أبو جهل الجفري والمكر الكُبّار من الشيشان … إلى السودان

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فمن عادةِ أهلِ الضَّلالِ -باختلاف نوع ضلالهم وحجمه-: المكرُ الكُبَّار، ومحادةُ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والصدُّ عن دينِ الله، والتواصي بينهم على ذلك، كما قال تعالى عن أسلافهم: (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا) الآيات [ص: 6 – 8]، فهم يتواصون على ثباتهم على منكرهم، وعلى محاربةِ دين الله تعالى والتشكيكِ فيه، وتزييفِ الحق، وتبديلِ الحقيقة، كما: (قَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر: 26]، وكذلك صنع فرعون هذه الأمة: أبو جهل، فما ترك شِعَباً ولا وَادِياً ولا حَيّاً من أحياءِ العَرَبِ إلا وَسبق أو لَحِق النبيَّ صلى الله عليه وسلم إليه، وحذّر منه، وافترى عليه، ويقول: «يا أيها الناس لا يغرّنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى» ويتبعه حيث ذهب ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يفرّ منه، وما يلتفت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إليه.

وهكذا هم أهلُ الضلال في كلِّ زمان ومكان، ولن يرضوا عن أهل السنة والحقِ حتى يتبعوا ملتهم، بل حتى يستأصلوا شأفتهم، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30] (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف: 8، 9].

وإن ممَّن يسيرُ على خُطَى أبي جهلٍ الأوّل وسَنَنِهِ في عَصرنا: أبو جهل الجِفْرِيِّ! وزاد مكره وشرّه في السنوات الأخيرة، منتهزاً: غَلبةَ الجَهلِ، وانتشارَ الأهواءِ، وكثرةَ الفرقة، وشدةَ الحملةِ العدوانية على السنة وأهلها، مُعتمداً على بعض الحُكومات، والركونِ إلى الدولِ الكافرةِ؛ كأمريكا وروسيا، كُلُّ ذلك للحملِ على أهل السنةِ والتوحيدِ، ومن ينبزهم هو وحزبه بـ: «الوهابية» ملصقاً بهم تهمة: الإرهاب والعدوان، والغلو في التكفير! بالكذب والافتراء، والزيف بلا امتراء، وقد سبق ذلك منه محادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بين فضائح الصريح، وقبائح التلميح، في مقاطع مرئية نُشرت عبر وسائل التواصل، فيه صريح الشرك بالله تعالى، والإحداث في دين الله، كما بينت بعضها في كتابي «إظهار العوار والرد على مكشوف الستار» [1] وبينتُ فيه حقيقة الجفري! كما بيّن سقيم حاله، ورد على أقواله؛ جموعٌ من أهل السنة والتوحيد ما بين مطبوعٍ ومسموعٍ، فَسلك أبو جهل الجفري سَنَن من كان قبله من المشركين، كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في مسائل الجاهلية في عادات أهل الكفر والإلحاد أنهم: «إذا غُلبوا بالحجة فزعوا إلى الشكوى إلى الملوك، كما قالوا: (أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) [الأعراف: 127]..» فاستعان بالحكومات تحت ظلال المؤتمرات لتمرير باطله، والتلبيس على الرعاة والرعية، وكان أولها وأشهرها «مؤتمر الشيشان» المشهور، وهو والله سحرٌ لم يخرج إلا من نفثاته، ومكيدة من قبيح مكيداته، كما بيّنت ذلك في مقالي: «مؤتمر الشيشان .. والمتاجرة بمسمى: أهل السنة والجماعة» [2].

فغادر تلك البلاد، واشتدت من بعد ذلك المؤتمر الوطأة على أهل السنة هناك! والله حسب المؤمنين ونعم الوكيل.

ثم ركض أبو جهل الجفري إلى مصر مشاركاً في «الندوة التثقيفية الرابعة والعشرين للقوات المسلحة» [3]، بحضور رئيس الدولة، وتكلَّم بما فيه المكر والتلبيس، ونفثات إبليس، وما غادرها إلا وظهرت علامات محاربة السنة والتوحيد في وقائع عدة.

وكذلك صنع في حضوره في المؤتمر الصوفي الدولي بمصر، والذي كان تحت عنوان: «التصوف منهج اصيل للإصلاح» [4] والذي حضره شيخ الأزهر، وبرعاية من وزارة الأوقاف المصرية، ومشيخة الطرق الصوفية، والرابطة العالمية لخريجي الأزهر، ومؤسسة طابة للدراسات الإسلامية بأبو ظبي.

وكذلك شدَّ رحالَ الضَّلال إلى السودانِ، وشارك في المؤتمر التفاكري! بالسودان والذي كان بعنوان: «أزمات العالم .. الأسباب والحلول»[5] وتكلَّم بالضَّلال المُبين، والمكرِ المَشين، وحارب التوحيد وتعليمه، وما وضع عصا الترحال في دويرةِ أهله إلا ويَصْدُر البيانُ بإلغاء مادة التوحيد في بعض مراحل التعليم في السودان!

فأبو جهل الجفري عظم شرُّهُ، وزادَ مكرُهُ، مُلبِّساً على السُّذّجِ والبُسطاء بابتسامته الباردة، وتمسْكُنِهِ الهَابط، وقد كشف مؤتمر السودان في تصريح بعض المشاركين عن لقاءاتٍ سريةٍ على مستوياتٍ عُليا في الدول الكافرة لدعم التصوف وتأييده [6].

ويضاف إلى ذلك ما يُرى في «الداخل!!» والخارج من تصحيحٍ للتصوف، وتأييدٍ له، ونَشْرٍ لبعض ضلالاته، ويكتنفه التشكيك من ثوابت التوحيد، وقواعد الملة، مع تسويق بعض القنوات الماكرة، التي تروج بين أبناء المسلمين كـ: «العربية» و«الجزيرة» و«مجموعة إم بي سي» و«وروتانا خليجية» و«إقرأ» وأخواتها!

فكلّ هذه الجموع إنما جاءوا واجتمعوا، وعقدوا المؤتمرات: (لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [الصف: 8]، وأقول لإخواني أهل التوحيد والسنة: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128] وأذكرهم بقول الله تعالى ووعده: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [آل عمران: 173 – 177] (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 139]، و (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) [القمر: 45] ولكن هذا لا يكون بالأماني والدعاوى، وإنما:

[1] بجهود الصادقين الذين ينفون عن دين الله تعالى: انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وتحريف الغالين، ويكون بالرجوع إلى العلم والعمل، وإحياء مجالس العلم، والنزول في ساحات الإعلام وبرامج التواصل الاجتماعي بسلاح العلم، ودرع الحكمة، ولامة التقوى، وإظهار الحق من أجواف الصدور، ودفائن السطور، ونشره بين الناس، بكل وسيلة كانت، ولو برسالةٍ قصيرة من الهاتف المحمول؛ يكشف الله بها شبهة، وينكأ بها عدواً، وتشفي صدور قومٍ مؤمنين.

[2] وتعود الجامعات -السعودية خاصة، والخليجية عامة- إلى نشر السنة، وفتح باب قبول الطلاب من كل العالم، وإعانتهم بالمال، وترغيبهم في الإقبال، وتعليمهم التوحيد والسنة، وأخص من جامعات الدنيا: الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وجامعة الإمام محمد بن سعود، فالقلب يحزن عندما يعرض حاضرهما على ماضيهما! والطاقات البشرية العلمية كيف كانت بالأمس، وكيف هي اليوم! وبماذا عاد الأوائل إلى بلدانهم من العلم والحكمة ونشر الخير، وبماذا عاد الكثير منهم اليوم –إلا من رحم الله- بما يُحزن ولا يسر من أسباب الفرقة والجهل، والله المستعان

[3] وانتهاز فرص قدوم الناس إلى الحرمين الشريفين، في مواسم الحج والعمرة والزيارة، وتكثيف الدروس العلمية في تقرير التوحيد والسنة على نهج السلف الصالح، في كافة مساجد «مكة المكرمة» و«المدينة النبوية»، ويُعد لذلك خيار أهل العلم والعقل، أهل الضبط والرباط، ومن يحسن التعليم والتأديب، وتقرير عقيدة أهل السنة والجماعة، بعيداً عن مواطن النزاع، ومورثات الشك، وأغاليط المسائل.

باختصار:

مكة قلب العالم الإسلامي، وإذا صلح القلب صلح الجسد كلُّه، فأصلحوا لنا مكة بالتوحيد والسنة، بالعلم والعقل والعدل، والحكمة واللين، وسوف يصلح العالم الإسلامي بإذن الله تعالى.

[4] عودة الكتاب العلمي إلى قوته السابقة، وتجديد نشر كتب التوحيد، ورسائل السنة، الكبير منها والصغير، وفتح الباب الخيري لها، وتوزيعها على عامة الناس وخاصتهم.

[5] مقارعة القوة بمثيلتها، فالمؤتمر يصارعه مؤتمر، والاجتماع يقرعه اجتماع مثله، وسوف يذهب الزبد جفاء، وما ينفع الناس يمكث في الأرض: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء: 18].

والحمل كبير على أهل العلم ومُلّاك الأموال، في دعم الدعوة السلفية السنية الوسطية الحقة بكل ما يستطيعون، ومقابلة إنعام الله تعالى بالشكر بالذب عن التوحيد والسنة، ونشرهما بين العالمين، والرباط في ذلك الميدان، والله يخلفهم بكل خير في دينهم ودنياهم، والعاقبة للمتقين.

[6] والفرار عن حالقة الدين، ومحققة الفشل: فساد ذات البين، ونزغات الشيطان، والفرقة والاختلاف، والاشتغال ببعض بالرد والتربص، والتعيير والتشهير، وما ينتج عن ذلك من ضعف الجهود، وضياع المجهود، ونفرة الناس، وتمكين أهل الضلال من قلوبهم وأوقاتهم وأموالهم، والحمل على كبار العلماء كبير بإصلاح ذات البين، وزجر المعتدين، وتأديب المشاكسين، وإرشاد الطلاب للأولى، وإبعادهم عن أسباب النزاع.

[7] التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، ودعم المرابطين المجاهدين باللسان والقلم، وتأييدهم، والشحذ من همتهم، والاستنصار بهم على الأعداء، وتذليل الصعاب لإعدادهم وتفرغهم لذلك، فكم أبادت ردود أهل السنة من شبه أهل الضلال، وكم بددت لهم من جمع، وكشفت فساد عقائد الفرق الضالة للناس، والأكمل والأنفع: أن تتبنى المؤسسات الدينية –فهي هي المعنية!- والجامعات الإسلامية، والجمعيات الرسمية: الرد على المخالفين عبر قنوات الإعلام، وسائل التواصل، والصحف اليومية، وكل ما استطاعوا من سبيل، فليس المناصب مكاسب إن لم ننصر دين الله تعالى بها، ونسخرها في الذب عن التوحيد والسنة.

هكذا ننصر دين الله تعالى، وتكون كلمة الله هي العليا، والدين كله لله، فإن لم نكن كذلك فإن الله سيذهب بنا في غياهب التاريخ ويأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، ينصرون الدين، ويرفعون منار الشريعة، ثم لا يكونوا أمثالنا!

فالله الله يا معاشر أهل السنة، دينكم … دينكم، فيه عزكم، وبه شرفكم، وهو الحق المبين، فإمّا حياة بعزة الدين، وشرف الانتساب إليه، والدفاع عنه، وإلا فباطن الأرض خيرٌ لنا من ظاهرها، والله المستعان.

اللهم انصر دينك، وصن شريعة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وقيّض لدين الله أنصاراً، واجعلنا بفضلك وكرمك من أنصار دينك، واستعملنا في طاعتك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، بك نحول، وبك نصول، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك، يا مالك يوم الدين، إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه

بدر بن علي بن طامي العتيبي

يوم الاثنين ثالث أيام التشريق عام 1438هـ

الطائف

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *