((وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا)) بنزع الطاعة ومفارقة الجماعة

((وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا))

بنزع الطاعة ومفارقة الجماعة

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً، أما بعد:

فإن من أصول عقيدة أهل الإسلام وجوب الاجتماع وتحريم التفرق والافتراق، قال تعالى: ((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ))، ويدخل في هذا المعنى وجوب السمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين -سواء كان إماماً عاماً أو كان إماماً لناحية من نواحي بلاد المسلمين- وتحريم منازعته الولاية والسلطة كما جاء ذلك مصرحاً به في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)([1]).

والمسلم الحق يُحب لزوم الجماعة ويجد انشراح صدره في ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا يُغَلُّ عليهن قلب مسلم أبداً: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة)، وعن عمر رضي الله عنه قال: (من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة).

إن الخروج على ولي الأمر ومنازعته السلطة ودعوة الناس إلى خلعه ونزعه نوعٌ من الغدر ونقض العهد، وإن من أعظم العقود والعهود مبايعة الإمام على الولاية والإمامة، والله تعالى يقول: ((وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً)) وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ))، ولما وصف المؤمنين قال: ((وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ))، ولما وصف أهل النار قال: ((الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)).

وليكن لنا في الصحابي الجليل عبد الله بن عمر في ذلك أسوة وقدوة، فإنه لما أراد أهل المدينة الميل مع ابن الزبير وخلع يزيد بن معاوية بعد أن أُعطي البيعة، جمع ابنُ عمر بنيه وأهل بيته وخدمه وقال لهم: “إنا قد بايعنا هذا الرجل ببيع الله ورسوله وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان) وإن من أعظم الغدر -إلا أن يكون الإشراك بالله تعالى- أن يبايع الرجل رجلاً على بيع الله ورسوله ثم ينكت بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرقن أحد منكم في هذا الأمر فيكون صيلماً فيما بيني وبينه”([2]).

والواجب على المسلم أن يُحذر إخوانه المسلمين من هذا المزلق الكبير، ولقد جاء الوعيد الشديد بالعذاب يوم القيامة لمن نكث البيعة، قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فذكر منهم: ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا إن أعطاه ما يريد وفَّى له وإلا لم يفِ له) ([3]).

ولذلك فقد استقر في عقيدة أهل السنة والجماعة

      تحريم الخروج على ولاة الأمر لا باليد ولا باللسان

      ووجوب لزوم الجماعة

      ووجوب السمع والطاعة في غير المعصية

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في عقيدته ” مع طاعة كل إمام براً كان أو فاجرا” وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: “وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين”([4])، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: “من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة وترك القتال في الفتنة”([5]).

وقال الإمام أحمد في رسالته في اصول السنة: “ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس قد اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مات الخارج عليه([6]) مات ميتة جاهلية، ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق”.

وقد قرر ذلك بغاية الوضوح والجلاء العلامة رئيس القضاة في قطر الشيخ أحمد بن حجر البوطامي في كتابه العقائد السلفية وعقد فصلا لهذه المسألة فقال

“فصل في وجوب السمع والطاعة للإمام” وقال فيه “يجب على كل فرد من أفراد الأمة الخضوع والإذعان والطاعة والامتثال للإمام وقد دل على ذلك الكتاب والسنة …. ([7])

وقد بينت هذه المسألة مفصلة في رسالتي “جهود العلامة أحمد بن حجر البوطامي في تقرير عقيدة السلف”([8])

ومهما ادعى الخارج عن الجماعة أنه يروم الإصلاح ويدفع الفساد، فعمله مرفوض ومردود بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان). ولو سلمنا كل ما يدعيه من وجود نقص أو خلل فإن هذا إنما يوجب النصيحة مع الصبر وعدم الطاعة في معصية الله، ولا يسوغ بحال من الأحوال الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة كما بينته النصوص الشرعية وأقوال الأئمة

وبالنظر إلى ما تقدم

فالواجب الشرعي على أهل قطر الذي به يرضون الله تعالى، ويحققون تمسكهم بأصول أهل السنة والجماعة؛ هو لزوم الجماعة ولزوم السمع والطاعة لولي أمرهم الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والوفاء له بالبيعة والعهد الذي قطعوه على أنفسهم وأشهدوا الله تعالى عليه.

وكما أن هذا الواجب يقتضيه الشرع فكذلك يقتضيه العرف والأخلاق والشيم التي يتمتع بها أهل قطر، وكذلك يقتضيه النظر العقلي الصحيح في تحقيق المصالح الدينية والدنيوية ومنع أسباب الفوضى والفتن وسفك الدماء.

اللهم احفظ علينا ديننا وأمننا ووفق ولي أمرنا الشيخ تميم وحكومته الرشيدة لما فيه خير قطر وخير الإسلام والمسلمين.

د. إسماعيل بن غصاب العدوي

28/ 12/ 1438 هـ الموافق 19/ 9/ 2017م

______________

([1]) رواه مسلم: (4771).

([2]) رواه أحمد: (8/66).

([3]) رواه البخاري: (7212).

([4]) شرح مسلم: (12/229).

([5]) مجموع الفتاوى: (28/128).

([6]) أي مات على هذا الفعل المشين.

([7]) (2/414).

([8]) انظر ص 946 وما بعدها.

 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *