الغارات السالفات على المسلمات … التاريخ يعود بهم!

الغارات السالفات على المسلمات

الفصل الأخير –مع بعض التصرف- من كتابي:

“الحرب الباردة على الفتاة المسلمة”

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:

إن الناظر إلى موجز أطوار حياة المرأة على مرّ العصور يجد أن المرأة مرّت بثلاثة أطوار:

1- المرأة في الجاهلية الأولى: (بعض شيمة بلا دين) .

2- والمرأة في الإسلام قديماً وحاضراً: (دين وشيمة وعفاف) .

3- والمرأة المعاصرة وهي الجاهلية الأخرى: (لا دين ولا شيمة) .

ولم تعاني المرأة من مسخ أخلاقي، وتطهير عرقي للشيمة، كما عانته المرأة في هذه الأزمان، وخاصة المسلمات منهن، فشنّ عليهم أعداء الفضيلة شتى صنوف الغارات.

وأخطر هذه الغارات هي الغارات من داخل الحصون، وإن شئت سمّها بـ (الانقلاب الفكري) خاصة إذا لبست لباس الدين والفتوى! يسّوق لها ذلك بعض أئمة الضلال ممن ينتسب للإسلام، وهم أخوف ما خافه علينا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما روى الإمام أحمد والترمذي من حديث ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنما أخاف عليكم الأئمة المضلين) .

فكانت البداية الفعليه في العالم الإسلامي على يد رفاعة الطهطاوي [1216هـ – 1290هـ ] الذي ابتعث واعظاً وإماماً لبعثة مصرية إلى فرنسا ، فتشرّب هناك الثقافة الإباحة ، وعاد إلى مصر يحمل فيروسات تلك الأوبئة الفتاكة ، وفجّر في مصر الدعوة إلى ما يسميه بـ (تحرير المرأة) ، بثلاثة مؤلفات وهي : (“تلخيص الإبريز في تلخيص باريز” – و ” مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية ” – و “المرشد الأمين للبنات والبنين “).

ودعا في هذه المؤلفات إلى أن الاختلاط لا يمكن أن يكون سبباً في الفساد، وحث على إقامة المسارح، وجوّز مراقصة الرجال للنساء فيقول في مراقصة النساء في فرنسا: (ويتعلق في فرنسا كل الناس .. فلذالك كان دائماً غير خارج عن قوانين الحياء ، بخلاف الرقص في أرض مصر، فإنه من خصوصيات النساء، لأنه لتهييج الشهوات ، وأمّا في باريس فإنه نطٌ مخصوص لا يشم منه رائحة العهر أبداً! وكل إنسان يعزم امرأة يرقص معها ، فإذا فرغ الرقص عزمها آخر للرقصة الثانية ، وهكذا وسواء كان يعرفها أو لا!) [من كتابه ” تلخيص الإبريز ”  ( صحيفة : 168 ) ، بواسطة ” حجاب المسلمة ” لمحمد فؤاد البرازي ( صحيفة : 427 )].

وهكذا جاءت نازلي فاضل، وفتحت نادياً لاجتماع من هم على شاكلتها ، وكانت ممن اشتهر بمخالطة الرجال ، وتجتمع معهم ، وكان من روّاد صالونها الذي افتتحته آنذاك (محمد عبده-وسعد زغلول- واللقّاني- ومحمد بيرم – وقاسم أمين) [بواسطة ” حجاب المسلمة ” لمحمد فؤاد البرازي ( صحيفة : 430)].

من ثم ألّف مرقس فهمي [ 1287هـ – 1374هـ ] كتاباً بعنوان : “المرأة في المشرق” وهو مصري نصراني عميل للنفوذ البريطاني مما سهل له الطعن في الإسلام، وفي هذا الكتاب كانت الدعوة الصريحة الأولى في تاريخ مصر إلى : (القضاء على الحجاب الإسلامي – وَ إباحة الاختلاط للمرأة المسلمة بالأجانب عنها – وَ تقييد الطلاق ووجوب وقوعه أمام القاضي – وَ منع الزواج بأكثر من واحدة – وَ إباحة الزواج بين المسلمات والأقباط) .

ثم كتب قاسم أمين [1279هـ- 1326هـ] كتاباً أقرّ فيه ما كتبه النصراني (مرقس فهمي) بعد نزاع بينهم ومن ثم اتفاق ، فسمّى كتابه بـ (تحرير المرأة) تناول فيه القضية الرئيسية للمرأة وهي (الحجاب) ومسائل أخرى، وتفوّه إفكاً عندما حاول أن يسقط الحجاب بساقط الكلام ، وحاول أن يطوّع نصوص الوحيين لغريزة الغربيين! وسمّى الأمر بالحجاب جموداً من رجال الدين! فلقي كتابه معارضة شديدة من بعض أهل الغيرة، حتى اعتزل خوفاً من سيل الانتقادات على كتابه ذلك، حتى ناصره على الضلالة (سعد زغلول) الذي قال له: (امض في طريقك وسوف أحميك!) ، وكذا ناصره شيخه (محمد عبده) زعيم المدرسة العقلانية !! الذي شاركه في كتابة بعض نصوص كتابه (تحرير المرأة) .

ثم لما اتفق لقاسم أمين موافقة قوة السلطة السياسية المتمثلة في (سعد زغلول)، ونفوذ الشبهة الدينية الصادرة من ( محمد عبده ) ، كشف عن وجه طويته بكتابه (المرأة الجديدة) الذي فاق كتابه الأول سوءاً ، وزاد عليه شراً .

ومن ثمّ جاء دور سعد زغلول [ 1273هـ – 1346] زعيم الشعب، فقد كانت له الجرأة على المجاهرة بحرب الحجاب أكثر من غيره ، ومن ذلك أنه ما نشرته جريدة “الجمهورية” [ 20/4/1978م] في الذكرى السبعين لموت قاسم أمين : (ولما تولى سعد زغلول زعامة الشعب في عام 1919، اشترط على السيدات اللواتي يحضرن لسماع خطبه أن يزحن النقاب عمّا سمح الله به من وجوههن ، وكانت هذه أول مرحلة عملية للسفور!) .

وتقول (فاطمة عصمت زكريا) : ( وبعد تعيينه وزيراً أراد مجموعة من النساء المصريات في القاهرة أن يجتمعن به لأمر من الأمور ، فدخل عليهن ، وبُهت ، إذ فوجئ بأنهن يسدلن الحجاب على وجوههن ، فرفض الدخول والاجتماع بهن إلاّ أن يكشفن وجوههن !! ، فأبين ذلك ، ولم يحصل الاجتماع ) .

وعندما قدم من منفاه إلى الإسكندرية برفقة زوجته (صفية سعد زغلول) وجد أن البحر امتلأ من المستقبلين على ظهور القوارب، فأمرها أن تظهر أمامهم وتنزع الحجاب ، وأقيم بعد ذلك حفل للشعب ، وأمرها أن تكرر هذه الفضيحة فقامت فنزعت الحجاب فنزع النساء الحاضرات الحجاب) .

ثم ظهرت هدى شعراوي [ 1296هـ – 1367هـ ] ، زوجة (علي شعراوي باشا) صديق (سعد زغلول) ، ووجهتها امرأة (حسين رشدي باشا) ، وهي امرأة فرنسية، إلى فكر (قاسم أمين) و (محمد عبده) و (سعد زغلول) ، وأوصتها إذا عادت إلى مصر أن تدعو إلى تحسين حال المرأة، وأن تبدأ مشروعها بتوجيه المرأة المصرية إلى ممارسة الرياضة البدنية أولاً [احفظ هذه ، واذكر ما يدعى إليه في الصحف الآن من فتح أندية رياضية نسائية جماهيرية!]، قبل تنبيهها إلى خوض الحياة الاجتماعية ، وترغيبها في الفنون والآداب ، وعقد اجتماعات تجمع بين الرياضة الفكرية والرياضة البدنية ، وكذا إعداد ملعب للتنس لاجتماعهن .

وللصداقة بين (هدى شعراوي) و (صفية زغلول) ، ولقرب الأخير من السلطة عن طريق والدها (مصطفى فهمي) وزوجها (سعد زغلول)، اندفعت (هدى شعراوي) نحو ما تروم إليه مما تسميه بـ (تحرير المرأة) ، واستغلت المظاهرات المصرية تجاه الاستعمار البريطاني عام 1919 ، خرجت هي وصديقتها (صفية زغلول) في مظاهرة بقيادتهما في [ 20 مارس – آذار عام 1919 ] في ميدان قصر النيل (ميدان الإسماعيلية) وهتفن ضد الاستعمار ، وبتدبير سابق وعلى حين غفلة من الناس نزعن الحجاب ، وألقين به في الأرض ، وسكبن عليه البترول ، و أشعلن فيه النار ، ومن ثَمّ سمّي بـ (ميدان التحرير) وشكلن لجنة النساء الوفديات ، ثم ترشحت بعد ذلك (هدى شعراوي) و صديقتها الأخرى (سيزا نبراوي) إلى المشاركة في (المؤتمر النسائي الدولي) الذي عقد في روما [ شهر آذارـ مارس عام 1923 ] ، وعندما حضرت إلى هذا المؤتمر هي ورفيقتها كان أول شيء صنعتاه هو أن قامتا بنزع الحجاب وداستاه بأقدامهما، وما إن عادتا إلى مصر حتى ألقتا بالحجاب ودخلتا سافرتي الوجه والعياذ بالله .

قال خير الدين الزركلي: (فكانت أول مصرية مسلمة رفعت الحجاب).

ومن ثمّ انتقلت حمّى نزع الحجاب وسفور المرأة وتبرجها إلى العالم العربي والاسلامي :

ففي العراق على يد ( جميل صدقي الزهاوي) [ 1279هـ-1354هـ] ، وهو شاعر ملحد ، وأنشد في نزع الحجاب قوله:

أسفري فالحجاب يا إبنة فهر      هو داء في الإجتماع وخيم

وقال :

الـقوم يا ابنة يــعـرب            من جـهـلهـم وادوك وأدا

حجبوك عـن أبـناء نـو             عك حاسبين الـغـي رشدا

ثم تزايد شرّه فأنشد :

مزقي يا إبنة الـعـراق الحجابا        واسفري فالحيـــاة تبغي انقلابا

مزقيـه وأحرقيـه بلا ريــ         ــــثٍ فقد كان حارساً كذابا

زعموا أن في السفور سقوطاً          في المهــاوي وأن فيــه خـرابا

كذبوا فالـسفور عنوان طهرٍ        ليس يلقى مـعـرة وارتـيـــابا

وحكم عليه علماء زمانه بذلك بالزندقة .

وهكذا العراقي الآخر (معروف الرصافي) [ 1294هـ – 1364هـ ] ، فلم يقل عن صديقه

السابق بشي من المعتقد والأدب ، ومن ذلك قوله منشداً :

ألا ما لأهـل الشــرق في برحاءِ        يعيـشـون في ذلٍ بـه وشقـاءِ

لقد حكموا العادات حتى غدت لهم       بـمـنـزلة الأقيـاد للأسـراءِ

لقد غمطـوا حـق النـساء فشددوا      عليـهن في حـبسٍ وطـول ثواءِ

وقد ألزمـوهـن الحجاب وأنكروا       عليهن إلاّ خــــرجة بغـطاءِ

أضاقوا عليهن الفضـاء كـــأنهم       يغــــارون من نورٍ به وهواءِ

وقد زعموا أن لسن يصلحن في الدنى      لغير قرارٍ في الـبـيوت وبـــاءِ

وهذه مصادمة لأمر الله تعالى في قوله : {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (الأحزاب:33 ) .

وقال :

وأكبر ما أشكو من القـوم أنهم        يعدون تشديد الحجاب من الشرعِ

أفي الشرع إعدام الحمامة ريشها        وإسكاتها فوق الغصون عن السجعِ

وقد أطلق الخلاق منها جناحها        وعلمها كيف الوقوع عـلى الزرعِ

فتلك التي ما زلت أبكي لأجلها        بكاء إذا ما اشتدّ أدى إلى الصرعِ

وقال :

لئن وأدوا البنات فقد قبرنا        جميــع نسائـنــا قبل الممـاتِ

ولو عدمت طباع القوم لوما       لما غدت النساء محـجبــاتِ

وقال في معارضة صريحة للقران :

ولم أرَ بين النـاس ذا مظلمة      أحـق بالـرحمة من مسلمة

مـنقـوصـة حتى بميراثها      محجوبة حتـى عن الـمكرمة

وهكذا في الجزائر العربية (أحمد بن بيلا) ، إلى ( كمال أتاتورك) في تركيا وأمره عام 1920 بنزع الحجاب إلى ( رضا بهلوي ) في إيران بمثل ذلك عام 1962، إلى (محمد أمان) في أفغانستان ، إلى (أحمد زوغوا) في ألبانيا ، إلى (أبو رقيبة) في تونس، وهكذا في سائر البلاد العربية والإسلامية ، مما قل أن تجد من بين تلك الدول دولة تأمر بالحجاب وتعمل به إلا من رحم الله ، والله المستعان.

هذه هي تلك الغارات السالفات على حجاب المسلمات ، نستفيد منها فوائد، حيث عرفنا من أساليبهم:

– كيف يتذرعون بإباحة بعض العلماء لكشف الوجه، ويستخدمون بعض اللحى المستأجرة الدنيئة لتغرير الناس، وتمرير الباطل بينهم! وضع تحت التأمل (أحمد قاسم الغامدي) و(عادل الكلباني!).

– كيف يستغلون الحروب الخارجية وحين الفرقة ميقاتاً لتنفيذ مخططاتهم، وضع التأمل تزامن مشاغباتهم مع أي كلّ مشكلة سياسية لبلادنا بدءً من غزو الكويت إلى عاصفة الحزم!

– كيف يحاولون الاستعانة بالسلطة في تنفيذ مطالبهم، وتأمل فزاعهم إلى الدول الغربية، واللقاءات الأجنبية، والاهتمام الغربي بهم كـ: رائف بدوي، ووليد أبو الخير، وأعضاء جمعية حسم!

– كيف يجندون الأقلام والشعر والصحف والمجلات والقنوات في نشر مذاهبهم، وقلّب طرفك في داعية داعية التغريب الأولى في العالم الإسلامي (مجموعة MBC) وبعض الصحف اليومية كـ: (الوطن) و(عكاظ) وأخواتها!

– كيف يربطون المرأة بكل جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية كي يستوجب سفورها، وتأمل مطالباتهم باعتلائها المناصب الكبرى، ومشاركتها في المحافل الدولية السياسية.

– وكيف يستأجرون (حثالة النساء) و(زوجات بعض المسؤولين!) لتقوم بالعمليات الانتحارية اللاخلاقية لتكون هي أول ضحية، وأقبح طُعم! ويزيدون في إعلاميتها وتلميعها ولو كانت جاهلة بليدة كهدى شعراوي! وقارن هذا اليوم بصنيعهم مع (منال الشريف) و(لجين الهذلول)!

فها هي -أخي المسلم، وأختي المسلمة- عدتهم وخُطتهم! وها هم قادتهم وأئمتهم! فأرض المعركة أمامنا مكشوفة، وجموع قوتهم من بين قوات الموحدين مكتوفة، ولكن ما النتيجة إن اعترانا حال رباطنا السِنةُ والنومُ! فباغتنا في حال غفلتنا القوم، عندما وضعنا العدّة والسلاح ، والله تعالى شأنه يقول في الحروب العسكرية للمؤمنين : {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} (النساء: 102) .

فدونكم السلاح، أعني سلاح العلم والكفاح، وتفطنوا للمتاع، و (خير متاع الدنيا المرأة الصالحة)، فلا يميل دعاة السفور والتبرج على أسلحتكم وعلى متاعكم! ميلة واحدة! وتفطن لكونها: (واحدة!) فهم كما قال الأمير نايف بن عبدالعزيز –رحمه الله- لا يريدون حرية المرأة! وإنما يريدون (حرية الوصول إلى المرأة) عندما يتسع الخرق على الراقع، ويتعذر إرجاع الجلابيب والبراقع، فالله الله بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، والله أسأل أن يصلح شأن عباده، وأن يردهم إلى الحق رداً جميلا، وأن يقينا شرور أنفسنا، ولا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين إلى تحكيم شريعتك، والقيام بأمرك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب

بدر بن علي بن طامي العتيبي

الطائف

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *