الزردة رأس كل شر … فاجتنبوها أيها المسلمون

الزَّردَة رَأس كُلِّ شرٍّ … فاجتنِبوها أيُّها الــمُسلِمُون!!

بَيَانٌ مِنَ الشَّيخ بلقَاسِم بن ارْوَاق

تلميذ الإمَام ابن باديس رحمه الله

 

 

يذكُر القرَّاء الكِرام ما كان مِن الزَّرْدَات الَّتي أُقِيمت في ظَرف هذه السَّنة، ونَشاط الطُّرقيِّين في إحياء ما انْدَثَرَ وانقَبر مِن البِدع المحرَّمة، بفَضل دُعاة الإصلاح، وحُماة الدِّين الحنيف.

وهم على عِلمٍ أيضًا مِن مُوقِد شرارَتها الأولى، وهو الدُّكتور “ابن جلُّول”، ذلك الرَّجل الَّذي وقَف للإسلام وتعالِيمه القيِّمة وقفةَ الجبَّار العنِيد، فجعَل “زَردَتَه” بقسنطِينة، وفي نفسِ مَقبَرتها.

ويذكرُ القَاري -أيضًا- تفاصيل ذلك الحادِث الَّذي أُريد به طَعن الإسلام في الصَّميم، والَّذي أسألَ أودِيةٌ من الحِبر على صَفحاتِ الجرائِد المحلِّيَّة وغيرها، وهو الَّذي حرَّك الأقلامَ وحفَّز الهِمَم، ونشَّط الدَّاعين إلى الله على بصِيرةٍ، كما نشَّط الهادِمين المقوِّضين للإسلام والــمُحاربين لأهلِه، فكتَب الكاتِبون دفاعًا عن الإِسلام وصَونًا لبَيضتِه، وحارَب المحارِبون تثبيتًا للضَّلالة، وتمكينًا لها في قُلوب البُسَطاء ممَّن يتَّبعون كلَّ ناعِقٍ.

وقد انتَشرت شرارَةُ “ابن جلُّول” من قَسنطِينة إلى عِدَّة نَواحٍ من القُطر، فأقيمَت الزَّردَاتُ، ونُحِرت النَّحائر، وسِيقت الهدَايا وسَوْقُها لغيَر مكَّة حرامٌ، وخطَب الخاطِبون مشجِّعين للباطِل، وناقدِين للحقِّ، فكانت الصَّرخةُ الأولى مِن قسنطينَة، حيثُ وزَّع مكتَب رئاسة “جمعيَّة العُلماء المسلِمين” منشورًا على الأمَّة، بيَّن فيه حُرمة هذه الذَّبائح، وعلَّل الحُرمة بكَونها مــمَّا أهلَّ به لغيَر الله.

ثمَّ هبَّ دعاةُ العِلم، وحمَلةُ الأقلام فكتَبوا حول هذا المعتقَد السَّيِّء، الَّذي سَرى في المسلِمين أهلِ القُرآن والتَّوحيد، فلم يقنَع القُبوريُّون، فكتَب الأستاذ الشَّيخ مُبارَك الــمِيلي نُشريَّاته المفيدَة بجريدَتِنا “البصائر” الغرَّاء، تحت عنوان: “الشِّرك ومظاهِرُه”، بيَّن فيها بالحُجَج القاطِعة، والبَراهِين السَّاطعة بُطلانَ ما يعتَقِد بعضُ المسلِمين اليَوم، وقد استَحالت هذه النُّشريَّات إلى رِسالة كما يعلَم القرَّاء الكِرام، وهي الآن ماثِلَةٌ للطَّبع، وعن قريب تبرزُ، وفيها ما نُشر وزيادَة.

ولقد ظننَّا أنَّ الأستاذَ كفانَا شرَّ القَوم، وقُلنا سيعرِفُون الحقَّ ويتَّبعونه، وذاك ظنُّنا بكلِّ مسلمٍ يدِين بالكِتاب العَزيز، وهَدي السَّلف الصَّالح، لأنَّ المسلِم مهما بلَغ من الشَّرِّ، فهو توَّاقٌ إلى الحقِّ، متشوِّفٌ إلى الحقيقَة، وكنَّا نظنُّ بأخِينا المسلِم أنَّه سيطرَح التّعصُّب الممقُوت عندَما يرى الحقَّ واضحًا، لأنَّ الحقَّ سيْفٌ يُذِيب الأَوهام، ويُذهِب الأحقَاد والأباطِيل، والمسلِمُ مهما كانَ فهُو طالِبُ حقٍّ، يلتمِسهُ حيثُما وجَده، بيدَ أنَّ ظنَّنَا قد خابَ، وثقَتَنا بالقَوم ضعُفَت، إن لَم أقُل تلاشَت بتاتًا عندَما رأينا مؤتَمرهم ينعِقد بعاصِمة الجَزائر، وقد حَمل إلينا البريدُ ذلك الخِطاب الَّذي فاهَ به رئيسُ القَوم، وشَيخُ زاويِتهم، فهزَّت تلكَ النَّغمات البذِيئة قلبَ كلِّ مبتدعٍ، فراحَ فَرِحًا مستبشِرًا، ونادَى في أهلِه وعشِيرته أن قدِ انتَصرنا على جمعيَّة الوهَّابيِّين كما يسميِّها ظُلْمًا وعدوانًا، ثمَّ جمع الوَعداتِ والهدَايا، والنُّذور، ونادى في النَّاس أنِ اجتَمِعوا غدًا في ضَريح سيدي … ، وقد أجابَ قومٌ، وأبى آخَرون.

ولا تنسَ -أيُّها القَاري؟- أنَّ اليَد الَّتي بعثَت زردَة قسنطينة هي الَّتي بعَثت هذه، وقد تخلَّف القائِلون بحُرمة الزَّردة، وحُجَّتهم في ذلك منشورُ الجمعيَّة وكلامُ الأستاذ الميلي، فأغضَب ذلك القُبوريِّين وحاكمُوهم إليَّ وكنت معلِّمًا ببرباشة، فأفتَيتُ بحُرمة الزَّردة، وحُرمة الأَكل مِن ذبِيحتِها، ومُستنَدي في ذلك منشورُ الجمعيَّة الَّتي أنا أحدُ أعضائِها العامِلين، وثِقتي بهَيئَتها الإداريَّة عظيمةٌ جدًّا، ولم يكنُ مستنَدي في ذلك منشورَ الجمعيَّة فحَسب، بل شفعتُ ذلك بحُجَجٍ قاطِعةٍ من كتاب الله وسنَّة رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم وأقوال الأيـمَّة الموثوق بعِلمهم، فأبي عليَّ القومُ وأنكَروا ثمَّ بَغَوْا فنسبوني وكلُّ مُحرَّمٍ لبدعتِهم إلى الكُفر.

أفتَى بذلك أزهريُّهم حسبَ ما بلغَني، وفي أوَّل أمسِ دَعاني إلى المناظَرة، وسأجِيب، ولئن كان حضرَتُه من أنصار الطُّرق، فأنا مِن أنصَار الله، وإن كان أزهريًّا فأنا مُسلِمٌ، ولا يُضِيرني بعدُ إن لم أكُن أزهريًّا كمثله …

وبعد : فإليكَ -أيُّها الأزهَري؟- مستنَدنا في حُرمة “الزَّردة”، وحُرمة أكلِها، لأنَّها ممَّا أُهِلَّ به لغَير الله، فإن قنِعت فقَد كُفِينا شرَّ الفِتنة، وإن أبَيت فإنِّي مُحاجُّك أمامَ الله والملائكةِ والنَّاس أجمعين، ومُطالِبُك ببيَان مستنَدِك في حلِّيَّة هذه الذَّبائح، وطريقتُنا في البَيان كتابُ الله، وسنَّة رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم، وكلامُ الأيـمةَّ الموثُوق بعِلمهم، ولا نقبَل غيرَ هذه الأصول الثَّلاثة.

“الزَّردة” ليسَت من الدِّين كما يُتوهَّم، ولا كانَت في يومٍ ما من البرِّ و الإحسان إلى الفُقراء ، كما يدَّعي ذلك مُثبِتوها، وهي بدعةٌ وضلالةٌ، لأنَّها لم تكُن في زَمن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا زَمن الخُلفاء الرَّاشِدين وهُم أحرصَ النَّاس على الخير، ولو كانَت “الزَّردة” مِن عَمل البرِّ لفَعلَها سَلفُ الأمَّة، وهُم حُماة الشَّريعة ودُعاة الخَير، ولا يتصوَّر أبدًا عُزوب شيءٍ من الدِّين عن رجالٍ تلقَّوا أصولَه عن المبلَّغ الأعظَم صلَّى الله عليه وسلَّم، وهُم حُماته الحقيقيُّون، الَّذين بذَلوا دِماءَهم، وأنفُسَهم في سبيل حمايتِه وإعزازِه حتَّى أَوصَلُوه إلينا طاهرًا نقيًّا، لم يُصب بأذًى، ومعلومٌ أنَّ من أحبَّ شيئًا فَداهُ بنفسِه، وهم رِضوانُ الله علَيهم فدَوهُ بكلِّ غالٍ وعزيزٍ، وبقَدر حبِّهم له كانَ حِرصُهم على حفظِه وإيصالِه إلى البَشر كما أخَذوه عن صاحب الشَّريعة صلَّى الله عليه وسلَّم، ولو كان ثمَّة شيءٌ من البرِّ لفَعلُوه، ولكانُوا أشدَّ النَّاس تمسُّكًا به، وحيثُ لم تكُن هذه “الأُكلَّة الشَّعبيَّة” كما اصطَلحوا على تسمِيتِها في زمنِهم فهي قطعًا بدعةٌ وضلالةٌ.

ولو أنصَف خصومُنا لحكَموا بضلالَتِها ولقَالوا : بدعةٌ ضالَّةٌ يجِب التَّخلُّص منها، ولكن ما الحِيلة وقد أبَوْا علَينا إلاَّ أن تكونَ مِن الدِّين؟ وأرغَمُونا على التَّعليل والتَّدليل، وهُم بعدَ هذا وذاكَ ليسُوا بمؤمِنين بالحقِّ، ولا بمصدِّقين للعِلم، ولو رأَينا لإخوانِنا هؤُلاء وجهًا من العِلم  ولو مَرجُوحًا لحَملناهم عليه، ولاَلْتَمَسْنَا لإخوانِنا من الدِّين المعاذِيرَ، بَيْدَ أنَّ القضيَّة لم تكُن في شيءٍ من ذلك، وهي عِلاوةً على بدعيَّتها قد جمَعت صنوفًا من الشَّرِّ والآثام، والمعتقَدات الشِّركيَّة الصَّريحة الَّتي لا تقبَل التَّأويل، ما بعثَ الجاهليَّة من الجديد!

وممَّا يبعث الأسَى في النَّفس اعِتقادُ هذه الأباطيل من الدِّين، وإبرازُها في صورةٍ دينيَّةٍ محضَةٍ ، قلبًا للحقائِق، وتشويهًا للإسلام أمامَ الأجانِب في عصر المدنيَّة والنُّور.

ولو كانَ حُماة “الزَّردة” وأبطالُها من عامَّة النَّاس لهَانَ الخَطبُ وقُلنا : قومٌ جاهلُون يجب إفهامُهم، بيدَ أنَّ الأمر جَلَلٌ، فإنَّ مِن بين هؤُلاء، الحُماةِ قومًا عُلماءَ ليسُوا بالأغبِياء، ولا ممَّن تعزُب عنهم الحقائِق، وهمُ الَّذين أقرُّوا البِدعة، وسعَوا لتَثبيتِها، ولولاَ هذا الرَّهط لانْهَار صرحُ هذه المعتَقدات واندَرسَت آثارُها، غير أنَّ للبَاطل صَولةٌ، وللحقِّ بعدَ ذلك الاستِقرارُ والدَّولة.

لقد كُنْتُ طرقيًّا في جملةِ أُسرَتي الَّتي ورِثَت ذلك خَلَفًا عن سلفٍ، وكنتُ في كلِّ أطوارِي باحثًا عن الحقيقَة، ومتشوِّقًا إليها حتَّى إذا عرَفتُها تمسَّكتُ بأَذيالِها عاضًّا عليها بالنَّواجذ، وقد عافَاني اللهُ منها، فرَفضتُها وأنا طِفلٌ لم أبلُغ بعدُ الخامِسةَ عشر مِن العُمر، فما نَدِمتُ يومًا ما علَى ذلك الرَّفض وما ينبَغي لي ذلك، وما استَحيَيتُ مِن خُضوعي للحقِّ وانتِهاجي منهجَه، فهلاَّ رجلٌ رشِيدٌ يعترِف للحقِّ ويسلُك سبُله؟

ثمَّ إنِّي أكتبُ للأمَّة، لا لهَؤلاء الرُّؤساء الَّذين قتَلهُم التَّعصُّب الأعمَى، وحبُّ التَّفوُّق والأنانيَّة، مع اعتِقادي أنَّ للحقِّ أنصارًا، ولئِن حاجَّنا أُولئَك الرُّؤساء بغَير الحقِّ، ووَقَفوا لنا كلَّ مَرصدٍ يصدُّون ويُوعِدون، فليسُوا بظاهِرين، وحسبُهم من الشَّرِّ أنَّهم جُند البَاطل، ومُحاربوا الإِسلام.

وبعدُ: فأَرْعِني سمعَك -أيُّها الأزهريُّ؟- لأُريك الحقَّ واضحًا، ثمَّ لْتَفعَل ما بدَا لك.

إنَّ “الزَّردةَ” بدعةٌ أحدَثها الـمُحدِثون كسائِر البدَع، وأنكرَها أهلُ العِلم قديمًا وحديثًا، كما تشهَد كتُبهم وفتاوِيهم بذلك، فهذَا الإمامُ الصَّنعاني صاحب “سُبل السَّلام” يقول في رسالتِه “تَطهِير الاعتِقاد” ما نصُّه : ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:56]، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:41] كما عُرف من عِلم البَيان أنَّ تقدِيم ما حقُّه التَّأخِير يُفيد الحَصر، أي اعبُدوا اللهَ ولاَ تَعبُدوا غيرَه، واتَّقوا اللهَ ولاَ تتَّقوا غيرَه، كما في “الكشَّاف”، فإفرادُ الله بتَوحيد العِبادة ، لا يتمُّ إلاَّ بأن يكونَ الدُّعاء كلُّه لله، والنِّداء في الشَّدائد والرَّخاء لا يكونُ إلاَّ لله وحدَه، والاستِعانة بالله وحدَه، واللَّجأ إلى الله، والنَّذر والنَّحر لله تعالى، وجميعُ العِبادات من الخُضوع والقِيام تذلُّلاً لله تعالى”، إلى أن قال : “ومَن فعل ذلِك لمخلُوقٍ حيٍّ أو ميِّت، أو جَمادٍ أو غيرِه، فهذا شركٌ في العِبادة، وصارَ مَن تُفعَل له هذِه الأُمور إلهًا لعابِديه، سواءً كان ملَكًا، أو نبيًّا، أو وليًّا، أو شجرًا، أو قبرًا، أو جِنِّيًّا، أو حيًّا، أو ميِّتًا، وصارَ بهذِه العبادَة أو بأيِّ نوعٍ منها عابدًا لذلِك المخلُوق، وإن أقرَّ بالله وعبَدَهُ، فإنَّ إقرار المشرِكين بالله وتقرُّبهم إليه لم يُخرِجهم عن الشِّرك، ثمَّ ساقَ حدِيث : “أنَا أَغْنَـى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ“، لا يقبَل اللهُ عملاً شُورِك فيه غيرُه، ولا يُؤمِن به مَن عبَد معه غيرَه …الخ”

ثمَّ قال في الصَّفحة الَّتي تليها : “إنَّ مَن اعتقَد في شَجَرٍ، أو حجَرٍ، أو قبرٍ، أو ملَكٍ، أو جنِّـيٍّ، أو حيٍّ، أو ميِّتٍ أنَّه ينفَع أو يضرُّ، أو أنَّه يقرِّب إلى الله، أو يشفَع في حاجَةٍ مِن حوائِج الدُّنيا بمجرَّد التَّشفُع به، فإنَّه أشرَك مع الله غيرَه، واعتقَد ما لا يحلُّ اعتِقادُه، كما اعتقَد المشرِكُون في الأوثَان، فضلاً عمَّن ينذُر بمالِه وولَدِهِ لميِّتٍ، أو حيٍّ، أو يطلُب ما لا يطلَب إلاَّ مِن الله تعالى من الحاجَات، مِن عافيةِ مريضِة، أو قُدوم غائِبه”

إلى أن قال : “والنَّذر بالمالِ على الميِّت ونحوه ، والنَّحر على قَبره، والتَّوسُّل به، وطلَب الحاجَات منه هو بعَينِه الشِّرك الَّذي كانَت تفعَله الجاهليَّة، وإنَّما كان الجاهليَّة يفعلُونَه، كما يسمُّونه وثنًا وصنمًا، وفعلَه القبوريُّون لما يسمُّونه وليًّا أو قبرًا أو مشهدًا، والأسماءُ لا أثَر لها ، ولا تُغيِّر المعانِـي، ضرورة لغويَّة وعقليَّة وشرعيَّة، فإنَّ مَن شرِب الخَمر وسمَّاها ماءً ما شرِب إلاَّ خمرًا، وعِقابه عقابُ شارِب الخَمر، ولعلَّه يزيدُ عِقابُه للتَّدليس والكذِب في التَّسميَّة”

إلى أن قال :” وكذلِك تسميةُ القَبر مشهدًا، ومَن يعتقِدونَه وليًّا لا يُخرجه عن اسم الصَّنم والوَثن، إذ هم مُعامِلون لها معاملةَ المشرِكين للأَوثان والأصنَام، ثمَّ أنشد :

 

أعادُوا بها معنَى سُواعٍ ومثلِه /// يغوثَ ووُدًّا ليس ذلك مِن وُدًّا

وقد هتَفوا عند الشَّدائد باسمِها /// كما يهتِفُ المضطَرُّ بالصَّمد الفَردِ

وكم نحَروا في سُوحِها من نحِيرةٍ /// وأُهلَّت لغير الله جهرًا على عَمدٍ

وكم طائفٍ حولَ القُبور ومقبِّلاً /// ويستلِمُ الأركانَ منهُنَّ بالأيدِ

فإن قال: إنَّما نحَرتُ لله، وذكَر اسمَ الله عليه، فقل : إنْ كان النَّحر لله فلأيِّ شيءٍ قرَّبت ما تنحَرُه مِن باب مَشهدِ مَن تُفضِّله وتعتَقدُ فيه؟ هل أردتَ بذلِك تعظِيمَه؟ فإنْ قال : نعَم، فقُل : هذا النَّحر لغَير الله، بل أشركتَ معَ الله غيرَه، وإن لم تُرِد تعظيمَه، فهل أردتَ توسِيخَ بابِ المشهَد، وتنجيسَ الدَّاخلين إليه؟ فأنتَ تعلَم يقينًا أنَّك ما أردتَ ذلك أصلاً، ولا أردتَ إلاَّ الأوَّل، ولا خَرجت مِن بيتِك إلاَّ لقَصدِه”

ثمَّ قال : “وقَد يقُول هؤُلاء القبوريُّون : نحنُ لا نُشرِك بالله تعَالى، ولا نجعَل له نِدًّا، والالتِجاءُ إلى الأولياء والاعتِقاد فيهم ليسَ شركًا.

قلتُ : نعم ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:167]، غير أنَّ هذا منهُم جَهلٌ بمعنى الشِّرك، فإنَّ تعظيمَهم الأولياء، ونحرَهم النَّحائر لهم شِركٌ، والله تعالى يقول : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:2] أي لا لغَيره، كما يُفيده تقدِيمُ الظَّرف، وقد سمَّى الله تعالى الرِّياء شِرْكًا فكيفَ بهذه الأفعَال؟

فهذا الَّذي يفعَلُونه لأوليائهم، هو عَين ما فعَله المشرِكُون، وصارُوا به مشرِكين، ولا ينفَعُهم قولُهم : نحنُ لا نُشرِك بالله شيئًا، لأنَّ فِعلَهم أكذَب قولَهم” انتهى ما نقَلناه من رسالة الإمام الصَّنعاني بالحرف

وليَعلم القُرَّاء الكِرام أنَّ هذا الإمامَ مِن أبناءِ القَرن الحادِي عشَر، وليَرضَ خُصومُنا، لأنَّهم لا يُؤمِنون بالقَديم، ولأنَّ هذا الإمامَ ليس مِن مُعاصِرينا، وقَد أنكَر بدعتَهم هذه وحرَّمها، ثمَّ جعَلها شركًا، وحكَم على صاحبِها بالشِّرك، ولم يكُن ذلك مِن الإمام عَن ظنٍّ، أو تخمِينٍ، بل عن بصِيرةٍ وتبصُّرٍ، فقد أقامَ الأدلَّة والشَّواهِد على كلِّ ذلك، مُستضِيئًا بنور الكِتاب والسُّنَّة، وهَدي سلَف الأمَّة، وبهذا وغيرِه، حكَمنا بحُرمة “الزَّردَة”، وحُرمة الأَكل من ذبِيحتِها.

وإلى القاري ما جاء في كتاب “نيل الأوطار” للإمام الشَّوكاني، قال في الجزء الثَّامن صفحة (115) عند الكلاَم عن حدِيث الإمامِ عليِّ بن أبي طَالب رضي الله عنه، ولفظُه : عن الإمامِ عليِّ ابن أبي طالب رضي الله عنه أنَّه سمِع النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول : “لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الأَرْضَ” رواه أحمَد ومسلم والنِّسائي: “المرادُ به أن يذبَح لغَير الله تعالى، كمَن ذبَح للصَّنم، أو للصَّليب، أو لموسَى، أو لعيسَى عليهما السَّلام، أو للكَعبة ونحوِ ذلك، فكلُّ هذا حَرامٌ، ولا تحلُّ هذِه الذَّبيحة، سواءٌ كان الذَّابح مسلمًا أو كافرًا، وإليه ذهب الشَّافعي وأصحابُه، فإنْ قصَد مع ذلك تعظيمَ الـمَذبُوح له غير الله تعالى، والعبادةَ له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذَّابح مسلمًا قبلَ ذلك صارَ بالذَّبح مُرْتَدًّا” انتهى كلام الإمام الشَّوكاني.

وأذكرُ أنَّ عُلماءَ بُخارَى تشدَّدوا حتَّى فيما ذُبح لضِيافة الأمير، فأفتَوا بعدَم أكلِه، وقالوا : إنَّه ممَّا أُهلَّ به لغَير الله، كما ذكَر ذلك الشَّيخ إبراهيم المرْوَزِي، وكأنَّهم راعَوا فيه معنَى الإِلزام خوفًا من إذايَة الأمير ، فأَلحقُوه بما أهلَّ به لغَير الله، غيرَ أنَّ ذلك قد ردَّه العُلماء، وأَلحقُوه بالعَقِيقة.

أمَّا سبَب وُرود هذا الحديث، كما جاء في كتاب “البَيان والتَّعريف” (12) من الجزء الثَّاني صفحة (162) من طريق مُسلِم عن عامِر بن واثِلة، قال : كنتُ عند عليِّ بن أبي طالِب ، فأتَاه رجلٌ فقال : ما كانَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُسِرُّ إليك؟ قال : فغضِب، وقال : ما كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يسرُّ إليَّ شيئًا يكتُمه النَّاسَ، غيرَ أنَّه حدَّثني بكلماتٍ أربَع، قال : فقال : ما هُنَّ يا أميرَ المؤمنين؟! قال : قال : “لَعَنَ اللهُ” فذكره .

وفي هذا إبِطالٌ لما يدَّعيه متصوِّفونَا مِنْ أنَّ مبتَدعاتِهم تتَّصل سِلسِلتُها بــ “صاحِب الخِرقة”  يعني عليِّ بن أبي طالِب رضي الله عنه، فردَّ هذا الحديثُ تُرَّهاتِهم فبَطل ما كانُوا يُؤفكون.

ثمَّ إنَّ النَّذر لغَير الله محرَّمٌ باتِّفاق أهلِ العلم، وهو الَّذي يعبِّر عنه الفُقهاء بنَذر المعصِية، وقد قالَ الإمامُ مالِك في “الموطَّأ” من الجزء الأوَّل صفحة (316)، عند قوله صلَّى الله عليه وسلَّم : “مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطيعَ الله َفَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلاَ يَعْصِهِ” أن ينذُر الرَّجل أنْ يمشي إلى الشَّام، أو إلى مِصر، أو إلى الرَّبذة، أو ما أشبَه ذلك ممَّا ليسَ بطاعَةٍ، إن كلَّم فلانًا، أو ما أشَبه ذلك، فليسَ عليه في شيءِ مِن ذلك شيءٌ إنْ هو كلَّمه، أو حنَث بما حلَف عليه، لأنَّه ليسَ لله في هذِه الأشياء طاعةٌ، وإنَّما يوفَّى لله بما له فيه طاعةٌ”

هذا حكمُ الإمام مالِكٍ في النُّذور الَّذي نزعمُ اتِّباعَه، وأين هذا ممَّا يفعَلُه أدعِياءُ اليَوم من سَوْقِهم النُّذور والهدَايا إلى الأضرِحة البَعيدة، وإِراقَة دَمِهَا بين القُبور، تزلُّفًا لأهلِها وتقرُّبًا لهم مِن دون الله، ثمَّ من بعدِ هذا كلِّه “أُكلَة شعبيَّة”، وعملُ برٍّ وخيرٍ رُغم الإِسلام، ورُغم تعالِيمه، اللَّهمَّ ؟ إنَّ هذا بهتانٌ كبيرٌ

ثمَّ أين – يا أخَا الأزهرَ؟ – جوابُ قَومك وقد نحَروا لنُزول المطَر تقرُّبًا إلى القَبر، وطلبًا من صاحِبه ما لا يجُوز طلبُه إلاَّ مِن الله؟ لقَد قامَت الحجَّة، وظهَرت المحجَّة، وأُفحم الخَصم، وإنَّك إن عانَدتَ لَعَلَى عُتُوٍّ كَبِيرٍ.

ثمَّ إذا كانَ النَّذر المكرَّر، والمعلَّق غيرَ مرخَّصٍ فيه مع أنَّه لله، فكيفَ به إذا كان لغَير الله؟

وقد كرِه الفُقهاء هذين النَّوعين من النَّذر، والنَّذر المكرَّر هو أن تخُصَّ يومًا بعَينه مثلاً بالعِبادة مِن دُون سائِر الأيَّام.

والمعلَّق أن تقُول : إنْ شفَى اللهُ مريضِي، أو ردَّ غائِبي، فعليَّ صدَقةُ كذا، ووجهُ الكَراهة أنَّه كالـمُجازَاة والـمُعاوَضة، لا القُربة المحضَة، والعباداتُ يجِب أن تكونَ خالصةُ لوَجه الله الكرَيم بدُون إشراكٍ، ولا مُجازاةٍ، ولا مُعاوَضَةٍ، طِبقًا لقوله تعالى : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:5]

وإذا كانَ فيها شيءٌ من هذا، فليسَت خالصةً لله، وقد قال الدَّردِير في “أقرب المسالك” عند الكلاَم على هذَين القِسمَين : “وظاهِره ولو كانَ المعلَّق عليه طاعةً، نحو : إن حجَجتُ فاللَّه عليَّ كذا، وهو ظاهِر التَّعليل، لأنَّه في قوَّة : إِن أقدَرني اللهُ على الحجِّ لأُجازِينَّه بكذا، ولا شكَّ في كراهَةِ ذلِك”

وقال الشَّوكاني في “فتح القدير” عند قوله تعالى : ﴿وَمَا أُهِلَ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾[البقرة:173] : “والإهلالُ : رَفع الصَّوت يقال : أهلَّ بكذا، أي رفَع صوتَه، والمرادُ هنا : ما ذُكِرَ عليه اسمُ  غيرِ الله، كاللاَّتِ والعُزَّى إذا كان الذَّابح وثنيًّا، والنَّارِ إذا كان الذَّابح مجوسيًّا، ولا خلافَ في تحريم هذَا وأمثالِه، ومثلُه ما يقَع من المعتقِدين للأمواتِ من الذَّبح على قُبورِهم، فإنَّه ممَّا أهلَّ به لغَير الله، ولا فَرق بينَه وبينَ الذَّبح للوَثن”

وقد حكَم الشَّوكاني – كما حكَم الصَّنعاني – بحُرمة هذه الذَّبائح، للعِلَّة المذكُورَة، ولا يُقال : إنَّا لا نذكُر عليها اسمَ غيرِ الله حتَّى تلحَق هذه بتِلك، لأنَّا نقول : قد قالَ صلَّى الله عليه وسلَّم : “إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى“، ونيَّة الذَّابِح كانَت للوليِّ، ولولاَ ذلك ما شدَّ الرَّحل إليه، ولو كان صادقًا لَذَبَحَها في بيتِه، وجعَلها صدقةً على من شاء ، أما وقد شدَّ الرَّحل، وأبى أن تُذبَح إلاَّ على القَبر، أو بابِ المشهد، فهي لغَير الله، ولا نعتَبر هنا إلاَّ النِّيَّة، لأنَّها أساسُ العَمل والقَول، إذا لم يكُن عن اعتِقادٍ لا ينفَع صاحِبَه، كما قال الإمام الصَّنعاني في رسالتِه ، وقد دلَّت القَرينة على فسادِ المعتقَد، على أنَّا لا نسلِّم بأنَّ الذَّابِح لم يذكُر اسمَ صاحِب القَبر على ذبيحَته، فقد شاهَدتُ بنفسي وأنا من أبناء الزَّوايا  كثيرًا من هَؤلاء يُهِلُّون بذبائحِهم لأصحَاب القُبور، وحتَّى للشَّجر والحجَر، وقد قال حجَّة الإسلام محمَّد رشيد رضا رحمه الله في كتاب “الوحي المحمَّدي” عند الكلاَم عن الفَرق بين الـمُعجِزة والكَرامة، وبعد أن أوضحَ الفَرق، قال : “جَهِل هذا الأصلَ الـمُحكَم من عقائِد الإسلاَم أدعِياءُ العِلم، مِن سدَنةِ القُبور المعبُودة وغيرِهم، فظنُّوا أنَّ المعجِزات والكرَامات أمورٌ كَسْبِيَّةٌ ، كالصِّناعاتِ العادِية، وأنَّ الأنبِياءَ والصَّالحين يفعَلونها باختِيارهم في حيَاتهم، وبعدَ مماتِهم متى شاءُوا، ويغرُون النَّاس بإِتيان قُبورِهم، ولو بشدِّ الرِّحال إليها لدُعائِهم والاستِغاثة بهم عندَ نزُول البَلاء، والشَّدائد، الَّتي يعجزُون عن دَفعِها بكَسبِهم وكَسب أمثالهِم من البَشر بالأسبابِ العادِيَّة، كالأطبَّاء مثلاً، وبالتَّقرُّب إليهِم بالنُّذور والقَرابين، كما كان المشرِكون يتقرَّبون إلى آلهتِهم من الأصنَام وغيرِها، وهم يأكُلونها سُحْتًا حرامًا”

وقال الإمام الصَّنعاني في “سبل السَّلام” في الجزء الرَّابع صفحة (151)- عند الكلاَم عن النَّذر المحرَّم، بعد أن تكلَّم عن حديث ابن عمر رضي الله عنه، ولفظُه : عن ابن عُمر رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه نهى عن النَّذر ، وقال : “إنَّهُ لاَ يَأْتِي بِخَيْرٍ، وإنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ” متَّفق عليه – : “هذا، وأمَّا النُّذور المعرُوفَة في هذِه الأزمِنة على القُبور والمشاهِد والأَموات فلا كلاَم في تحرِيمها، لأنَّ النَّاذِر يعتقِدُ في صاحِب القَبر أنَّه ينْفَع ويضرُّ، ويجلِبُ الخَير، ويدفَع الشَّرَّ، ويُعافِي الأليمَ، ويشفِي السَّقيم، وهذا هو الَّذي كانَ يفعَلهُ عُبَّاد الأوثَانِ بعَينِه، فيَحرُم كما يَحرُم النَّذر على الوَثَن، ويجب النَّهي عنه، وإبانةُ أنَّه من أعظَم المحرَّمات، وأنَّه الَّذي كان يفعَله عُبَّاد الأصنَام، ولكن طالَ الأمَدُ حتَّى صارَ المعرُوف منكرًا، والمنكرَ معروفًا، وصارَت تُنحَر في أبوابِ المشاهِد النَّحائرُ من الأنعاَم، وهذا هو الَّذي بعَينِه كان عليه عُبَّاد الأصنَام”، ثمَّ أشار إلى رسالتِه “تطهير الاعتِقاد” الَّتي نقَلنا منها ما به الحاجَة في هذا المقال والَّذي قبلَه.

لقَد أكثَرْنا من الأدلَّة النَّقليَّة، لأنَّ خصومَنا لا يؤمِنون إلاَّ بالـمَحسُوس، وفي ظنِّي أنَّ هذا يُرضِيهم ويردُّ عادِيَتهم، ثمَّ إنَّ فَتْوَتَنَا في حُرمة “زَردَة” سيدي “مُشرِك” الَّذي طابَق اسمُه معتقَد القوم  كان مصدرُها من مجموع هذه الأدلَّة الصِّريحة، وقُلنا بحُرمة الأَكل من ذبِيحتها، لأنَّها ممَّا أُهِلَّ به لغَير الله قيامًا بواجِب الحقِّ أَحبَّ القبوريُّون أم كَرِهُوا، بيدَ أنَّا لا نَحْكُم بكُفرِهم كما حكَموا بكُفرنا، بل نحنُ أعقلُ مِن أن نكونَ سُفهَاءُ نُرسِل الكلاَم على عَواهِنه، ولكن ندعُوهم بالَّتي هي أحسَن، فإن أجابُوا، فبِها ونِعمَت، وإن أبَوا فليَكفُّوا عنَّا شرَّهم، وليَربَعُوا على أنفُسهم، فإنَّا نستَحي بأنفُسنا عن ردِّ الحَجَرِ مِنْ حيث أتَى، ولم يكُن ذلك عن وَهَنٍ وخَوَرٍ، ولكن إساءَةٌ غفرَها الاقتِدار، فليَعلم هذا خصومُنا، وإن أبَوا فالعَرب بالبَاب.

بلقاسم بن ارواق” الكاتب العام للجنة الدِّعاية [1]

 

لتحمل نسخة مطوية من المقال

=================================================

[1]: “البصائر” العدد (64)، 11 صفر 1356هــ، 23 أبريل 1937م، (ص:4-5-6)، وانظر غير مأمور: ترجمة وافية تحت عنوان: “الشّيخ بلقاسم بن ارواق سيرته ومنهجه الإصلاحي” أعده: أبو محمّد سمير سمراد، ط-دار الفضيلة 1429هـ،2008م

 

 

 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *