تنبيهات بشأن الخوض في أشراط الساعة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

ففي أيام الفتن المدلهمة يكون للإشاعات سوق رائجة ، وبضاعة نافقة ، تُشغل بها المجالس ، وتُقطع بها الأوقات .
لكن تلك الإشاعات إذا تعلقت بالأمور الشرعية والقضايا الغيبية فإنه يفحش أمرها ، ويقبح الخوض فيها ؛ لأنها من الرجم بالغيب ، والقول بلا علم .

وأشراط الساعة والفتن والملاحم التي تكون في آخر الزمان لها قسط وافر من هذه التخرصات التي تتعالى أصواتها في هذا العصر .
فما أن تحل محنة أو تنشأ فتنة إلا ويطل على المسلمين نابتة من أهل الجهل والهوى ، همهم بلبلة الأفكار ، وتشتيت الأنظار ، وحب الإغراب؛ فينشرون بين الناس أوهاماً وخرافات قامت في نفوسهم ، ويسعون حثيثاً في تنزيل النصوص الواردة في أشراط الساعة عليها ، دون فقه فيها ، أو عناية بتمييز صحيح الأخبار من سقيمها ، ودون ورع عن تكلف تأويلها أو تطويعها لتوافق ما تخيلوه ؛ فيخرجون بأنواع من الأباطيل والأراجيف ؛ فتارة بتحديد عمر الدنيا ، وأخرى بتعيين وقت الساعة ، أو خروج الدجال ، أو أن فلاناً هو المهدي ، أو ما شاكل ذلك .

ومع الأسف الشديد فإن هؤلاء يجدون لآرائهم الممجوجة أسماعاً مفتوحة ، وقلوباً مستعدة لتلقف ما يرد عليها ، ممن لا علم عندهم ولا بصيرة .

وربما ساعد على تقبلهم هذه الأوهام ضغطٌ نفسي ، وشعورٌ بتسلط أعداء المسلمين ؛ فاستروحت نفوسهم إلى التطلع إلى مخرج من هذه الأوضاع عن طريق تحقق بعض أشراط الساعة ، التي يرون فيها الخلاص مما هو واقع .

والقاسم المشترك بين هؤلاء الخائضين بالباطل ، المشتغلين بالترويج لهذه الظنون والتخمينات أو التأليف فيها: أنهم ليسوا من العلم الشرعي في ورد ولا صدر ؛ فليسوا معروفين بتحصيله أو الأخذ عن أهله ؛ فماذا يُرجى من وراء هؤلاء إلا فتحٌ لباب لغط كبير ، لا يحصل منه المسلم إلا على التشويش والاضطراب ؟

ومن المعلوم عند كل أحد أن أمور الشرع إنما تُتلقى عن أهل العلم المتمكنين في علوم الكتاب والسنة ، كما قال ابن سيرين رحمه الله : ( إن هذا العلم دين ؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم ) أخرجه مسلم .

وفي الأسطر الآتية بعض المعالم والضوابط التي تعصم – بتوفيق الله – من الانجراف وراء هذه الظاهرة العصرية : ( التقحم والشطط في أشراط الساعة ) ، وبالله التوفيق .

أولاً : ينبغي على المسلم التثبت والتروي ، والتحلي بالرفق والأناة وترك العجلة ؛ فلا يُسارع بقبول كل خبر ، ولا يسعى في نشر ما لم يتحقق من صدقه .

وليعلم أنه محاسب على كل ما يقول ، قال عليه الصلاة والسلام : ( كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع ) أخرجه مسلم .

ثم عليه باختيار الزمان المناسب ، والمكان اللائق لذكر ما سمع إن تأكد من صحته ، بعد مراجعة أهل العلم والحكمة ومشاورتهم ، خاصة في الأمور الكبار ، عملاً بقوله تعالى : ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) .

ثانياً : من صفات الصالحين الموفقين الحرص على ما ينفعهم وترك ما سوى ذلك ، عملاً بقوله عليه الصلاة والسلام : ( احرص على ما ينفعك ) أخرجه مسلم  .

واشتغال كثير من الناس بتتبع تلك التخرصات ، وولعهم بمعرفة أوقات الملاحم والفتن تضييعٌ للعمر فيما لا طائل تحته .

ولو كان في معرفة ذلك خيرٌ لنا في حياتنا ومعادنا لما كُتم علمها عنا .

ولقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم من سأله عن وقت الساعة إلى ما ينفعه؛ فقال : ( ما أعددت لها ؟ ) متفق عليه .

فهذا هو المهم ؛ السعي في إعداد العدة للقاء الله ، لا الاشتغال بالقيل والقال .

ثالثاً: من المسلمات القطعية أن المسائل الشرعية – ومنها أشراط الساعة – المرجع فيها: الكتاب والسنة الصحيحة , وهذا أوضح من أن يُستدل له .

فيجب على المسلم أن يتحرى عند النظر في موضوع علامات الساعة صحة الأحاديث والآثار, لاسيما وكثير من الأحاديث الواردة في شأن فتن آخر الزمان لاتصح , ومنها على سبيل المثال : ( أحاديث السفياني ) .

والواقع أن هؤلاء المرجفين فيما يكتبون وينشرون يعتمدون على كل مايقع تحت أيديهم مما يخدم آراءهم ؛ ولو كان حديثاً ضعيفا ً، أو خبرا ًواهياً أو مكذوبا ً، ولربما استندوا إلى مرويات غلاة المبتدعة وأباطيلهم , بل وكتب أهل الكتاب وتحليلاتهم .

قال القرطبي: ( وإن من أفضح فضيحة في الدين نقل مثل هذه الإسرائيليات عن المتهودين ). التذكرة  (695 ).

رابعاً: أشراط الساعة من أمور الغيب ؛فلا يجوز الرتوع فيها بالأوهام والظنون الكاذبة ؛ لأن الغيبيات أمرها إلى الله سبحانه ؛ قال تعالى: ( ولله غيب السموات والأرض ) ، وقال سبحانه: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً ) , وقال جل شأنه: ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب) .

قال القرطبي : (والذي ينبغي أن يقال به في هذا الباب: أن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن والكوائن أن ذلك يكون , وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا ، يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر ، وإنما ذلك كوقت قيام الساعة ؛ فلا يعلم أحد أي سنة هي ولا أي شهر… وكذلك ما يكون من الأشراط ؛ تعيين الزمان لها لا يُعلم , والله أعلم ) .       التذكرة ( 713-714 ).

خامساً: لا يخفى أن الله تعالى إنما جعل للساعة علامات تسبقها لحكم بالغة ؛ منها: تنبيه الناس من غفلتهم ، وحثهم على تدارك التفريط ، والاستعداد للقاء الله بالتوبة والإنابة .

وليس من طريقة أهل العلم تنزيل نصوص علامات الساعة على الحوادث والوقائع لأدنى مشابهة أو مقاربة ؛ وإنما الجزم بتطبيق العلامة على الحادثة المعينة يكون بعد وقوعها والتحقق من صحة ذلك .

قال العلامة صديق حسن القنوجي رحمه الله : ( ليست ملحمة ولا فتنة صغرى أو كبرى من الملاحم والفتن التي تكون إلى يوم القيامة وقيام الساعة في مطلع الشمس ومغربها وسائر أقطار الأرض إلا وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها في أحاديثه الشريفة … وقد وقعت منها ملاحم وفتن كثيرة , وسيقع ما بقي منها , ولكن العلم بمواقيتها مما استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمه , ولا يتيسر لبشر أن يعلم بوقتها إلابعد وقوعها , وحصول التطبيق بالأحاديث الواردة فيها ) . أبجد العلوم ( 523 ).

وأما الخرَّاصون فإنهم يتعجلون في أمر لهم فيه أناة ؛ فما أن تلوح بالأفق بارقة حادثة أو فتنة مقبلة إلا ويسارعون بربطها بعلامة معينة , وأنها مصداق حديث معين .

وهذا من القول بلا علم , والظن العاري عن الدليل , والخوض فيما لم يُكلَّفوه ؛ قال تعالى:    ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) .

وكم تكشفت الحقائق عن خطأ استنتاجاتهم وأوهامهم .

ولربما أدى ظهور هذا الخطأ إلى وقوع ريب في نفوس بعض ضعاف الإيمان ؛ فيتشككون في صدق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهذا نتاج التكلف والإيغال فيما لم يأمر الشرع به ، والله المستعان .

وأخيرا ً.. فإنني أوصي إخواني المسلمين بالعناية بالعلم الشرعي الصحيح , والرجوع إلى أهل العلم الراسخين فيما يُشكل من الأمور , خاصة في أزمنة الفتن ، والحذر من إصغاء السمع للخائضين بالجهل والهوى ؛ فإن العمر أنفس من أن تنفق ساعاته عبثا ً.

كما أوصي بالرجوع – في باب أشراط الساعة –  إلى الكتب الموثقة ؛ من صحاح السنة, ومن الأبحاث العلمية المعاصرة التي يعتني أصحابها بصحة الأحاديث ، والنَهل من معين السلف الصالح , والإفادة من كلام الأئمة الأعلام .

اللهم علمنا ما ينفعنا , وانفعنا بما علمتنا ، وجنبنا الشرور وأسباب الفتن .

والله تعالى أعلم , وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين

كتبه / الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عثمان سندي

One comment

  • أبو ذر القصراوي

    مقال مهم جدا، بارك الله في الكاتب وناشره.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *