رد الشيخ بدر العتيبي على أبي محمد المقدسي في إلصاق تهمة ” الدعشنة ” بعلماء الدعوة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فسبحان من يقول: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110] ومن علامات القلبِ المفتون أن تتقلب به الأهواء، ويتنقل بين المذاهب، ويُنكر ما كان يعرف، ويعرف ما كان يُنكر، وقد سئل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: متى يعلم المرء أنه فُتن؟ فقال: «إن كان ما يراه بالأمس حراماً أصبح اليوم يراه حلالاً فليعلم أنه فُتن».
ولما حضرت حذيفة رضي الله عنه دخل عليه أبو مسعود فقال: اعهد إلينا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثك بأحاديث، قال: «أو ما أتاك الحق اليقين» قال: بلى؛ قال: «اعلم أن من أعمى الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر أو أن تنكر ما كنت تعرف وإياك والتلون في دين الله فإن دين الله واحد» رواه عبد الرزاق وغيره.
وروى ابن بطه عن عدي بن حاتم: «إنكم لن تزالوا بخير ما لم تعرفوا ما كنتم تنكرون، وتنكروا ما كنتم تعرفون، وما دام عالمكم يتكلم بينكم غير خائف».
وعنده عن إبراهيم النخعي قال: «كانوا يكرهون التلون في الدين» وعن الإمام مالك أيضاً أنه قال: «الداء العضال التنقل في الدين».
وسُئل محمد بن كعب القرظي: ما علامة الخذلان؟ قال: «أن يستقبح الرجل ما كان يستحسن ويستحسن ما كان قبيحاً» رواه أبو نعيم في “الحلية” وابن عساكر في “تاريخه”.
ولكثرة الشرور، وغلبة الهوى، وفشو الجهل في زماننا: كثر التقلّب والتلون في الدين وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن صور التقلّب في الدين، والتلون مع الأهواء: ما وقفت عليه أخيراً من كلامٍ مشين لـ: عصام البرقاوي المعروف بـ: أبي محمد المقدسي، وهو رأسٌ من رؤوس الفتنة والخروج، وممن صب جام سمومه على بلاد الحرمين، وصنّف العديد من المصنفات في تكفير الحكام، وتضليل العلماء، والدعوة إلى الفتنة، كل ذلك –فقط!- للدولة السعودية؟ وكأنه يعيش تحت خلافةٍ راشدة! ما كتب في أي دولة ولا علماء كما كتب في الدولة السعودية وعلمائها، وهذا يكشف مبلغ ضلاله وحقده على هذه الدولة المباركة، التي صار العداء لها من أكبر علامات العداء للتوحيد والسنة.
وكان من خطورة هذا الرجل: كثرة نقله واعتماده على مؤلفات أئمة الدعوة النجدية السلفية المباركة، ويعسف أقوالهم على ما يريد ويشتهي، ويُنزِّلُ مرادهم على مراده، حتى اغتر به خلق كثير، واعتمد على مؤلفاته وكتاباته التكفيريون الخوارج في زماننا، بل ما من طائفة خارجية تخرج إلا وكُتب أبي محمد المقدسي من كبرى القنوات المغذية لهم! وهو حرٌّ طليق، يُسجن للنقاهة ثم يعود للساحة مرة أخرى، وما حمل سلاحاً، ولا التحق بكتيبة، وإنما هو قعدي خارجي يجيد ما أجاده إبليس التعيس، وإذا حمى الوطيس فرّ فرار العيس، ومن ذلك: داعش الخارجية! التي ما قامت أصولها، ولا شيدت ضلالاتها إلا على مؤلفات المقدسي.
ثم لما شعر بالخطورة على نفسه: أعلن البراءة منها! وألحقها بمن لا علاقة لهم بها، وزعم أن الدين الداعشي الخارجي: نجدي المنشأ، وأن كتب أئمة الدعوة هي منشأ التكفير والقتال الذي تقوم به داعش! وسمى ذلك: «الدعشنة النجدية» وكذب فيما قال، وإلا كان هو أول داعشي، فكتب أئمة الدعوة النجدية هي عماد مؤلفاته، وتأولَّها على غير تأويلها، وأنزلها على غير مراد أصحابها، وما شان إلا نفسه، ولا ضير أن تكون كتب أئمة الدعوة النجدية سبب فتنته وضلاله، فـ: «من الربيع ما يقتل حَبَطاً، يقتل أو يُلمّ» كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.
فبعبارة أهل العصر! «درعم!!» المقدسي في كتب أهل السنة فحشى ذهنه منها بغير فهم ولا ديانة ولا أمانة حتى أتلف دينه وفهمه، وخرج بالتكفير وإباحة قتل الدماء المعصومة، كالبهيمة التي تنزل في الربيع الأخضر، وهو ربيع رحمة وزينة للأرض وغذاء للناس وبهائمهم، ومع ذلك تأكل منه البهيمة حتى تمتد خاصرتها، ويُحشى بطنُها، ويُبشم نَفَسُها، فتموت! وهو ربيع! ولكن قتلها لأنها “بهيمة!”.
وكذلك من لم يُرد الله تعالى به خيراً، إما أن يُصرف عن فهم الحق وقبوله، وإما أن يكون الحق فتنة له فيفهمه على غير المراد، فهما طائفتان:
الأولى: مصروفة عن قبول الحق، معرضةٌ عن الاستماع له، كما قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146].
والطائفة الثانية: من تصغي إليه، وربما تحتج به، وترى بأنَّها من أهله، وأنها أولى بالنسبة إليه! وهو عليهم عمى، ولا يزيدهم إلا خساراً ونفورا، كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44].
وقال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا} [الإسراء: 41].
وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82].
ومن هذا الفريق الخوارج الموارق، وهم الذين يتبعون ما تشابه من كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيهم قال الله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].
فقلوب الخوارج زائغة، لا تريد إلا الفتنة، وتأويل القرآن على غير تأويله الذي أراده الله تعالى، ويعلمه الراسخون في العلم.
وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» متفق عليه.
ومن جنس أولئك: الخوارج؛ الذين خرجوا على الصحابة رضي الله عنهم، وقاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فما خاصموه بكلام أبي بكر ولا عمر ولا أحدٍ من البشر، بل خاصموه بكلام الله، وتأولوه على غير تأويله، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم مبشراً علياً بهذه المكرمة، ومبيناً انحراف الخوارج في التأويل والفهم كما انحراف المشركون في القبول والتسليم: «إن منكم لمن يُقاتِل على تأويل القرآن، كما قَاتلتُ على تنزيله».
فإذا كان كلام الله المحكم المتين يضلّ به من لم يرد الله تعالى به خيراً، فكيف بمن يخاصم بكلام سائر البشر –بما فيهم علماء نجد- ويعتريه الخطأ والتقصير، وسوء التعبير، والتراجع والتغيير؟
إنَّ علماء نجد:
خرَّجوا لنا أئمةَ القرن الماضي وهذا القرن من أكابر علماء أهل السنة، كالشيخ عبدالله بن حميد وعبدالعزيز بن باز ومحمد بن عثيمين وطبقتهم، وما كان فيهم تكفيرياً ولا خارجياً، وما كانت مجالسهم تخلو من قراءة كتب أولئك الأئمة.
وعندما يقرأ القرآن السني والخارجي وكلاهما يحتج بما فيه، لا ننسب الخطأ والتقصير للقرآن، ولكن ننسبه إلى سوء فهم من ضلّ عن سواء السبيل، وكذلك عندما يكون أئمة الدعوة بأنفسهم أبعد الناس عن طريقة الخوارج، وتخرج منها من هم أبعد الناس عن الخوارج، وألزمهم للسنة، والجماعة، والعلم والدعوة، ونبذ الخروج، ثم يقابلهم دعيٌ عِيٌّ كأمثال أبي محمد المقدسي وكلّ داعشي، ويزعم أنه تخرج بها، يقال: الماء واحدٌ عذب، ولكن الرداءة كانت في أفواهكم! فلم تأخذوا ما فيهم بمآخذ العلماء وطرائقهم في الجمع والنظر والاستدلال، وإنما نظرتم في كتب أئمة الدعوة بـ: “عيونٍ خارجية” لا تريدون منها إلا ما يوافق أهواءكم، كما نظر الخوارج الأوائل بتلك العيون في القرآن الكريم، فما جاءوا منه إلا بقول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وقول الله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57] وتركوا الأدلة التي لا توافق أهواءهم، ولما بينها لهم ابن عباس رضي الله عنهما رجع منهم خلق كثير.
فالعيب في فيك وفهمك يا مقدسي! وفي فهم كلّ غرٍّ داعشي، ومن ذلك:
ما نقله المقدسي في تغريدة له بتاريخ (3 ربيع آخر 1437هـ) من فتوى من “الدرر السنية” (9/ 209): «وسئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ: صالح بن عبدالعزيز، والشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف، وكافة علماء العارض، عن العجمان، والدويش، ومن تبعهم، حيث خرجوا من بلدان المسلمين، يدعون: أنهم مقتدون بجعفر بن أبي طالب وأصحابه، رضي الله عنهم، حيث خرجوا من مكة مهاجرين إلى الحبشة؟
فأجابوا: هؤلاء الذين ذكرهم السائل، وهم العجمان والدويش ومن تبعهم، لا شك في كفرهم وردتهم، لأنهم … إلى قولهم: وأما من أجاب دعوتهم، وساعدهم من أهل نجد، فحكمه حكمهم، يجب على جميع المسلمين قتاله وجهاده، وأما من أبى عن جهادهم، يدعى أنهم إخوان له، وأنهم على حق، فهذا حكمه حكمهم، لأنه صوب رأيهم، واعتقد ما».
قال المقدسي معلقاً على هذا الكلام: «بمثل هذه الفتاوى انتشر الغلو في التكفير، تأملوا التكفير الموجود بهذه الفتوى، وما الفرق بينها وبين طريقة الغلاة اليوم!».
وقال في أخرى: «بل وصفت أمثال هذه الفتوى المذكورة بأنها سبب لانتشار الغلو!».
فأقول: لم ينقل المقدسي كامل الفتوى، وفيها ما ينقض مذهبه، ويبين أن أئمة الدعوة ضد التكفير بالعموم، وأنهم إنما كفّروا أولئك بأسباب عدة من المكفرات، المقدسي بنفسه يكفّر بها! نوعاً وعيناً، ولكن لخبثٍ في نفسه، وخسة في طبعه، وحقداً يحمله في قلبه على هذه الدولة وعلمائها، نقل ما يرى أنه يحمل القلوب على كره الدولة وعلمائها، ويلصق جرائم داعش الخارجية بأولئك العلماء!
فهذا كامل نص السؤال والفتوى (9/ 209-211): «سئل الشيخ محمد بن عبداللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ: صالح بن عبدالعزيز، والشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف، وكافة علماء العارض، عن العجمان، والدويش، ومن تبعهم، حيث خرجوا من بلدان المسلمين، يدعون: أنهم مقتدون بجعفر بن أبي طالب وأصحابه، رضي الله عنهم، حيث خرجوا من مكة مهاجرين إلى الحبشة؟
فأجابوا: هؤلاء الذين ذكرهم السائل، وهم العجمان والدويش ومن تبعهم، لا شك في كفرهم وردتهم، لأنهم انحازوا إلى أعداء الله ورسوله، وطلبوا الدخول تحت ولايتهم، واستعانوا بهم، فجمعوا بين الخروج من ديار المسلمين، واللحوق بأعداء الملة والدين، وتكفيرهم لأهل الإسلام، واستحلال دمائهم وأموالهم.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في “الاختيارات”: من جمز إلى معسكر التتر ولحق بهم، ارتد، وحل دمه وماله; فإذا كان هذا في مجرد اللحوق بالمشركين، فكيف بمن اعتقد مع ذلك أن جهادهم، وقتالهم لأهل الإسلام، دين يدان به، هذا أولى بالكفر والردة.
وأما استدلالهم بقصة جعفر وأصحابه، لما هاجروا إلى الحبشة، فباطل؛ فإن جعفرا وأصحابه، لم يهاجروا من مكة إلا وهي إذ ذلك بلاد كفر، وقد آذاهم المشركون، وامتحنوهم في ذات الله، وقد عذبوا من عذبوا من الصحابة، كصهيب، وبلال، وخباب، من أجل عبادتهم الله وحده لا شريك له، ومجانبتهم عبادة اللات والعزى، وغيرهما من الأوثان؛ فلما اشتدت عليهم الأذية، أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى الحبشة، ليأمنوا على دينهم.
وأما هؤلاء: فقد خرجوا من بين ظهراني المسلمين، وانحازوا إلى الكفار والمشركين، وجعلوا بلاد المسلمين بلاد كفر، بمنْزلة مكة حين هاجر جعفر وأصحابه منها؛ ولا يستدل بقصة جعفر والحالة هذه، إلا من هو أضل الناس وأعماهم، وأبعدهم عن سواء السبيل.
وأما قول السائل: إنهم يرون أن جميع المسلمين، وولي أمرهم، وعلماءهم، ليسوا على حق، فهذا من ضلالهم، ومن الأسباب الموجبة لكفرهم، وخروجهم من الإسلام، بعدما انتسبوا إليه، وادعوا أنهم من أنصاره، والمهاجرين إليه، فسبحان من طبع على قلوب أعدائه، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى.
وأما قول السائل: إنهم يدعون أنهم رعية الأتراك، ومن الأتراك السابقين، وأنهم لم يدخلوا تحت أمر ابن سعود وطاعته، إلا مغصوبين، فهذا أيضا من أعظم الأدلة على ردتهم، وكفرهم.
وأما قول السائل: إنهم فعلوا ما فعلوا مع المسلمين، من القتل والنهب، مستحلين لذلك.. إلى آخر السؤال؟.
فجوابه: أن من استحل دماء المسلمين، وأموالهم: كما نص عليه العلماء، في “باب حكم المرتد”.
وأما من أجاب دعوتهم، وساعدهم من أهل نجد، فحكمه حكمهم، يجب على جميع المسلمين قتاله وجهاده، وأما من أبى عن جهادهم، يدعى أنهم إخوان له، وأنهم على حق، فهذا حكمه حكمهم، لأنه صوب رأيهم، واعتقد ما اعتقدوه، لا سيما بعد علمه بما صدر منهم».
فهذا كامل الفتوى، ولم يكفروا المذكورين بمجرد نقض البيعة كما يقوله المقدسي في تغريدة له بتاريخ (2 ربيع الآخر 1437هـ) من قوله معقباً على آخر: «هل تكفرون من نقض البيعة؟ كما أفتى علماء العارض في الدويش ومن معه فكفروهم وأباحوا دماءهم عندما خرجوا على عبدالعزيز وانحازوا للصبيحة!».
فهذا تلبيس وتدليس، فالأئمة نقلوا عن أولئك أقوالاً لهم تدل على كفرهم، منها:
[1] الانحياز إلى أعداء الإسلام المحاربين له من الأتراك والمستعمرين ذلك الحين.
[2] الدخول تحت ولايتهم، وطلب الاستعانة بهم على المسلمين، ونقلوا فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك فيمن جمز إلى التتار واستعان بهم في قتال المسلمين بأنه مرتد حلال الدم.
[3] تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم، فهم الذين بدءوا أولاً بالتكفير والقتال!
[4] وأنهم كانوا يقررون خروجهم عن أرض المسلمين! -الذين يستدل المقدسي بكلامهم- ويرون بأنهم مهاجرون منها كهجرة أبي جعفر والصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة، أي أنهم يرون الديار النجدية أرض كفر!! وحكامها وعلماءها كفّار!
[5] إنهم يرون أن جميع المسلمين، وولي أمرهم، وعلماءهم، ليسوا على حق!
[6] وادعوا في كتاباتهم أنهم على بيعتهم للأتراك! ودولتهم الشركية ذلك الحين، وأنهم ما دخلوا في بيعة آل سعود أصلاً إلا غصبا! وهذا يؤكد عداءهم لدولة التوحيد.
فهذه موجبات الردة عندهم، وبذلك حكموا، فماذا ينكر المقدسي من ذلك، وكلّ واحدة من تلك التي ذكرها العلماء؛ المقدسي يكفّر بها -بل وبما دونها- على وجه الانفراد، ويستبيح الدماء، وكم أطلق الكفر بعدة أمورٍ هي محل تفصيلٍ عند العلماء، كمطلق “الحكم بغير ما أنزل الله” و”الاستعانة بالكفار” و”الاتفاقيات الدولية” و”معايشة الكفار” و”إنشاء البنوك الربوية” فكفَّر حكام الدولة السعودية والعلماء ورجال الأمن واستحل بفتاويه وتقريراته دماءهم، وهم القائمون بأمر الله، الحماة لشريعته، الخادمون لبيته، الراعون لسنة النبي صلى الله عليه، الناشرون لها، ولا يُدرى لولا هذه الدولة ماذا يكون عليه هذا المقدسي من دين! وهو في بلد يُعلى فيه الصليب، وتشيد فيه الأضرحة، وتضرب الصوفية والجهمية والرافضية وكلّ والزندقة أطنابها!
فتأمل كيف نقل المقدسي فتوى للعلماء في قضية عينية، وحادثة لها ظروفها وملابساتها، ثم زعم أنها سبب ضلالة داعش الخارجية! والعيبُ لم يكن فيها وإنما فيمن فهمها على غير مراد أهلها، وهذه آفة سُبق المقدسي إليها، وأجاب عنها الشيخ عبدالله العنقري رحمه الله تعالى لجماعة عارضوا الملك عبدالعزيز رحمه الله بنقولٍ ذكروها من كتب أئمة الدعوة السالفين، فعاتبهم في سوء فهم من طبّق فتاوى العلماء على غير وجهها، لقصور فهمهم عن الأسباب، وواقع القضايا، فقال رحمه الله تعالى كما في “الدرر السنية” (9/ 157-158): «وقد بلغنا أن الذي أشكل عليكم، أن مجرد مخالطة الكفار ومعاملتهم، بمصالحة ونحوها، وقدومهم على ولي الأمر لأجل ذلك، أنها هي موالاة المشركين، المنهي عنها في الآيات والأحاديث، وربما فهمتم ذلك من “الدلائل” التي صنف الشيخ سليمان بن عبدالله بن الشيخ، ومن سبيل النجاة للشيخ حمد بن عتيق.
فأولا: نبين لكم سبب تصنيف “الدلائل”، فإن الشيخ سليمان، صنفها لما هجمت العساكر التركية على نجد في وقته، وأرادوا اجتثاث الدين من أصله، وساعدهم جماعة من أهل نجد، من البادية والحاضرة، وأحبوا ظهورهم.
وكذلك: سبب تصنيف الشيخ حمد بن عتيق “سبيل النجاة” هو لما هجمت العساكر التركية على بلاد المسلمين، وساعدهم من ساعدهم، حتى استولوا على كثير من بلاد نجد. فمعرفة سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام العلماء، فإنه بحمد الله ظاهر المعنى؛ فإن المراد به موافقة الكفار على كفرهم، وإظهار مودتهم، ومعاونتهم على المسلمين، وتحسين أفعالهم، وإظهار الطاعة والانقياد لهم على كفرهم.
والإمام وفقه الله لم يقع في شيء مما ذكر، فإنه إمام المسلمين، والناظر في مصالحهم، ولا بد له من التحفظ على رعاياه وولايته، من الدول الأجانب، والمشايخ رحمهم الله، كالشيخ سليمان بن عبد الله، والشيخ عبد اللطيف. والشيخ حمد بن عتيق، إذا ذكروا موالاة المشركين، فسروها بالموافقة والنصرة، والمعاونة والرضى بأفعالهم؛ فأنتم وفقكم الله، راجعوا كلامهم، تجدوا ذلك كما ذكرنا».
ومن تتبع كتب المقدسي يجد أنه محترف في التحريف، يبتر كلام العلماء على ما يشتهي ويريد بما يوافق هواه الخارجي، ولضرب المثال في ذلك، ما ذكره في تقرير أن الموالاة كفر على الإطلاق، فقال في كتابه “ملة إبراهيم” (ص40): «يقول العلامة ابن القيم: لما نهاهم عن موالاة الكفار اقتضي ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال، اهـ من بدائع الفوائد (3/69)..».
فقارن هذا النقل المحرَّف، المؤدي إلى التكفير بمطلق الموالاة، وقارنه بقول الإمام ابن القيم في بدائع الفوائد (3/ 69): «المثال الخامس: قوله تعالى:{لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}ومعلوم أن التقاة ليست بموالاة ولكن لما نهاهم عن موالاة الكفار اقتضي ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال إلا إذا خافوا من شرهم فأباح لهم التقية وليست التقية موالاة لهم والدخول ههنا ظاهر فهو إخراج من متوهم غير مراد».
فتأمل الكلام المحذوف كيف غير المعنى! وأن من الموالاة ما يكفّر بها ومنها ما دون ذلك.
ومن كذب المقدسي وبهته، وفجره في الخصومة قوله في تغريدة بتاريخ (4 ربيع الآخر 1437هـ): «أقصد بالدعشنة النجدية: ما كان على منوال المثال الذي ذكرته: الترقيع لولي الأمر لدرجة تكفير مخالفه وإباحة دمه، أليس هذا ما ينتقدونه على داعش؟».
وهذا من سخيف القول، ومن تحريف النقول، فلم يكن تكفير أولئك الأئمة لمن ذكروا ترقيعاً لمصلحة من مصالح الدنيا، وإنما هو دين الله تعالى، والذب عن حماه، ولم يكفّر علماء الدعوة النجدية الولايات الأخرى التي لم تدخل تحت بيعة الإمام محمد بن سعود، من عهد الإمام محمد بن عبدالوهاب إلى من جاء من بعده، ففي “الدرر السنية في الأجوبة النجدية” (9/ 252): «سئل أبناء الشيخ محمد بن عبدالوهاب، رحمهم الله تعالى: من لم تشمله دائرة إمامتكم، ويتسم بسمة دولتكم، هل داره دار كفر وحرب على العموم؟ فأجابوا: «الذي نعتقده وندين الله به، أن من دان بالإسلام، وأطاع ربه فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر، فهو المسلم حرام المال والدم، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولم نكفر أحدا دان بدين الإسلام، لكونه لم يدخل في دائرتنا، ولم يتسم بسمة دولتنا، بل لا نكفر إلا من كفر الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده، فقد كذب وافترى».
ويقول الإمام محمد في رسالته إلى حمد التويجري كما “الدرر” (10/ 128): «كذلك تمويهه على الطغام: بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا، بأن من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم في أي زمان، وأي مكان».
وداعش الخارجية ترى كفر كل الدول عدى دولتهم، ويرون أنهم الخلافة الإسلامية الصحيحة لا غير.
وداعش الخارجية يوجبون الهجرة إلى دولتهم، وبيعتهم على كل مسلم، ومدّ الأيادي إلى بيعة زعيمهم البغدادي! وهذا لم يحصل من أئمة الدعوة بل أنكروا ذلك، ونفوا عن أنفسهم دعوى من نسب إليهم أنهم يرون وجوب الهجرة إليهم، حتى قال الإمام محمد بن عبدالوهاب بنفسه كما في الدرر (1/104) : «وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله».
فهل الاعتراض على داعش يساوي باعتراض هذا الجاهل المتهور على أئمة الدعوة النجدية السلفية؟ سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.
ويقول المأبون المقدسي في تغريدة له بتاريخ (4 ربيع الآخر 1437هـ) تعقيباً على من سمى نفسه: عبدالله الشمري لما قال له الثاني: «ألم يحن الوقت يا أيها المقدسي لإعلان أن المشيخة النجدية غالية مارقة، وبفتاويها التكفيرية استحلت دماء المسلمين؟» قال المقدسي: «ليس بهذا الإطلاق!! ولكن في فتاويهم السلطانية نعم؛ وإلى اليوم! ولم نسكت عن انحرافاتهم في هذا قديماً وحديثاً».
وهذا كلام ما له نظام، لا من الشمري ولا من المقدسي، وكلاهما أعداء لأئمة الدعوة النجدية رحمهم الله، وليس في كلام أئمة الدعوى فتاوى سلطانية ولا انحرافات، فهم في غنىً عن دنيا السلاطين، وغايتهم إقامة دين الله تعالى، بداية من الإمام محمد بن عبدالوهاب، ومحمد بن سعود هو الذي جاءه إلى بيته، وعرض عليه أمر التعاون والنصرة، وبايعه الإمام، ولم يكن الإمام يطلب دنيا ولا علواً في الأرض وبغيا، فنصرهما الله تعالى لما كانت الغاية نصرة التوحيد والسنة، ومحاربة الشرك والبدعة، وهكذا كلّ الأئمة: كالإمام تركي بن عبدالله وعبدالرحمن بن حسن، والإمام عبدالعزيز الفيصل وعبدالله بن عبداللطيف وسائر العلماء، وما عُلم عن واحدٍ من الأئمة مداهنة للسلطان، ولا إصدار فتوى لغاية دنيوية، ومن زعم ذلك فعليه بالبينة والبرهان، فزعم المقدسي بأن من فتاوى الأئمة: «فتاوى سلطانية» فرية حسابها فيها على الله وحده، يوم لا يفلح الظالمون، وقد خاب من حمل ظلما.
ودعوى أن لديهم انحرافات؛ من التهم الجزاف البعيدة عن العدل والانصاف، وما عُلم أن أئمة الدعوة خالفوا إجماعاً، ولا دعوا إلى بدعة، ولا انحرفوا عن سبيل الوحيين في أصل من أصول الدين.
ثم قال المقدسي في تغريدة له بتاريخ (4 ربيع الآخر 1437هـ): «الغلو موجود في أشياء، كتكفير المضلل لولي الأمر، ومن معه، وتكفير من نقض بيعة ولي الأمر، فهذا أصل الدعشنة اليوم!».
ثم نقل ما سبق نقله في “الدرر السنية” من قول العلماء: «وأما قول السائل: إنهم يرون أن جميع المسلمين، وولي أمرهم، وعلماءهم، ليسوا على حق، فهذا من ضلالهم، ومن الأسباب الموجبة لكفرهم، وخروجهم من الإسلام، بعدما انتسبوا إليه، وادعوا أنهم من أنصاره، والمهاجرين إليه، فسبحان من طبع على قلوب أعدائه، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى.
وأما قول السائل: إنهم يدعون أنهم رعية الأتراك، ومن الأتراك السابقين، وأنهم لم يدخلوا تحت أمر ابن سعود وطاعته، إلا مغصوبين، فهذا أيضا من أعظم الأدلة على ردتهم، وكفرهم».
وعلّق المقدسي على مصورته بقوله: «أي مكفرات هذه؟».
فأقول: يُردُّ عليك بقولك في التغريدة بالتاريخ نفسه في جوابه لشخص اسمه: أبو عبدالملك لما سأله عن “الدرر السنية” فقال المقدسي: «فيها ما هو درر، وفيها درر تحتاج إلى رعاية وتعليق وتنبيه وتهذيب وتحذير من الإطلاقات..».
فكذلك يقال عن هذا الكلام، فالعيب فيمن أساء الفهم، وأطلق الذهن مع إطلاق اللفظ، وسبق أن الأئمة لم يكفروا من لم يبايعهم، ولا من لم يهاجر إليهم، فكان الواجب على المقدسي أن يأخذ كلام الأئمة بمجموعه لا أن يتهم جيلاً كاملاً، ومؤلفات عدة بالدعشنة اللعينة، بمجرد نقلٍ واحد قصر ذهنه القاصر عن إدراكه.
فمحل كلامهم عمن جاء فيهم كافة الصفات التي سبق ذكرها في أول الفتوى، وجعلوا ما ورد بعد ذلك: (أسباباً) و(أدلةً) ترشد إلى حقيقة ما هم عليه من ردّة بما سبق، وتكشف فساد دينهم، لا أنها بذاتها تكفّر، فليست كلّ أعمال أهل النفاق كفراً، ولكنّ من أعمالهم وأقوالهم ما هي: أسبابٌ تؤدي إلى كفرهم، وأدلة على ما يبطنون من شر.
ثم لو قيل بأنهم إنما أرادوا بذلك التكفير بمجرد ما ذكروا، فيقال: قد كفّر جمعٌ من العلماء الخوارج بمجرد: خروجهم على السلطان، واستباحة دماء المسلمين! فكيف بمن يرى: «أن جميع المسلمين، وولي أمرهم، وعلماءهم، ليسوا على حق» وترك بيعتهم والتحق بالدولة الكافرة المعادية للتوحيد؟
فهذا أولى بالكفر بلا شك ممن ذكر الخلاف في تكفيرهم من الخوارج.
ومن قبيح منطوق المقدسي، وسوء أخلاقه حيث ما له في ميدان العلم من خلاق! قوله عن “الدرر السنية” في كلامه السابق: «فيها ما هو درر، وفيها درر تحتاج إلى رعاية وتعليق وتنبيه وتهذيب وتحذير من الإطلاقات، وبعضها من المتأخر ليس من الدرر بل هو من البعر!!».
وكذب والله، فالدرر وصفها على اسمها: درر علمية عقدية وفقهية وأحكام وآداب ونصائح وتوجيهات، وقد أثنى عليها جملة من كبار الأئمة المشايخ الأعلام، وأوصوا بنشرها بين الناس، وما خالف المتأخرون المتقدمين في شيء، وهم على طريقتهم يسيرون.
وخلاصة القول:
أن اتهام المقدسي للدرر السنية بالغلو والتكفير! من قبيل المثل السائر: رمتني بدائها وانسلت! فهل للمقدسي من كتبٍ ومؤلفات في غير: التكفير، والقتال، والعمليات الانتحارية؟
وهل ضلّ من ضلّ من الخوارج إلا بكتبه؟
فهو آخر من ينظر في قوله في الرد على الخوارج والغلاة في التكفير، فقد بلغ في الباب غايته القبيحة في الإطلاقات والعمومات، ومن راجع ما كتبه الفضلاء في ردودهم على مؤلفاته عرف مبلغ جهله وغلوّه وضلاله، وضعف أمانته العلمية، والله المستعان.
وللوقوف على رد الشيخ كما ورد في مدونته ، زيارة الرابط التالي:
داعش نبتة مقدسية! ولا علاقة لهم بأئمة الدعوة النجدية ولا “الدرر السنية”

كتبه:  الشيخ بدر بن علي بن طامي العتيبي
الطائف 7 ربيع الآخر 1437هـ

 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *