+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: خطبة عن أهمية الوقت واستغلاله فيما ينفع

  1. افتراضي خطبة عن أهمية الوقت واستغلاله فيما ينفع

    مع إقبال الصيف وموسم الإجازة، فإن كثيرا من الناس يهدر أوقاته فيما لا ينفع، بل فيما يضر ويغضب الرب.

    فإليكم هذه الخطبة التي تبين أهمية الوقت واستغلاله فيما ينفع


    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا .

    أما بعد :

    فيا عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله خير زاد يقرب إلى رضوان الله تعالى.

    عباد الله! إن عمر الإنسان في هذه الحياة محدود، وأجلَه مكتوب، (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، فكل لحظة من لحظات حياته لها قيمة عظيمة، وأثر كبير في سعادته أو شقائه.
    فلحظة يوفق فيها المرء لتوبة يختم له بها، يدخل بها الجنة، ولحظة يخذل فيها بمعصية يختم له بها، يدخل بها النار، فهذا رجل ممن كان قبلنا قتل تسعة وتسعين نفسا وأكمل المائة، ثم تاب في لحظة ومات، فكان من أهل الجنة، ولولا هذه اللحظة لكان من أهل النار، ورجل عاش دهره كله يعبد الله فتألى على الله وقال: والله لا يغفر الله لفلان، فحبط عمله وكان من أهل النار، ولولا هذه اللحظة لكان من أهل الجنة.
    فإذا كانت لحظة من عمر الإنسان لها هذا الأثر العظيم، فكيف بالعمر كله، فالعمر عباد الله أنفس ما يملك الإنسان، وإنما عمره ما قضاه في طاعة الله وفيما ينفعه، وهو إما حجة له أو عليه، قال صلى الله عليه وسلم: (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)، وقال الحسن البصري رحمه الله: ما من يومٍ ينشق فجره إلا نادى: يا ابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود فيَّ بعملٍ صالح، فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
    وما الأيام إلا مراحل يقطعها العبد في سفره إلى الله تعالى وإلى الدار الآخرة، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ابن آدم! إنما أنت أيام كلما مضى منك يوم مضى بعضك.

    عباد الله! لقد وردت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تدل على شرف الوقت وأهميته، ومن ذلكم أنه سبحانه وتعالى أقسم بأجزاء الوقت، فأقسم بالعصر والضحى والليل والنهار، وذكر سبحانه إنعامه على عباده بالوقت في سورة النِعم سورة النحل، فقال جل وعلا: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) فبين سبحانه عظيم منته على عباده أن سخر لهم هذه الأوقات ليتقربوا فيها إلى الله الواحد القهار ويتذكروا دنو الآجال بانقضاء الليل والنهار، كما قال تعالى: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا).

    عباد الله! ومما يدل على أهمية الوقت ذلكم المشهد الرهيب، مشهد الاحتضار، مشهد بلوغ الروح الحلقوم، مشهد معاناة سكرات الموت، فإن العبد المسيء إذا عاين الموت طلب فسحة في الأجل ليتقرب إلى الله بصالح العمل، وهيهات هيهات، وقد حذرنا الله عن هذه الحال بأبلغ مقال فقال سبحانه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ . وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ.وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، ومر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بقبر، فوقف عليه، وقال لهم: ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون يزيدهما هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم.
    وحضر الحسن البصري رحمه الله جنازة فقال لصاحبه بعد الدفن: لو كنت مكان هذا الرجل المدفون ماذا تتمنى؟ فقال: أتمنى أن يعيدني الله تبارك وتعالى إلى الدنيا مرة ثانية لأعمل صالحا غير الذي كنت أعمله. فقال الحسن رحمه الله: وأنت الآن فيما تتمناه فاعمل.

    عباد الله! إن كل لحظة تمر من عمر الإنسان تذهب ولا تعود، فما مضى من عمر الإنسان لا يملك رده، وما هو آت لا يضمنه فقد يموت قبل أن يدركه، وليس له إلا اللحظة التي يعيشها، فإما أن يقضيها في طاعة الله تعالى، أو تذهب عليه كما ذهب غيرها من الأوقات، وكم من مغبون يقضي أيامه في الموبقات وصنوف الملذات، حتى ينقضي عمره النفيس، فيبوء بالخسران المبين، كما قال تعالى حاكيا عن حال أهل النار وهم يصطرخون فيها يطلبون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا فلا يجابون، قال سبحانه: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ).

    عباد الله! إن عمر الإنسان لحظات يسيرة وساعات قليلة، سرعان ما تنقضي، (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون)، ويروى أن نوحاً عليه السلام أتاه ملك الموت، فقال له: يا أطول الأنبياء عمراً كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدارٍ لها بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر.
    فهذا نوح عليه السلام الذي عمر طويلا، فكيف بنا عباد الله وقد قال عليه الصلاة والسلام:
    (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك).
    يقول الله عز وجل مشيراً إلى سرعة انقضاء الوقت: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا).

    عباد الله! إن الوقت نعمة غبن فيها كثير من الناس، فباعوه بأخس الأثمان، وصرفوه فيما لا يعود عليهم بالنفع في الدنيا ولا في الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ).
    وأعظم هذه الأوقات وأجلها وقت الشباب، ولذا خصت هذه المرحلة من عمر الإنسان بالسؤال يوم القيامة، قال عليه الصلاة والسلام: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) وذكر منها: (عن عمره فيما أفناه ؟ وعن شبابه فيما أبلاه ؟).
    فالشباب عباد الله مرحلة القوة والفتوة والجد والاجتهاد، وكم حَالَ كبر السن وضعف القوة دون كثير من الطاعات والقربات، فالواجب على الشباب أن يغتنموا هذه المرحلة التي هي ربيع العمر، قال عليه الصلاة والسلام: (اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك).


    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    الحمد لله عظيمِ الإحسان، واسعِ الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيراً، أما بعد،،

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى وراقبوه في السر والنجوى.

    عباد الله! إذا تبين لنا شرف الوقت ومكانته وأهمية المحافظة عليه وخطورة التفريط فيه، فمن أراد أن يتدارك ما فرط فيه من الأوقات، وما ضيع من الأعمار فليبادر إلى التوبة النصوح والاستقامة على طاعة الله تعالى، قال الفضيل بن عياض لرجل بلغ الستين: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة. قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ. فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال الفضيل: أتعرف تفسيره؟ قال: لا. قال الفضيل: معناها أني لله عبد وأني إليه راجع، فمن علم أنه موقوف بين يدي الله يوم القيامة فليعلم أنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول فليعد للسؤال جوابا، قال الرجل: فما الحيلة؟ قال الفضيل: الحيلة يسيرة، تحسن فيما بقي يغفرْ لك ما مضى.

    عباد الله! لقد علم سلفنا الصالح أهمية الوقت ومكانته، فصرفوه فيما ينفع في الدنيا والآخرة، وحرصوا عليه أشد الحرص، حتى قال الحسن البصري رحمه الله: أدركت أقواماً كان أحدهم أشحّ على عمره منه على درهمه.
    وقال عمر رضي الله عنه: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة.
    وقال ابن عَقِيل الحنبلي رحمه الله: إني لا يحلّ لي أن أضيّع ساعة من عمري، حتى إذا توقّف لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة؛ أعملت فكري في حال راحتي وأنا مُسْتطرِح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطّره.

    وكان رحمه الله يختصر وقتَ أكِله، فيختار سَفَّ الكعك وتحسّيه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، ولهذا خلَّف رحمه الله آثارا عظيمةً ككتاب الفنون الذي قيل عنه: إنه بلغ ثمانمائة مجلدا. حتى قال عنه الذهبي رحمه الله:لم يُؤلَّف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب.
    وهذا النووي رحمه الله بورك له في عمره ولقيت تصانيفه قبولا عند أهل العلم، ولم يعش إلا بضعا وأربعين سنة، وقال ابن القيّم عن شيخه: وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابته أمرً عجيبًا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة، وقال الذهبي: "إن تصانيفه تبلغ خمس مائة مجلّدة.
    وألف ابن القيم رحمه الله كتابه زاد المعاد في سفره، وهوكتاب عظيم يقع في خمس مجلدات .
    وغيرهم من السلف كثير لا يتسع المقام لذكرهم.

    عباد الله! إن مما يعين المسلم على المحافظة على وقته واستغلاله فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، الاستعانة بالله سبحانه وصدق اللجأ إليه وكمال الاعتماد والتوكل عليه، وسؤاله التوفيق والسداد والإصلاح والصلاح: كما كان عليه الصلاة والسلام يدعو ربه فيقول:
    اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر.

    فإذا استعان العبد بالله فلا بد من بذل الأسباب النافعة في الجد والاجتهاد والمجاهدة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولاتعجز).

    وقال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).

    وليُبشر العبد بمعونة الله وتسديده وتوفيقه، فإن التفاؤل مفتاح كل خير، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل، وليقرأ في سير الأئمة الأعلام من سلفنا الكرام أهل الهمم العالية والمقامات السامية، لتعلو همته وتقوى عزيمته، وليجعل له هدفا ساميا يبلغه، ورتبة عالية ينالها، فإن شرف الغاية يشغل عن سفاسف الأمور، ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على طلب الغايات الشريفة، وأشرف الغايات طلب أعلى الجنات جتة الفردوس، قال عليه الصلاة والسلام:
    ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ؛ ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنها تفجر أنهار الجنة).

    وعليه بصحبة الصالحين أهل الهمم العالية، فقد قال عليه الصلاة والسلام ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).

    وليشغل نفسه بالصالحات فإن النفس كما قال الحسن البصري رحمه الله: إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

    عباد الله! إن الدنيا قد ولت مدبرة والآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولاتكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولاحساب وغدًا حساب ولا عمل، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، ولا يهلك على الله إلا هالك.

    (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمِّر أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمّد صلى الله عليه وسلم، اللهم عليك بأعداء الدّين فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم وفِّق ولي أمرنا لهداك واجعل عمله في رضاك، اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم آت نفوسنا تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون.

  2. افتراضي

    جزاك الله خيرا أخي أبوعبدالرحمن

+ الرد على الموضوع

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •