بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد…
فهذا بحث في الشرك الأصغر، وما قيل في حده، وحكمه، وأنواعه، أسأل الله العلي العظيم أن ينفع به كاتبه وقارئه، وأن يكتب لي أجره، وأن يجنبنا الشرك كله كبيره وصغيره، جليه وخفيه، إنه خير مسؤول، وهو حسبي وعليه توكلت.
أولاً: حده وما قيل في التمييز بينه وبين الشرك الأكبر.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
((وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركاً أكبر بحسب قائله ومقصده، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل قال له: ما شاء الله وشئت: ((أجعلتني لله نداً، قل ما شاء الله وحده)) وهذا اللفظ أخف من غيره من الألفاظ))(1).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى:
((الثاني: الشرك الأصغر كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، وعدم الإخلاص لله تعالى في العبادة، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب المنزلة والجاه عند الخلق تارة، فله من عمله نصيب، ولغيره منه نصيب، ويتبع هذا النوع؛ الشرك بالله في الألفاظ، كالحلف بغير الله وقول: ما شاء الله وشئت، ومالي إلا الله وأنت، وأنا في حسب الله وحسبك، ونحوه، وقد يكون ذلك شركاً أكبر بحسب حال قائله ومقصده، هذا حاصل كلام ابن القيم وغيره))(2).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى:
((وأما الشرك الأصغر فهو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسَّل بها إلى الشرك، كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، كالحلف بغير الله، ويسير الرياء، ونحو ذلك))(3).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم:
((والشرك قسمان، أكبر وأصغر، وبينهما فرق في الحكم والحد …)) ثم قال: ((الأصغر: هو ما أتى في النصوص أنه شرك، ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر))(4).
وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى آمين:
((فالشرك الأكبر ما يخرج الإنسان من الملة، والشرك الأصغر ما دون ذلك.
لكن كلمة "ما دون ذلك" ليست ميزاناً واضحاً، ولذلك اختلف العلماء في ضابط الشرك الأصغر على قولين:
القول الأول: أن الشرك الأصغر كل شيء أطلق الشارع عليه أنه شرك، ودلت النصوص على أنه ليس من الأكبر، مثل: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) …
القول الثاني: أن الشرك الأصغر ما كان وسيلة للأكبر، وإن لم يطلق الشرع عليه اسم الشرك، مثل أن يعتمد إنسان على شيء كاعتماده على الله، لكنه لم يتخذه إلهاً، فهذا شرك أصغر(5) …
ثم قال: وربما نقول على هذا القول إن المعاصي كلها شرك أصغر، لأن الحامل عليها الهوى، وقد قال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم)) (6).
قلت: ويؤيده قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:
((وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ذلك لما أحب المال حباً منعه عن عبادة الله وطاعته، صار عبداً له، وكذلك هؤلاء، فيكون فيه شرك أصغر، ولهم من الوعيد بحسب ذلك، وفي الحديث أن يسير الرياء شرك، وهذا مبسوط عند النصوص التي فيها إطلاق الكفر والشرك على كثير من الذنوب))(7).
وقوله: ((وإن كان مراده جنس الشرك، فيقال: ظلم العبد نفسه كبخله لحب المال ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر، ونحو ذلك، فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار))(8).
فهذا حد الشرك الأصغر.
---------------------------------------------
(1) مدارج السالكين: (1/352).
(2 ) تيسير العزيز الحميد: ص: (45).
(3 ) القول السديد: ص: (24).
(4 ) حاشية كتاب التوحيد: ص: (50).
(5 ) قال في الحاشية: بشرط أن يكون الاعتماد صحيحاً، فإن كان غير صحيح كاعتماد على الموتى ونحوهم، فهذا شرك أكبر.
( 6) القول المفيد: (1/264-266).
( 7) الفتاوى: (7/72).
( 8) (7/82) وانظر معارج القبول: (2/432-433).


رد مع اقتباس
مواقع النشر (المفضلة)