السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فضيــــــــلة الإحســــان وأنواعه وثمرات العمل به.

أولاً: تعريف الإحسان

في اللغة: الإحسان ضد الإساءة، وهو كل مرغوب فيه، وكل ما يسر النفس من نعمة تنال الإنسان في بدنه ونفسه وأحواله (معجم مقاييس اللغة لابن فارس ص 262).

والإحسان: الإتقان وإجادة الصنع، قال الله تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه} (السجدة:7).

وفي الاصطلاح: الإحسان: الإتيان بالمطلوب شرعاً على وجه حسن.

قال صلى الله عليه وسلم عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (رواه مسلم).

معناه: "أن يفعل الإنسان ما تعبّده الله به كأنه واقف بين يدي الله، وذلك يستلزم تمام الخشية والإنابة إليه سبحانه، ويستلزم الإتيان بالعبادة على وفق الخطة التي رسمها رسوله عليه الصلاة والسلام" (ثلاث كلمات للعباد ص 10).



ثانياً: الأمر بالإحسان:

قال الله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} (النحل: 90).

وقال تعالى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} (الإسراء: 53).

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" (رواه مسلم وأحمد).

يقول الحافظ ابن رجب: "الأمر بالإحسان تارة يكون للوجوب كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البر والصلة، والإحسان إلى الضيف بقدر ما يحصل به قراه.. وتارة يكون للندب كصدقة التطوع ونحوها" (جامع العلوم والحكم 1/312).

ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: "الإحسان فضيلة مستحبة، وذلك كنفع الناس بالمال والبدن والعلم، وغير ذلك من أنواع النفع، حتى إنه يدخل فيه الإحسان إلى الحيوان البهيم المأكول وغيره" (تيسير الكريم الرحمن ص 447).



ثالثاً: فضل الإحسان:

قال الله تعالى: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}(البقرة: 195).

قال سبحانه: {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين}( آل عمران 148).

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين" (متفق عليه).

ويقول الشيخ عبد المحسن العباد: "ولمزيد عناية الإسلام بالإحسان وعظيم منزلته، نوه سبحانه بفضله، وأخبر في كتابه العزيز أنه يحب المحسنين"( ثلاث كلمات ص 11).



رابعاً: جزاء الإحسان:

قال الله تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (الرحمن:60).

قال عزوجل: {ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} (النجم:21).

قال سبحانه: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (يونس:26).

قال صلى الله عليه وسلم: "الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل" (رواه ابن أبي حاتم والطبري).

يقول الشيخ عبد المحسن العباد: "ولا يخفى ما بين هذا الجزاء وذلك العمل – الذي هو الإحسان- من المناسبة، فالمحسنون الذين عبدوا الله كأنهم يرونه، جزاهم على ذلك العمل النظر إليه عياناً في الآخرة" (ثلاث كلمات ص 13).



خامساً: صور الإحسان

1-الإحسان في العبادة:

قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}( العنكبوت: 69).

قال تعالى: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} (البقرة: 195).

قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"( رواه مسلم).

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: "يدخل في الإحسان: الإحسان في عبادة الله تعالى، وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (تيسير الكريم الرحمن ص 447).



2-الإحسان إلى الوالدين:

قال الله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا}( النساء:36).

قال سبحانه: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً} (البقرة:83).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أبوك" (متفق عليه).

وسئل الحسن البصري: "ما بر الوالدين؟ قال: أن تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما فيما أمراك، ما لم يكن معصية" (مصنف عبد الرزاق 1/138).

يقول القنوجي: "المراد بالإحسان معاشرة الأبوين بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما وسائر ما أوجبه الله على الولد لوالديه من الحقوق ومنه البر بهما والرحمة لهما، والنزول عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ويوصل إليهما ما يحتاجان إليه ولا يؤذيهما ولا يقول لهما: أف" (حسن الأسوة ص:7-8).

3-الإحسان إلى الأزواج:

أ-إحسان الزوج إلى زوجته:

قال الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} (النساء:19).

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم"( رواه الترمذي).

قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك" (متفق عليه).

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: "على الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف من الصحبة الجميلة وكف الأذى وبذل الإحسان وحسن المعاملة ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما" (تيسير الكريم الرحمن ص 172).

ب- إحسان الزوجة إلى الزوج:

قال الله تعالى: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} (النساء:34).

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "والمرأة راعية على بيت زوجها وولده" (متفق عليه).

قال صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة" (رواه الترمذي).

4- الإحسان إلى البنات

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه" (رواه مسلم).

عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت علي امرأة ومعها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها ثم قامت فخرجت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا فأخبرته فقال: "من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار" (متفق عليه).

5-الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو قال: وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر" (متفق عليه).

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة" وأشار بالسبابة والوسطى" (رواه مسلم).

قال النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم: "اليتيم له أو لغيره" معناه: قريبه أو الأجنبي منه فالقريب مثل أن تكفله أمه أو جده أو أخوه أو غيرهم من قرابته" (رياض الصالحين ص:145).

6- الإحسان إلى الجار

قال الله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب} (النساء:36).

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (متفق عليه).

قال صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره" (متفق عليه).

قال الشيخ السعدي: "ينبغي للجار أن يتعاهد جاره بالهدية والصدقة والدعوة واللطافة بالأقوال والأفعال وعدم أذيته بقول أو فعل" (تيسير الكريم الرحمن ص:178).

7-الإحسان إلى الخدم

عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر رضي الله عنه وعليه حلة وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك، فذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إخوانكم جعلهم الله فتية تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه ولا يكلفه ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فليعنه" (رواه الترمذي).

8-الإحسان إلى عامة الناس

قال الله تعالى: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} (آل عمران134).

قال سبحانه: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (فصلت:34).

قال سبحانه: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} (التغابن:14).

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" (رواه الترمذي).

يقول الحسن البصري: "لأن أقضي حاجة أخ أحب إلي من أن أعتكف سنة" (عيون الأخبار لابن قتيبة 4/175).

يقول الشيخ السعدي: "يدخل في الإحسان قضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم وإرشاد ضالهم وإعانة من يعمل عملاً والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك مما هو من الإحسان الذي أمر الله به" (تيسير الكريم الرحمن ص:91).



سادساً: طرق الإحسان:

1-الإحسان بالنفع البدني:

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة" (متفق عليه).

2- الإحسان بالمال:

قال الله تعالى: {وأحسن كما أحسن الله إليك}( القصص:77).

قال الشيخ السعدي في تفسيره: "وأحسن إلى عباد الله كما أحسن الله عليك بهذه الأموال"( تيسير الكريم الرحمن ص:623).

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنفق يا ابن آدم ينفق عليك" (متفق عليه).

قال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (متفق عليه).

قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض بالمال

(ديوان حسان بن ثابت).

يقول الشيخ العباد: "ومن وسع الله عليه الرزق وآتاه المال فإن عليه أن يشكر الله على ذلك بصرفه في الطرق التي شرعها فيقضي الحاجة ويواسي المنكوب ويفك الأسير ويقري الضيف ويطعم الجائع"( ثلاث كلمات ص:13).



3- الإحسان بالجاه:

قال الله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} (النساء85).

قال الشيخ السعدي: "المراد بالشفاعة المعاونة على أمر من الأمور فمن شفع لغيره وقام معه على أمر من أمور الخير ومنه الشفاعة للمظلومين لمن ظلمهم كان له نصيب من شفاعته بحسب سعيه وعمله ونفعه ولا ينقص من أجر الأصيل والمباشر شيء" (تيسير الكريم الرحمن ص191).

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: "اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب"( متفق عليه).

يقول الإمام الشافعي:

وأد زكاة الجاه واعلم بأنها كمثل زكاة المال تم نصابها

(ديوان الشافعي).

يقول الشيخ العباد: "إذا لم يتمكن المسلم من قضاء حاجة أخيه وإيصال النفع إليه فعليه أن يكون عونا له في سبيل تحصيلها وذلك بالسعي معه لدى من يستطيع ذلك"( ثلاث كلمات ص 13).



4- الإحسان بالعلم:

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية" (رواه البخاري).

قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: "فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن تكون لك حمر النعم" (متفق عليه).



5- الإحسان بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قال الله تعالى على لسان نوح عليه السلام: {أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون} (الأعراف:62).

قال سبحانه: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران: 104 ).

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (رواه مسلم).

قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "خير الناس أقرؤهم وأتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم" (رواه أحمد).

يقول ابن رجب: "أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل عليه السلام وسمى ذلك كله ديناً فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها وهو مقام الإحسان" (جامع العلوم والحكم 1/159).

-------

المصادر:

1-تفسير القرآن العظيم لابن كثير.

2-تيسير الكريم الرحمن للسعدي.

3-ثلاث كلمات في الإخلاص والإحسان والالتزام بالشريعة لعبد المحسن العباد.

4-جامع العلوم والحكم لابن رجب.

5-الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.

6-شرح رياض الصالحين لابن عثيمين.

7-فتح الباري للحافظ ابن حجر.

مصدر النقل: موقع رسالة الإسلام