الأهمية بما كان- أن نقطع سبيل التحريف والتدجيل بتذكير القارئ الكريم بانتساب علماء أجلاء قريبو العهد بنا، ولهم شرف القيام بنهضة علمية وفكرية كانت سببا في ثورة على المستعمر الكافر، أقصد رجال “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” (التاريخية).

وأقول كما أنشد الأول:

يا ابن الكرام ألا تدنوا فتبصرا ما ==== قد حدثوك فما رأى كمن سمع

 

المعنى اللغوي للسلف:

**جاء في لسان العرب لابن المنظور ((والسلف والسليف والسلفة: الجماعة المتقدمون))، لسان العرب 6/330.

**وقال أبو السعدات ابن الأثير ((وقيل سلف الإنسان من تقدم بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح))، النهاية في غريب الحديث 2/390

**وقال عبد الكريم السمعاني ((والسلفي: بفتح السين واللام وفي آخرها الفاء، وهذه النسبة إلى السلف وانتحال مذهبهم))، الأنساب 7/104

 

المعنى الإصطلاحي:

قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي-رحمه الله- ((إن السلفية نشأة وإرتياظ ودراسة، فالنشأة أن تنشأ في بيئة أو بيت كل ما يجري فيه على السنة عملا وقولا، والدراسة أن يدرس من القرآن والحديث والأصول الاعتقادية، ومن السيرة الجوانب الأخلاقية والنفسية، ثم يروض نفسه بعد ذلك على الهدى المعتصر من تلك السيرة، وممن جرى على صراطها من السلف))، عيون البصائر 2/622

**قال الأستاذ محمد صالح رمضان رحمه الله، وهو من طلاب ابن باديس وأحد رواة كتاب العقائد الإسلامية ((السلفية هي الأصالة الإسلامية الحقيقية التي كان عليها السلف الصالح وخيار التابعين وأتباع التابعين من القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية على لسان خير البرية)).

والسلفي في الإصطلاح الفقهي: هو من يرجع في الأحكام الشرعية إلى القرآن والسنة النبوية ويهدر ما سواهما[ولا يخرج عن فهم السلف الصلح لهما]، نقلا من تقريضه “لرسالة جواب عن سوء مقال” لابن باديس تحقيق وتعليق أبو عبد الرحمن محمود.

قلت: وبانتسابنا للسلف أضفنا ياء النسبة في آخر كلمة (السلف) فتصبح (سلفي)، وكذلك الشأن فيمن أراد أن ينتسب لأي شيء كان، فما عليه إلا أن يضيف هذه الياء، فمثلا هذا بلدنا فمن أراد أن ينتسب إليه فليضف آخر الاسم (ياء) فيصبح جزائري، وكذا التونسي، والمصري، والسعودي، واليمني…وكذلك المنتسب إلى المذاهب الفقهية الأربعة المشتهرة، فهذا حنفي، وذاك مالكي، والآخر شافعي أوحنبلي، وكذلك بالنسبة للأديان فهذا يهودي، والآخر نصراني، بوذي، مجوسي …

 

التحديد الزمني للفظة (السلف)

فمن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة-رضي الله عنها- وفيه: أن فاطمة -رضي الله عنها- قالت((أن النبي صلى الله عليه وسلم- حدثني((أن جبريل كان يعارضه القرآن كل عام مرة، وأنه عارضه في العام مرتين، ولا أُوراني إلا قد حضر أجلي، وإنك أول أهلي لحوقا بي ونعم السلــف أنا لك))، البخاري 3624 ومسلم 2450.

قال النووي في شرح مسلم((والسلف المتقدمون ومعناه: أنا متقدم قدامك فتردين عليَّ)).

 

بداية ظهور واشتهار هذا المصطلح

قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد((وقد كان المسلمون الأوائل-وهم الصحابة رضي الله عنهم- قبل بزوغ الفرق والإنشقاق ليس لهم اسم يتميزون به، لأنهم كما ذُكر يمثلون الإسلام، والامتداد الطبيعي له، ولكن لما حصلت الفرق الضالة التي يشملها لفظ: أهل الأهواء، لغلبة اتباع الهوى عليهم، ولفظ أهل البدع، لاتباعهم ماهو خارج عن الدين، أجنبي عنه، وأهل الشبهات: لأنهم يلبسون الحق بالباطل، فيشبهون به على العامة، لبناء خروجهم عن السنة على مرض الشبهة الفاسدة، وقدوتهم في هذا العدو الأول إبليس-لعنه الله- فإنه أول من قاس قياسا فيما ذكر الله عنه ((قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقتني من طين)) لما حصلت تلك الفرق، منتسبة إلى الإسلام، منشقة عن عمود الفقري للمسلمين، ظهرت ألقاب الشرعية المميزة لجماعة المسلمين، لنفي الفرق والأهواء عنهم سواء ما كان من الأسماء ثابتا لهم بأصل الشرع: الجماعة -جماعة المسلمين- الفرقة الناجية الطائفة المنصورة أو بواسطة التزامهم بالسنن أمام أهل البدع، ولهذا حصل الربط لهم بالصدر الأول، فقيل لهم: السلفيين -أهل الحديث-أهل الأثر- أهل السنة والجماعة، هذه الألقاب الشرعية تخالف أي لقب كان، لأي فرقة كانت…)). حكم الإنتماء ص40/41

 

أهل المغرب والسلفية

قال المؤرخ الجزائري مبارك الميلي أمين مال “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” في كتابه” تاريخ الجزائر في القديم والحديث 2/626″ الذي اقترح ابن باديس أن يسمى هذا الكتاب بـ “حياة الجزائر”، قال ((كان أهل المغرب سلفيين حتى رحل ابن تومرت إلى الشرق وعزم على إحداث انقلاب بالمغرب سياسي علمي ديني، فأخذ بطريقة الأشعري ونصرها وسمى المرابطين السلفيين مجسمين، ثم انقلابه على يد عبد المؤمن فتم انتصار الأشاعرة بالمغرب العربي، واحتجبت السلفية بسقوط دولة صنهاجة، فلم ينصرها بعدهم إلا أفراد قليلون من أهل العلم في أزمنة مختلفة، ولشيخ قسنطينة في القرن الثاني عبد القادر الراشدي أبيات في الإنتصار للسلفيين طالها:

خبر عني المؤول أني**** كافر بالذي قضته العقول)).

 

مرحلة تدوين المذهب السلفي

قال الشيخ أحمد بن سعد بن حمدان ((كانت فتنة القول بخلق القرآن سببا ليقضة المذهب السلفي والشعور بالخطر أمام المذاهب الضالة وخاصة المعتزلة التي بلغت درجة كبيرة من القوة والتمكين، فهب علماء السنة لنصرة الحق ورفع رايته وتحذير الأمة من تلك المذاهب الضالة، فنشط العلماء وارتفعت أعلام العقيدة الصحيحة ترفرف في كل مكان وتطارد فلول الإعتزال وتحذير الأمة منه فانحجز في جحره وانقمع أمره فلم تقم له بعد قائمة ولم ترتفع له راية تذكير إلا في نار القليل، وبدأت مرحلة جديدة عنى فيها علماء السنة بالتدوين والتأليف

العقيدة الصحيحة والرد على المنحرفين عنها.

وقد اتخذت هذه المؤلفات مذهبين مختلفين:

الأول: منهج الرد:

أي عرض شبه الخصوم وبيان الحق في ذلك، مدعما بالأدلة النقلية من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، وذلك يتمثل في مؤلفات عدة أهمها:

1 -كتاب: الإيمان-لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ).

2 -الرد على الزنادقة والجهمية- لأحمد بن حنبل (ت241هـ).

3 -الرد على بشر المريسي- لعثمان بن سعيد الدارمي (ت280هـ) وغيرها.

الثاني: منهج العرض:

وهو عرض العقيدة الصحيحة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ويمثل هذا المنهج المؤلفات الآتية:

1 -السنة: لأحمد بن حنبل (ت241هـ).

2 -السنة: للمروزي محمد بن نصر (ت294هـ).

3 -التوحيد: لابن خزيمة (ت311هـ) وغيرها.

وهذه الكتب تركز على قضية هامة وهي (العودة بالأمة إلى الإتصال المباشر بالكتاب والسنة واتباع السلف الصالح في فهمهما واجتناب ماجدَّ من الآراء المحدثة والمذاهب المنكرة)، أنظر مقدمة تحقيق “شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للآلكائي ص49/51. (باختصار)

 

أما بالنسبة لعلماء الجمعية فسأذكر فيضًا من غيضٍ ولا أدعي الحصر لظني أنه أكبر من أن يحصر، كما أن المقام لا يسمح والله اعلم-

1/ قال ابن باديس رحمه الله مبجلا لدين السلف الذي هو كتاب الله وسنة نبيه بفهم أصحاب القرون الخيرية الثلاث، عن دين الخلف الذي أصابته شوبة من شوائب علم الكلام والفلسفة ((هذا هو التعليم السني السلفي، فأين منه تعليمنا نحن اليوم وقبل اليوم منذ قرون وقرون؟ فقد حصلنا على شهادة العالمية من جامع الزيتونة ونحن لم ندرس آية واحدة من كتاب الله ولم يكن عندنا أي شوق أو أدنى رغبة في ذلك، ومن أين يكون لنا هذا ونحن لم نسمع من شيوخنا يوما منزلة القرآن من تليم الدين والتفقه فيه ولا منزلة السنة النبوية من ذلك)). الآثار2/74

2/ وقال في ثنائه على الشيخ الطيب العقبي-رحمه الله-((حياك الله وأيدك يا سيف السنة وعلم الموحدين، وجزاك الله أحسن الجزاء عن نفسك وعن دينك وعن إخوانك السلفيين المصلحين))، الآثار 5/435.

3/ وقال رحمه الله في تفسيره ((وعمدتنا فيما نرجع إليه من كتب الأئمة: تفسير ابن جرير الطبري، الذي يمتاز بالتفاسير النقلية السلفية، وبأسلوبه الترسلي البليغ في بيان معنى الآيات القرآنية، وبترجيحاته لأولى الأقوال عنده بالصواب))، التفسير 1/93.

4/ وقال مفرقا بين الخطب السنية وغيرها((…ولقد كانت الخطب النبوية السلفية كلها على هذا المنوال تشتمل مع الوعظ والتذكير على ما يقتضيه الحال، أم هذه الخطب المحفوظة المتلوة على الأحقاب والأجيال، فما هي إلا مظهر من مظاهر قصورنا وجمودنا، فإلى الله المشتكى، وبه المستعان))، الآثار3/552.

5/ وكتب الشيخ ابن باديس مقالا بعنوان “مناظرة بين سلفي ومعتزلي في مجلس الواثق”، ويقصد بالسلفي الأمام أحمد، رحمه الله.

6/ قال فيه صديقه ورفيقه ونائبه في رئاسة الجمعية(( باني النهضتن العلمية والفكرية بالجزائر، وواضع أسسها على صخرة الحق وقائد زحوفها المغيرة إلى الغايات العليا، إمام الحركة السلفية، ومنشأ مجلة “الشهاب” مرآة الإصلاح وسيف المصلحين ومربي جيلين كاملين على الهداية القرآنية والهدي المحمدي وعلى التفكير الصحيح، ومُحي دوارس العلم بدروسه الحية، ومفسر كلام الله على الطريقة السلفية في مجالس انتظمت ربع قرن، وغارس بذور الوطنية الصحيحة وملقن مباديها، عالم البيان وفارس المنابر، الأستاذ الرئيس الشيخ عبد الحميد ابن باديس، أول رئيس لـ”جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، وأول مؤسس نوادي العلم والأدب وجمعيات التربية والتعليم، رحمه الله ورضي عنه))، آثار الابراهيمي 3/552.

7/ قال الإبراهيمي في حق الشيخ مبارك الميلي ((وفقدته المحافل الإصلاحية عالما بالسلفية الحقة عاملا بها))، آثاره 2/183.

8/ قال مبارك الميلي((فنحن بالعقيدة السلفية قائلون))، رسالة الشرك ومظاهره، ص:26.

9/ قال أبو يعلى الزواوي أيضا ((وإني أعلنت أني سلفي وأعلنت أني تبرأت من كل ما يخالف الكتاب والسنة، ورجعت عن كل قولة لم يقلها السلف الصالح))، الشهاب المجلد،2 ص.951

10/ وقال معترفا ومصرحا بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس للدعوة السلفية:

((وعرفتُ بظهر الغيب الأستاذ الشيخ عبد الحميد ابن باديس المشرف على الشهاب أنه قطب دائرتنا السلفية))، الشهاب المجلد2، الصفحة .768

11/ وقال عنه أيضا((ولهذا صرت حليف مجلته وحزبه السلفي الإصلاحي ولا مزية لي))، الشهاب المجلد3 الصفحة 738.

12/ ومما قاله الشيخ الطيب العقبي في منظومته إلى الدين الخالص

أيها السائل عن معتقـدي***** يبتغي ما يحوي الفــؤاد

بل أنا متبع نهج الأولـى*****صدعوا بالحق في طرق الرشاد

حجتي القرآن فيما قلتـه***** ليس لي إلا على ذلك استناد

مذهبي شرع النبي المصطفى*****واعتقادي سلفي ذو سداد

 

13/ قال العربي التبسي في معرض رده على بعض أهل الجهل((أما السلفيون الذين كدت لهم، فهم قوم ما أتوا بجديد وما أحدثوا تحريفا ولا زعموا لأنفسهم شيئا مما زعمه شيخكم، وإنما هم قوم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر في حدود الكتاب والسنة، وما نقمتم إلا أن آمنوا بالله وكفروا بكم))، آثاره جمع أحمد الرفاعي1/115.

14/ قال الإبراهيمي مبينا أن دعوة “جمعية العلماء المسلمين الجزائرين” دعوة سلفية محضة، في تقديمه لكتاب “العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية” لابن باديس((هذه الدروس مما كان يلقيه أخونا المبرور الشيخ عبد الحميد بن باديس…في أصول العقائد الإسلامية وأدلتها من القرآن على طريقة السلفية التي اتخذتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منهاجا لها بعد ذلك)).

قبل أن أضع قلمي لا بد من تذكير وتنبيه، فأما التذكير فإنني قد ذكرت أنني لم أدع الحصر في النقل، فالأمر عن علماء الجمعية كثير ومستفيض فما ينكره إلا حاقد على الجمعية رغم ادعائه المحبة والتبجيل لعلمائها حتى لا ينفض من حوله أو حتى لا يكشف أمره أو لا يُعرِب عن فكره الدخيل بتقية نكراء.

أما التنبيه: أظن والله أعلم- بعد ذكري لهذه الأثار المنقولة موثقة عن علماء الجمعية واستعمالهم للسلفية كمصطلح شرعي، بل هي صميم دعوتهم وحقيقة فكره وعين عقيدتهم، سيخرج علينا أناس كذبا وزورا يدعون أن سلفيتهم غير سلفيتنا، ومرد ذلك هي الأصول التي مشوا عليها لا بعض الاجتهادات التي لم يحالفهم الحظ وهم بشر- في إصابة الحق لعلة ولأخرى مبررة ولهم عذرهم الشرعي المقبول بإذن الله-.

 

بقلم / عماد بن عبد السلام

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *