التحذير من منازعة الأمر أهله ووجوب الوفاء بالبيعة للشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد:

فقد جاءت الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بالأمر بطاعة ولاة الأمر والسمع والطاعة لهم بالمعروف، ولزومِ جماعة المسلمين وإمامهم، والتحذير من الخروج عن الجماعة ومنابذة ولي الأمر وخلع البيعة، وهذا أصل أصيل عند أهل السنة تداولوه في عقائدهم، وفارقوا فيه الخوارج والمعتزلة ومن نحا نحوهم.

وللأسف الشديد أن ترى من يُحسّن الخروج على ولي أمر دولة قطر -حرسها الله-، ويدعو لخلعه و نصب غيره في محله تصريحًا أو تلميحًا، وهذا من الزيغ والضلال نسأل الله السلامة والعافية، ولذا يجب الحذر من مثل هذه الدعوات والتحذير منها ومن دعاتها، ويجب عليهم التوبة إلى الله وترك هذه المراتع الوخيمة.

والمشاهد أن هذه الدعوات صادرة من خارج البلد، وعامة أهل قطر -ولله الحمد- ملازمون للجماعة وولي أمرهم.

ولكن لابد من التأكيد على هذا الأمر وبيانه، حتى يثبت في القلوب، ولا ينخدع أحدٌ به.

وعليه: رغبتُ أن أذكّر -والذكرى تنفع المؤمنين- بكلماتٍ توضح زيف مثل هذه الدعاوى وخطر الانسياق وراءها. والله المستعان.

فأقول -ومن الله أستمد العون-:

أولًا: أمر الله جل وعلا عباده المؤمنين بالجماعة والائتلاف وحذرهم من الفرقة والاختلاف، وجاءت الأدلة من الكتاب والسنة دالة على هذا الأصل، ومما يندرج في هذا الأصل لزوم الجماعة التي اجتمعت على تأمير حاكم عليهم.

قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا﴾. قال ابن كثير رحمه الله: «أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف». انتهى وذكر ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه فسر ﴿حبل الله﴾ بالجماعة.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي ﷺ: (مَن خرج من الطاعة وفارق الجماعة، فمات مات مِيتة جاهلية).

والمراد من خرج من طاعة الإمام، وفارق جماعة المسلمين المجتمعين على إمام واحد، و”المِيتة الجاهلية” -بكسر الميم- أي: أنّ حاله في الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال، إذ ليس له إمام مطاع لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك.

ويتأكد لزوم جماعة المسلمين وإمامهم في زمن الفتن، ففي الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام -لمّا سأله حذيفة رضي الله عنه عن الفتن وما يصنع إن أدركها؟-: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم).

قال الطبري: «المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة». اهـ

فاحرصوا عباد الله على لزوم الجماعة، “فالجماعة رحمة، والفرقة عذاب”.

ثانيًا: يجب الوفاء ببيعة ولي الأمر المسلم، وخلعها من كبائر الذنوب.

قال عليه الصلاة والسلام: (من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع). رواه مسلم.

قال الإمام البربهاري رحمه الله: «لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن ليس عليه إمام برا كان أو فاجرا… هكذا قال أحمد ابن حنبل». اهـ

ولنذكر طرفًا من النصوص في تقرير ما ذكرتُه:

جاء في صحيح مسلم أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- جاء إلى عبدالله بن مطيع، حين كان من أمر الحرَّة ما كان زمن يزيد بن معاوية.
فقال ابن مطيع: اطرحوا لأبي عبدالرحمن وسادةً.
فقال: إني لم آتِك لأجلسَ، أتيتُك لأحدثك حديثا سمعتُ رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم يقوله سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (من خلع يدًا من طاعةٍ، لقيَ الله يومَ القيامة، لا حُجَّةَ له، ومن مات وليس في عُنُقِه بَيعة، مات مِيتةً جاهلية).

تأمل -وفقك الله- إنكار الصحابي الجليل عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- على عبدالله بن مطيع ومَن معه خلع يزيد بن معاوية، وحدّث في ذلك بما سمعه من النبي -عليه الصلاة والسلام- من الوعيد، قال القرطبي في “المفهم”: «وتحديث ابن عمر ابن مطيع بالحديث الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ليبين له أنه لم ينكث بيعة يزيد، ولم يخلعها من عنقه مخافةَ هذا الوعيد الذي تضمنه هذا الحديث، والله تعالى أعلم». اه‍

بل جاء في البخاري عن نافع قال: لمّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال: «إني سمعت النبي ﷺ يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة). وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه، ولا بايع في هذا الأمر، إلا كانت الفيصل بيني وبينه».

فانظر كيف عدّ الخالع للسلطان من أهل الغدر، ثم جعلها من المسائل التي لا مثنوية فيها؛ بل إما اتباع الحق أو المفاصلة، وبذلك يتبين لك عظيم أثرها ومنزلتها.

وقال النبي ﷺ: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه؛ فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، إلا مات ميتة جاهلية).

قال ابن أبي جمرة: «المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنّى عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق». اهـ

وروى أحمد في مسنده بإسناد لا بأس به عن ربعي بن حراش، قال: انطلقت إلى حذيفة بالمدائن ليالي سار الناس إلى عثمان، فقال: يا ربعي، ما فعل قومك؟
قال: قلت: عن أي بالهم تسأل؟
قال: مَن خرج منهم إلى هذا الرجل (أي: إلى عثمان رضي الله عنه)؟ فسميت رجالًا فيمن خرج إليه.
فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من فارق الجماعة، واستذل الإمارة، لقي الله ولا وجه له عنده).

ونحن -ولله الحمد- في دولة قطر مجتمعون على ولي أمر واحد هو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وفقه الله، بايعه أهل الحل والعقد، فكانت ولايته ثابتة لازمة لجميع من تحت سلطته من رعيّة، وهي بيعة شرعية لا يجوز الطعن فيها، ولا تبديلها والسعي لحلّ عقدها، فهو ولي أمر مسلم، حقّه السمع والطاعة.

وليُعلم أنه لا يشترط في صحة البيعة مبايعةُ الناس كلهم، بل متى بايع أهل الحل والعقد، ثبتت البيعة ووجبت حقوقها.

قال النووي رحمه الله: «أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس». اه‍

ومن نازع ولي الأمر وأراد خلعه وجبَ دفعه وردّه، وإن لم يندفع إلا بقتله، قال رسول الله ﷺ: (إنه ستكون هنات وهنات (أي: فتن وشرور)، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان).

قال النووي: «فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك، ويُنهى عن ذلك، فإن لم ينته قوتل، وإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل كان هدرًا». اهـ

ثالثًا: من حقوق ولاة الأمر السمع والطاعة لهم بالمعروف، وعدم التأليب والخروج عليهم.

أهل السنة والجماعة يقولون: يجب السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين البَرّ منهم والفاجر ما لم يأمروا بمعصية الله؛ فإن أمروا بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعة، وهذا أمر تواترت فيه النصوص، وأجمع عليه أهل السنة، و تواردوا على ذكره في عقائدهم، وتضليل من خالفهم فيه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «… كان من العلم والعدل المأمور به الصبر على ظلم الأئمة وجورهم؛ كما هو من أصول أهل السنة والجماعة؛ وكما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المشهورة عنه». اه‍

قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾.

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة).

وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان.

فلم يأذن عليه الصلاة والسلام في المنازعة إلا مع وجود الكفر الظاهر البين الذي لا خلاف فيه، فـ(شرعية الحاكم) لا تسقط إلا بوقوعه في الكفر الأكبر البين، لا بالدعاوى الفارغة والأهواء الضالة.

وروى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (ألا من ولي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة).

وهذا الحديث يبين لك أنّ وقوع المعصية من الحاكم، لا يجوّز خلعه والخروج عليه، بل تُكره معصيته، ويبقى حقه في السمع والطاعة فيما سواها، وينصح لتكميل النقص والخطأ بالطرق الشرعية.

والأحاديث في هذا الباب كثيرة متنوعة.

قال الإمام الأثرم رحمه الله:
«تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فكثُرت عنه، وعن الصحابة والأئمة بعدهم رضي الله عنهم يأمرون بالكفّ، ويكرهون الخروج، وينسبون من خالفهم في ذلك إلى فراق الجماعة ومذهب الحرورية وترك السنة». اه‍

وقال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: «إن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبداً حبشيًّا. فبين الله له هذا بياناً شائعاً كافياً بوجوه من أنواع البيان شرعاً وقدراً، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم فكيف العمل به؟!». اه‍

وللإمام ابن تيمية رحمه الله كلام نفيس يَحسُن نقله هاهنا، قال رحمه الله:

«وفي صحيح مسلم عن أم سلمة -رضي الله عنها- أن رسول الله ﷺ قال: (سيكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلوا).
فقد نهى رسول الله ﷺ عن قتالهم مع إخباره أنهم يأتون أمورا منكرة، فدل على أنه لا يجوز الإنكار عليهم بالسيف كما يراه من يقاتل ولاة الأمر من الخوارج والزيدية والمعتزلة وطائفة من الفقهاء وغيرهم. وفي الصحيحين عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال لنا رسول الله ﷺ: (إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها”. قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: “تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم). فقد أخبر النبي ﷺ أن الأمراء يظلمون ويفعلون أمورا منكرة، ومع هذا فأمرنا أن نؤتيهم الحق الذي لهم، ونسأل الله الحق الذي لنا، ولم يأذن في أخذ الحق بالقتال ولم يرخص في ترك الحق الذي لهم. وفي الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي ﷺ قال: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية”. وفي لفظ: “فإنه من خرج من السلطان شبرا فمات مات ميتة جاهلية). واللفظ للبخاري. وقد تقدم قوله ﷺ لمّا ذكر أنهم لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته قال حذيفة: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: (تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع). فهذا أمر بالطاعة مع ظلم الأمير. وتقدم قوله ﷺ: (من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا عن طاعة) وهذا نهي عن الخروج عن السلطان وإن عصى. وتقدم حديث عبادة: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان) وفي رواية: (وأن نقول -أو نقوم- بالحق حيث ما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم). فهذا أمر بالطاعة مع استئثار ولي الأمر، وذلك ظلم منه، ونهي عن منازعة الأمر أهله، وذلك نهي عن الخروج عليه؛ لأن أهله هم أولو الأمر الذين أمر بطاعتهم، وهم الذين لهم سلطان يأمرون به، وليس المراد من يستحق أن يولى ولا سلطان له، ولا المتولي العادل، لأنه قد ذكر أنهم يستأثرون، فدل على أنه نهي عن منازعة ولي الأمر وإن كان مستأثرا، وهذا باب واسع». انتهى كلامه

وتأمل ما حصل على الأمة من الشرور والفتن من جراء مخالفة الشرع، ومنازعة الحكام والخروج عليهم، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله ﷺ في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: (لا، ما أقاموا الصلاة)، وقال: (ومن رأى من أميره ما يكرهه، فليصبر ولا ينزعن يدًا من طاعة) ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكره، فطلب إزالته فتولَّد منه ما هو أكبر منه».

ولا أريد الإطالة في ذكر النصوص وكلام الأئمة في هذه المسألة، والمصنفات والكتابات في هذا الباب كثيرة متوافرة، وإنما غرضي الإشارة والتنبيه. والحمد لله رب العالمين.

رابعًا: لتعلم -أيها الموفق- أن مسألة السمع والطاعة لولي الأمر المسلم من جنس العبادات التي يتدين بها لله، فليست هي في مقابل مالٍ أو جاهٍ أو غير ذلك مما يُعطاه الإنسان، نعم لولي الأمر واجبات تجاه من تحت يده من الرعية وهو مسؤول أمام الله عن أدائها والقيام بها، وكذلك الرعية عليهم واجبات لولي أمرهم يؤدونها ويسألهم الله عنها؛ ولو منع ولي الأمر حقهم فليس لهم منع حقه، والخروج عليه.

قال النبي ﷺ قال: (ستكون أثرة وأمور تنكرونها). قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: (تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم، فما له في الآخرة من خلاق. وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-عن النبي ﷺ قال: (ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجلٌ بايع رجلًا بسلعةٍ بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقَّه وهو غير ذلك، ورجلٌ بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يفِ). اه‍

فالحذر الحذر من الدخول في هذا الوعيد الشديد.

ولتعلم -سددك الله- أن هذا التقرير المزبور في هذه الورقات ليس مقصورًا على أهل قطر، بل يشمل كل بلد ولي أمرها مسلم، ولا يجوز لمسلٍم أن يدعو لخروج أو يحرض عليه في بلدٍ آخر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (فمن أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة فلتأته منيته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه”، وقال ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

وأذكر إخواني شكرَ نعمة الأمن، بالعمل بطاعة الله، وجمع كلمة وقلوب أهل البلد على ولي أمرهم، والدعاء والنصح له.

ختامًا: قال ﷺ: (ثلاث لا يغل عليهم قلب المؤمن: إخلاص العمل، والنصيحة لولي الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تكون من ورائه).

فبهذه الخصال الثلاث تصفو القلوب وتطهر من الغل والحقد والضغينة، وبها يقوم دين الناس ودنياهم، قال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: «لم يقع خلل في دين الناس ودنياهم إلا بسبب الإخلال بهذه الثلاث أو بعضها. فالزموا توحيد الله والإخلاص له، وجماعة المسلمين، والنصيحة لمن ولاه أمركم يطب لكم عيشكم».

وليحذر المسلم في مثل هذه الأزمات من الزيغ واتباع الهوى، وليسأل ربَّه الثبات على دينه، وليحرص على جمع كلمة المسلمين، واللهج إلى الله بذلك، وليجتنب قبيح الأقوال والأفعال.

والله أسأل أن يحفظ بلادنا ويعمرها بالخيرات والأمن والإيمان، وسائر بلاد المسلمين، وأن يوفق ولي أمرنا للحق وينصر به الدين، ويسدده في قوله وفعله، و يرزقه بطانة الخير والصلاح، وأن يوفق ولاة المسلمين جميعا للحق والهدى، ويجعلهم خيرا لرعاياهم، وأن يجمع كلمة المسلمين على كتاب الله وسنة نبيه، ويصلح ذات بينهم. آمين.

والحمدلله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبيه الأمين.

كتبه: خالد بن علي آل شاهين السليطي
ليلة الثامن من شهر ذي الحجة ١٤٣٨ه‍
في دولة قطر حفظها الله وسائر ديار المسلمين.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *