حكم صلاة الجنازة في المقبرة


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فهذا جمع يسير حول هذه المسألة أضعها بين يدي أخواني


قال:الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:" ولا تجوز الصلاة عليها بين القبور"، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه." أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور ".أخرجه ابن الأعرابي في " معجمه " (ق 235 / 1) والطبراني في " المعجم الأوسط " (1 / 80 / 2) ومن طريقه الضياء المقدسي ف" الأحاديث المختارة " (79 / 2 - مسند أنس) وقال: الهيثمي في " المجمع " (3 / 36): " وإسناده حسن ".قلت: وله طريق أخرى عن أنس، عند الضياء يتقوى الحديث بها. وروى أبو بكر ابن أبي شيبة في " المصنف " (81 65 / 1 - الكواكب) وأبو بكر بن الأثرم كما في " الفتح الباري " للحافظ ابن رجب الحنبلي
(65 / 81 / 1 - الكواكب) عن أنس: " كان يكره أن يبنى مسجدا بين القبور "([1])
ورجاله ثقات رجال الشيخين ويشهد للحديث ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وقد ذكرت ما ورد في ذلك في أول كتابي " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " وسأذكر بعضها في المسألة (128 فقرة 9)([2])
ثم ذكر رحمه الله تعالى: تحت عنوان "ما يحرم عند القبور"ص(259) من احكام الجنائز
الفقرة السابعة:"الصلاة إلى القبور للحديث المتقدم آنفا (لا تصلوا إلى القبور..) وفيه دليل على تحريم الصلاة إلى القبر لظاهر النهي، وهو اختيار النووي، فقال المناوي في (فيض القدير) شارحا للحديث:(اي مستقبلين إليها، لما فيه من التعظيم البالغ، لانه من مرتبة المعبود، فجمع - يعنى الحدبث بتمامه - بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم، والتعظيم البليغ) ثم قال في موضع آخر: (فإن ذلك مكروه، فإن قصد إنسان التبرك بالصلاة في تلك البقعة فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به0 الله، والمراد كراهة التنزيه، قال: النووي: كذا قال أصحابنا، ولو قيل بتحريمه لظاهر الحديث لم يبعد.
ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة، فهو مكروه كراهة تحريم).
وينبغي أن يعلم أن التحريم المذكور إنما هو إذا لم يقصد بالاستقبال تعظيم القبور، وإلا فهو شرك، قال الشيخ علي القاري في (المرقاة) (2 / 372) في شرحه لهذا الحديث: (ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر ولصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه،وينبغي أن يكون كراهة تحريم، وفي معناه بل أولى منه: الجنازة الموضوعة. وهو مما ابتلي به أهل مكة، حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها).
ثم قال:في الفقرة الثامنة"
الصلاة عندها ولو بدون استقبال، وفيه أحاديث: الاول: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام).
أخرجه أصحاب السنن الاربعة إلا النسائي - وغيرهم بسند صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم ووافقه الذهبي، وأعل بالارسال، وليس بشئ، ولو سلم به فقد جاء من طريق أخرى سالمة من الارسال وهي على شرط مسلم، وقد فصلت القول في ذلك في (الثمر المستطاب) في المبحث السادس من (الصلاة).
الثاني: عن آنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم" نهى عن الصلاة بين القبور").قال في (المجمع) (2 / 27) (رواه البزار ورجاله رجال الصحيح).قلت: ورواه ابن الاعرابي في معجمه (235 / 1) والطبراني في (الاوسط) (1 / 280) والضياء المقدسي في (الاحاديث المختارة) (79 / 2)وزادوا: (على الجنائز).
الثالث: عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وسلم من النهي) قال: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا).أخرجه البخاري (1 / 420) ومسلم (2 / 187) وأحمد (رقم 4511، 4653، 6045)
الرابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم من النهي): (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة).أخرجه مسلم.وقد ترجم البخاري للحديث الثالث بقوله: (باب كراهية الصلاة في المقابر).
وبين وجه ذلك الحافظ في شرحه فقال ما مختصره: (استنبط من قوله في الحديث: (لا تتخذوها قبورا) أن القبور ليست بمحل للعبادة، فتكون الصلاة فيها مكروهة، وقد نازع الاسماعيلي المصنف في هذه الترجمة فقال: الحديث دال على كراهة الصلاة في القبر لا في المقابر: قلت: قد ورد بلفظ المقابر كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ (لا تجعلوا بيوتكم مقابر)، وقال ابن التين: تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر: وتأوله جماعة على أنه فيه الندب إلى الصلاة في البيوت، إذ الموتى لا يصلون، كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور، قال: فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك.
قلت: إن أراد أنه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق فمسلم. وإن أراد نفي ذلك مطلقا فلا، فقد قدمنا وجه استنباطه، وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة.
وكذا قال البغوي في (شرح السنة) (والخطابي).
قلت: وهذا هو الارجح أن الحديث يدل على أن المقبرة ليست موضعا للصلاة، لا سيما بلفظ أبي هريرة فهو أصرح في الدلالة، وقول الاسماعيلي: يدل على كراهة الصلاة في القبر لا في المقابر، مع مخالفته الصريحة لحديث أبي هريرة، فلا يحسن حمل حديث ابن عمر عليه، لان الصلاة في القبر غير ممكنة عادة، فكيف يحمل كلام الشارع عليه!؟ وقول ابن التين: (هو من شراح (صحيح البخاري) (واسمه عبد الواحد) (الموتى لا يصلون).
ليس بصحيح، لانه لم يرد نص في الشرع بنفي ذلك، وهو من الامور الغيبية التي لا ينبغي البت فيها إلا بنص، وذلك مفقود، بل قد جاء ما يبطل إطلاق القول به، وهو صلاة موسى عليه الصلاة والسلام في قبره كما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليلة أسري به على ما رواه مسلم في (صحيحه)، وكذلك صلاة الانبياء عليهم الصلاة والسلام مقتدين به في تلك الليلة كما ثبت في (الصحيح) بل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الانبياء أحياء في قبورهم يصلون).
أخرجه أبو يعلى باسناد جيد، وقد خرجته في (الاحاديث الصحيحة) (622).
بل قد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: ما هو أعم مما ذكرنا، وذلك في حديث أبي هريرة في سؤال الملكين للمؤمن في القبر: (فيقال له اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس وقد آذنت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقولان: إنك ستفعل).أخرجه ابن حبان في (صحيحه) (781) والحاكم (1 / 379 - 380) وقال (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي! وإنما هو حسن فقط، لان فيه محمد بن عمرو ولم يحتج به مسلم وإنما روى له مقرونا أو متابعة.
فهذا الحديث صريح في أن المؤمن أيضا يصلي في قبره، فبطل بذلك القول بأن الموتى لا يصلون، وترجح أن المراد بحديث ابن عمر أن المقبرة ليست موضعا للصلاة، والله أعلم.
وقد دل الحديث وما ذكر معه على كراهة الصلاة في المقبرة، وهي للتحريم لظاهر النهي في بعضها، وذهب بعض العلماء إلى بطلان الصلاة فيها لان النهي يدل على فساد المنهي عنه، وهو قول ابن حزم، واختاره شيخ الاسلام ابن تيمية، والشوكاني في(نيل الاوطار) (2 / 112)، وروى ابن حزم (4 / 27 - 28) عن الإمام أحمد أنه قال: (من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدا)
ثم إن كراهة الصلاة في المقبرة تشمل كل مكان منها سواء كان القبر أمام المصلي أو خلفه أو عن يمينه، أو عن يساره، لان النهي مطلق، ومن المقرر في علم الأصول أن المطلق يجرى على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده، ولم يرد هنا شيء من ذلك، وقد صرح بما ذكرنا بعض فقهاء الحنفية وغيرهم كما يأتي، فقال: شيخ الإسلام ابن تيمية في (الاختبارات العلمية) (ص 25): (ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة، لانه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا.
وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر.
وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولا لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه.
وذكر الامدي وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه أي المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر.وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد.
وفي كلام الشيخ رحمه الله التصريح بأن علة النهي عن الصلاة في المقبرة إنما هي سد الذريعة، وهذا أحد قولي العلماء في ذلك، والقول الأخر أن العلة إنما هي نجاسة أرض المقبرة!
وهما قولان في مذهب الحنفية، وقد نظر ابن عابدين في (الحاشية) (1 / 352) في الثاني منهما، وذلك لان الاستحالة مطهرة عندهم، فكيف تكون هذه العلة صحيحة!؟ ولا شك عندنا أن القول الاول هو الصحيح، وقد بين ذلك شيخ الإسلام في كتبه، واستدل له بما لا تجده عند غيره، فراجع مثلا كتابه (اقتضاء الصراظ المستقيم) (152، 193)، وعليه مشى في (الحانية) من كتب الحنيفة، وأشار إليه الطحاوي في حاشيته على (مراقي الفلاح) فقال عند قول الشارح (وتكره الصلاة في المقبرة) (1 / 208) (بتثليث الباء، لانه تشبه باليهود والنصارى، قال (صلى الله عليه وسلم): "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وسواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه.
ويستثنى مقابر الانبياء عليهم السلام فلا تكره الصلاة فيها مطلقا منبوشة أو لا، بعد أن لا يكون القبر في جهة القبلة، لأنهم أحياء في قبورهم)!
قلت: وهذا الاستثناء باطل ظاهر البطلان، كيف وهو يناقض العلة التي ذكرها والحديث الذي استدل به عليها، وكيف يصح مثل هذا الاستثناء والاحاديث مستفيضة في لعن أهل الكتاب لا تخاذ قبور أنبيائهم مساجد ثم صح أن النبي (صلى الله عليه وسلم) نهانا عن ذلك،
فالنهي منصب على اتخاذ قبور الأنبياء مباشرة، وغيرهم يلحق بهم، فكيف يعقل استثناؤهم!؟ والحق أن مثل هذا الاستثناء إنما يتمشى مع القول الثاني أن العلة النجاسة وقبور الانبياء بلا شك طاهرة لانهم كما قال عليه السلام: (إن الله حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء)، ولكن هذه العلة باطلة وما بني على باطل فهو باطل([3])
قال:الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى:( مسألة:)
يُستثنى من ذلك صلاة الجنازة، فإن كانت الصلاة على القبر فلا شَكَّ في استثنائها؛ لأنه ثبت عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّه فَقَدَ المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد، فسأل عنها، فقالوا: «إنَّها ماتت»، وكانت قد ماتت بالليل، والصَّحابةُ رضي الله عنهم كرهوا أنْ يُخبروا النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بالليل فيخرُجَ، فقال لهم: هلاَّ آذنتموني»، أي: أخبرتموني، ثم قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «دُلُّوني على قبرها» فدلُّوه على القبرِ، فقامَ وصَلَّى عليها عليه الصَّلاة والسَّلام لكن لو جِيءَ بالميت وصُلِّيَ عليه في المقبرة، قبل الدَّفن فما الحكم؟
فالجواب أن نقول: لدينا الآن عموم: «الأرضُ كلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحمَّام» (1) والصَّلاة على الميِّت صلاة بلا شَكٍّ. ولهذا تُفتتح بالتكبير، وتُختتم بالتَّسليم، ويُشترط لها الطَّهارة والقراءة؛ فهي صلاة، فما الذي يُخرجُها من عموم قوله: «إلا المقبرة؟»، لكن ربما يسوغ لنا أن نقيسها على الصَّلاة على القبر، وما دام أنه قد ثبت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى على القبر؛ فلا فرق بين أن يُصلَّى على جنازة مدفونة، أو على جنازة غير مدفونة؛ لأن العِلَّة واحدة، وهي أن هذا الميِّت الذي يُصلَّى عليه كان في المقبرة، وعَمَلُ الناس على هذا، أنه يُصلَّى على الميت، ولو قبل الدَّفن في المقبرة.
ورُبَّما يقال: إن الصَّلاة على الميت لا تدخل في ذلك أصلاً؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «الأرض كلُّها مسجد»، أي: مكان للصَّلاة ذات السُّجود، وصلاة الجنازة لا سُجود فيها. ([4])
وقال:عند قول:الماتن:(وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ صَلَّى عَلَى القَبْرِ وَعَلَى غَائِبٍ بِالنِّيَّةِ إِلَى شَهْر)ٍ قوله: «ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر» ، أي: يصلي على القبر إن كانت دفنت، وإلا صلى عليها ولا ينتظر؛ لأن الصلاة على القبر إنما تكون للضرورة إذا لم يمكن حضور الميت بين يديه.
ودليل ذلك: قصة المرأة التي كانت تقمُّ المسجد، أي ترفع قمامته وتنظفه، فماتت ليلاً، ولم يؤذن النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك تحقيراً لشأنها؛ ولئلا يشق على النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلما سأل عنها أخبروه أنها ماتت فقال: «هلاَّ كنتم آذنتموني أي: أخبرتموني فقال: دلوني على قبرها فخرج بنفسه عليه الصلاة والسلام وصلى على قبرها»
وفي هذا من عناية الرسول عليه الصلاة والسلام بأهل الخير ما هو ظاهر، إذ ليس لها عمل إلا أنها تقم المسجد، مع أنها امرأة سوداء([5]).
وقال:ابن قدامة المقدسي: رحمه الله تعالى: فصول : الصلاة على القبر وإعادة الصلاة
مسألة : قال : ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر
وجملة ذلك أن فاتته الصلاة على الجنازة فله أن يصلي عليها ما لم تدفن فإن دفنت فله أن يصلي على القبر إلى شهر هذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وغيرهم روي ذلك عن أبي موسى وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم وإليه ذهب الأوزاعي و الشافعي وقال النخعي و الثوري و مالك و أبو حنيفة : لا تعاد الصلاة على الميت إلا للولي إذا كان غائبا ولا يصلي على القبر إلا كذلك ولو جاز ذلك لكانقبر النبي صلى الله عليه و سلم يصلى عليه في جميع الأعصار0
ولنا ما روي [ أن النبي صلى الله عليه و سلم ذكر رجلا مات فقال :" فدلوني على قبره فأتى قبره فصلى عليه" متفق عليه وعن ابن عباس "أنه مر مع النبي صلى الله عليه و سلم على قبر منبوذ فأمهم وصلوا خلفه"
قال: أحمد رحمه الله : ومن شك في الصلاة على القبر يروى عن النبي صلى الله عليه و سلم من ستة وجوه كلها حسان ولأنه من أهل الصلاة فيسن له الصلاة على القبر كالولي وقبر النبي صلى الله عليه و سلم لا يصلى عليه لأنه لا يصلى على القبر بعد شهر"
فصل :
ومن صلى مرة فلا يسن له إعادة الصلاة عليها وإذا صلى على الجنازة مرة لم توضع لأحد يصلي عليها قال القاضي : لا يحسن بعد الصلاة عليه ويبادر بدفنه فإن رجي مجيء الولي أخر إلى أن يجيء إلا أن يخاف تغيره قال ابن عقيل لا ينتظر به أحد لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال في طلحة بن البراء :" اعجلوا به فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" فأما من أدرك الجنازة ممن لم يصل فله أن يصلي عليها فعل ذلك علي وأنس وسلمان بن ربيعة وأبو حمزة ومعمر بن سمير
فصل : ويصلي على القبر وتعاد الصلاة عليه قبل الدفن جماعة وفرادى نص عليهما أحمد وقال : وما بأس بذلك قد فعله عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي حديث ابن عباس قال :" انتهى النبي صلى الله عليه و سلم إلى قبر رطب فصفوا خلفه وكبر أربعا"متفق عليه([6])
ثم قال:في موضع اخر:(فصل )
وإن دفن قبل الصلاة فعن أحمد أنه ينبش ويصلى عليه وعنه أنه إن صلي على القبر جاز واختار القاضي أنه يصلى على القبر ولا ينبش وهو مذهب أبي حنيفة و الشافعي لأن النبي صلى الله عليه و سلم صلى على قبر المسكينة ولم ينبشها ووجه الأول أنه دفن قبل واجب فنبش كما لو دفن من غير غسل وإنما يصلى على القبر عند الضرورة وأما المسكينة فقد كانت صلي عليها ولم تبق الصلاة عليها واجبة فلم تنبش لذلك فأما إن تغير الميت لم ينبش بحال0([7])
وقال:العلامة الشنقيطي رحمه اله تعالى:
قال: المصنف رحمه الله: [ولا تصح الصلاة في مقبرة] بعد أن بين رحمه الله أنه ينبغي عليك أن يكون الموضع الذي تصلي فيه طاهراً، وبين لك أحكام النجاسات المتصلة، وما هو قريبٌ من المتصل، شرع في بيان المواضع التي لا يجوز أن يصلى فيها، وهذه -كما قلنا- مسائل شبيهة بالمسائل التي معنا، فكما أن الأرض النجسة لا يصلى عليها فإن المواضع التي نهي عن الصلاة عليها كالأرض النجسة، فلا يصح أن تذكر في غير هذا الموضع.
والمقبرة مثلثة الباء، والمقبرة: المكان الذي يقبر فيه الآدمي، ولا يصلى فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في المقابر، وثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إذا صلى أحدكم فليجعل من صلاته في بيته، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً ) فقوله: (ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً) يدل على أن القبر ليس موضعاً للصلاة، قال العلماء: نهى عن الصلاة في القبور لأمورٍ؛ فإن الأمر قد يعلل بعللٍ كثيرة، فقالوا: منها: خوف الشرك، وهذا أعظمها وأجلها؛ لأن الصلاة على القبر قد تؤدي إلى تعظيمه وإجلاله إلى درجةٍ قد تصل بالمرء إلى الصلاة لصاحب القبر والعياذ بالله.
وقيل: نهي عن الصلاة فيها حتى لا يشابه اليهود والنصارى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعنهم عند موته، قالت أم المؤمنين: (يحذر مما صنعوا)، أي: يحذر أمته أن تصنع كصنيع اليهود والنصارى، فقالوا: من أجل المشابهة وكذلك أيضاً قال بعض العلماء: لأنه إذا صلى على القبر فإنه يؤذي صاحب القبر، وقد يؤذيه صاحب القبر؛ لأن الجلوس على القبور مضرةٌ لصاحب القبر ومضرةٌ لمن جلس عليها، ولذلك شدد عليه الصلاة والسلام في التحذير من أذية أهل القبور بالجلوس والاتكاء عليها فقال: ( لأن يجلس الرجل على جمرة فتحرق ثيابه خير له من أن يجلس على قبر ).
فلذ لك نهى عن الصلاة في القبور وعلى القبور، ولذلك بين رحمه الله أن هذا الموضع -القبر- لا يجوز أن يصلى فيه، والإجماع منعقد على أنه لا تجوز الصلاة في القبور، والمراد بها صلاة الفريضة وصلاة النافلة، ويستوي في ذلك النوافل المقيدة والنوافل المطلقة، فلا يصلى في المقابر العيدان ولا الكسوف ولا الخسوف، فلا يصلى فيها نفلاً ولا فرضاً.
وأما الصلاة على الجنازة في المقابر أو قريباً من المقابر فهذا مستثنى، كأن تكون الجنازة ما صلي عليها في المسجد، ثم أتي بها عند القبر، فصلي عليها عند قبرها ثم دفنت، فلا حرج أن يصلى عليها، ولكن ينبه على خطأ تكرار الصلاة على الجنائز عند القبور وقد صلي عليها في الجوامع، وأن هذا أمرٌ لا أصل له، فإن الأصل الاكتفاء بصلاة المؤمنين وشفاعتهم في المسجد، ولا يزاد على ذلك.
وأما في داخل القبور فقال بعض العلماء بجوازه استدلالاً بحديث المرأة التي كانت تقم المسجد، ولكن هذا الحديث -كما جاء في صحيح مسلم، وهو مذهب طائفة من السلف- فيه شبهة تقتضي التخصيص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى على المرأة قال: ( إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي ) فقوله: (بصلاتي) دل على التخصيص، فورود النهي الحاضر مع المبيح يوجب تقديم الحاضر على المبيح، فالأولى والأحرى أن الإنسان يقتصر على الصلاة العامة التي تكون في مساجد المسلمين.
أما تكرار الصلاة على الجنائز فهذا لم يكن عليه هدي السلف الصالح رحمهم الله، ولا يستقيم الاستدلال بما ذكرناه لوجود شبهة التخصيص([8]).
وقال:في "حكم الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الميت"يقول المصنف رحمة الله:
[ ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر ].
بعد أن بين المصنف رحمه الله صفة الصلاة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، شرع رحمه الله في بيان حكم من فاتته الصلاة على الميت في المسجد، فقال رحمه الله: (ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر إلى شهر).
وهذه المسألة اختلف العلماء رحمهم الله فيها، هل يشرع له ذلك أو لا يشرع؟ ولها نظائر، منها: لو كان الإنسان مسافراً، ثم قدم بعد وفاة قريب له أو إنسان يعرفه، وأحب أن يصلي عليه بعد دفنه، فهل يشرع ذلك أو لا يشرع؟ للعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: يشرع لمن فاتته الصلاة على الميت أن يصلي على قبره.
وهذا القول يقول به فقهاء الشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع، وهو مروي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فروي عن علي و عبد الله بن عمر و أبي موسى الأشعري رضي الله عن الجميع.
القول الثاني: لا تشرع الصلاة على القبر، وإنما تختص الصلاة بالصفة المعهودة التي تكون قبل دفن الميت، ولا يشرع لأحدٍ أن يصليها على أحدٍ بعد قبره إلا في حالة ما إذا لم يصل عليه، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية رحمة الله على الجميع.
فتحصل معنا أن العلماء -رحمهم الله- ينقسمون إلى طائفتين: طائفةٌ تجيز الصلاة، وطائفة تمنع، ومن الذين يمنعون من يستثني حالة ما إذا لم يصل على الميت، فيجيز الصلاة على الميت إذا لم يصل عليه.
وبناءً على ذلك يكون محل الخلاف إذا صُليّ عليه قبل دفنه، أما إذا لم يصل عليه قبل دفنه فكلهم يقولون بجواز الصلاة عليه بعد قبره.
أما بالنسبة للأدلة فقد استدل الذين قالوا بجواز الصلاة على الميت بعد دفنه، بحديث المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد -تنظفه وتكنسه- فإنها توفيت في الليل، ولم يُعلم النبي صلى الله عليه وسلم بها، ثم إنه افتقدها صلوات الله وسلامه عليه، فسأل عنها رضي الله عنها، وكانت تسمى أم محجن ، ثم إنه لما أخبر عليه الصلاة والسلام أنها توفيت، وأنهم صلوا عليها بالليل، قال: هلا آذنتموني؟! ثم انطلق إلى قبرها وقال: دلوني على قبرها، فدلّ صلوات الله وسلامه عليه على قبرها، فقام على قبرها وصلى.
في هذا الحديث دليل على مشروعية الصلاة على الميت بعد دفنه، فأصحاب هذا القول يقولون: لو كانت الصلاة على الميت بعد دفنه ممنوعة لما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، واستدلوا كذلك بحديث في السنن "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد ، وذلك أنه قدم المدينة بعد وفاتها فقام على قبرها وصلى عليها" رضي الله عنها وأرضاها، قالوا: فبهذه النصوص يتبين أنه يشرع أن يصلى على الميت بعد دفنه.
وهناك حديث ثالث أشار إليه البخاري رحمه الله، وهو حديث عبد الله بن عباس ، وقد قيل إنه في الأصل حديث طلحة بن البراء رضي الله عنه وأرضاه، وقد كان بقباء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد زاره وهو مريض، فقال لأهله: ( ما أظن طلحة إلا قد نزل به الموت، فإذا مات فآذنوني ) يعني: أعلموني- فلما ذهب عليه الصلاة والسلام قال طلحة رضي الله عنه لأهله: إذا أنا متّ فلا تؤذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني أخاف عليه اليهود أن يمسوه بسوءٍ، ففعل أهله ما أمرهم به، فلم يخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فأُخبِر صلوات الله وسلامه عليه بعد دفنه، فذهب إلى قبره فقام عليه ودعا، حتى جاء في دعائه: ( اللهمالق طلحة ، تضحك إليه ويضحك إليك ).
فحمل بعض العلماء حديث ابن عباس في الصحيح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم: صلى على قبرٍ بعدما دفن ) وفي روايةٍ: ( على قبرٍ منبوت ) -وهي الرواية المرسلة التي أشار إليها البخاري في صحيحه- على قصة طلحة ، وقالوا: إن هذا يدل على مشروعية الصلاة على الميت بعد قبره، وبمجموع هذه الأحاديث يقول هؤلاء العلماء رحمةُ الله عليهم: إنه لا حرج إذا جئت بعد الصلاة على الميت أن تقوم على قبره وتصلي عليه.
وذهب الحنفية والمالكية إلى عدم مشروعية الصلاة على القبر، وأن من خصوصياته عليه الصلاة والسلام: أن يصلي على الميت على قبره بعد دفنه إذا صُليّ عليه، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى على المرأة التي كانت تقم المسجد قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم) قالوا: فهذا نص من لفظه عليه الصلاة والسلام يفسر ما كان من فعله، ويدل دلالة واضحة على معنى الخصوصية؛ قالوا: ولذلك ما وقع منه صلى الله عليه وسلم هذا إلا في أحوالٍ مخصوصة، فصلى على أم سعد تطييباً لخاطر سعد وذلك لمكان سعد وعظيم بلائه في الإسلام، كما صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي سلول تطييباً لخاطر ابنه عبد الله ، وكما فعل في المرأة التي كانت تقم المسجد، ومع هذا قال: ( إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم ) .
فكأن النبي صلى الله عليه وسلم له خصوصية الصلاة، فكانت إعادة الصلاة منه عليه الصلاة والسلام لمعنىً يختص به، لا يشاركه فيه غيره من الصحابة، وقالوا: إن ما سبق في الحديث يؤكد هذه الخصوصية.
ولكلا القولين وجهه، وإن كان التعليل الذي ذكره أصحاب القول الثاني من القوة بمكان، خاصةً وأنه لم يقع إلا في الأفراد، وهذا من كلامه عليه الصلاة والسلام الذي يدل دلالة واضحة على التخصيص؛ فإن قوله: ( إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم ) نصٌ صحيح وصريح، والعلة إذا جاءت منصوصة من كلامه لا بد من اعتبارها.
ومن الأدلة التي تقوي القول الذي يقول بمنع الصلاة عليه: عموم النهي عن الصلاة في المقبرة، فإن الأصل عدم الصلاة في المقبرة، وذلك يشمل مطلق الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما فرق بين صلاةٍ وأخرى، ولذلك قالوا: لو فتح هذا الباب لاسترسل الناس، وأصبح كلما فاتت الصلاة على إنسان جاء ووقف على القبر وصلى، مع أن الشرع قد أعطى البديل عن ذلك، بالترحم عليه والدعاء له والاستغفار له.
قالوا: فلما وجد البديل الذي لا شبهة فيه؛ فإنه يبقى على الأصل الذي يقتضي حظر الصلاة في داخل المقابر، خاصةً وأن السنة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الصلاة في المقبرة وفي الحمام.
وإذا قلنا: إنه يشرع أن يصلى على الميت بعد قبره، فما هو الأمد الذي يشرع للإنسان أن يصلي في حدوده، فإذا جاوزه لم يجز له أن يصلي على الميت؟ للعلماء أقوالٌ في هذه المسألة: القول الأول: أنه إلى ثلاثة أيام، وهو وجهٌ يختاره بعض أصحاب الإمام الشافعي رحمه الله كما درج عليه الخراسانيون من أصحابه، وعليه الفتوى عندهم.
والقول الثاني: أنه إلى شهر؛ وذلك على ظاهر حديث أم سعد رضي الله عنها، أنه صلى عليها بعد شهر.
والقول الثالث: ما لم يتغير، فيشرع أن يصلى على الميت ما دام يغلب على الظن أنه لم يتغير وأنه باق، وهذا مبني على النظر؛ لأن الصلاة شرعت على الميت، فإذا كان موجوداً صُلّيَ عليه، وإن كان متحللاً. قد فني فإنه لا يصلى عليه كمن أكله السبع.
والوجه الرابع: أنه إلى الأبد، وهذا من أضعف الأقوال عند العلماء رحمة الله عليهم0([9])
ومما يؤكد قوة القول الثاني للعلماء في هذه المسألة الأحاديث العامة التي مر ذكرها في النهي عن الصلاة إلى القبور وكذلك الأحاديث الخاصة كحديث أنس"." أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور "
وأما حديث المرأة السوداء وهو أقوى ما استدل به0المجيزون فيمكن أن يجاب عليه بأوجه:
1_أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم للخصوصية وبه يجمع بين نهيه وبين فعله0
2_أن القول مقدم على الفعل لأن القول فيه تشريع لعموم الأمة والفعل مظنة التخصيص0
3_أن قوله عليه الصلاة والسلام هنا حاضر وفعله مبيح والحاضر مقدم على المبيح ويقويه أن الحضر هنا فيه سداً لذريعة الشرك0
4_أن فعله هنا فيه العموم وقوله أخص وعند التعارض يقدم الخاص على العام0
5_أن هذا الفعل لم يقع منه إلا في حالات مخصوصة تطييباً لخواطر بعض الصحابة وأما الأصل فهو الصلاة على الجنائز في مكان خاص لها كما كان في عهده صلى الله عليه وسلم0أو في المسجد في بعض الأحيان كما ورد كذلك0
6_مما يضعف هذا القول وهو جواز الصلاة على القبور بعد دفنها مطلقاً أن القائلين به0 لم يتفقوا على مدة معينة فاختلفت أقوالهم إلى عدة وجوه ويرد على من قال: بجوازه إلى الأبد أنه كلما جاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيشرع له الصلاة عليه ولا قائل بجواز ذلك إذ هو أعظم ذريعة لوقوع الشرك0
9_2_2011م

([1]) وهو في مصنف ابن أبي شيبة بلفظ" حدثنا وكيع حدثنا همام ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : كان يكره أن يبنى مسجد بين القبور"برقم(7662) وقال: أيضاً"حدثنا وكيع ، أخبرنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : كانوا إذا خرجوا مع جنازة فحضرت الصلاة تنحوا ، عن القبور". برقم(7663)
([2]) أحكام الجنائزص138 ط مكتبة المعارف الرياض0
(([3]))المصدر السابق (ص275)
([4])الشرح الممتع(ج2_ص241)
([5]) الممتع(ج5_ص344)
([6])المغني (ج2_ص385)
([7])(ج2_ص414)
([8])في شرحه على زاد المستقنع بواسطة الموسوعة الشاملة
([9])المصدر السابق